الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سركون بولص.. الشاعر الذي رأى كلّ شيء

تم نشره في الجمعة 29 آب / أغسطس 2008. 03:00 مـساءً
سركون بولص.. الشاعر الذي رأى كلّ شيء عواد علي

 

 
برحيل الشاعر العراقي سركون بولص ، العام الماضي ، تكون "جماعة كركوك" الأدبية ، التي تشكّلت على نحو عفوي في ستينيات القرن الماضي ، وعُدّت المهد الذي ولدت فيه الحداثة الثانية في الشعر العراقي ، قد فقدت ثلاثة من أعمدتها ، إذ سبقه جان دمو (الشاعر والمترجم) عام 2002 ، وجليل القيسي (القاص والكاتب المسرحي) عام ,2006 ولم يبقَ على قيد الحياة من هذه الجماعة الطليعية إلاّ: فاضل العزاوي ، ومؤيد الراوي ، وصلاح فائق ، وأنور الغساني ، وآخرين اقل شهرةً منهم.

كان سركون بولص ، من دون شك ، هو الأبرز موهبةً بين أقرانه في تلك الجماعة ، والأكثر تميزاً وفرادةً وحداثةً وتأثيراُ على الأجيال الشعرية العربية التي أعقبته ، كونه صاحب الصوت الشديد الخصوصية في قصيدة النثر العربية ، فمن خلال تجربته العميقة ، وثقافته الكبيرة المبنية على إطلاع واسع على الشعر العالمي ، وتمرده على الفصاحة والبلاغة ، وفي انفتاحه على اليومي والعابر ، وفي استسلامه لإغراءات المخيلة واللاوعي ، حسب تعبير عبدة وازن ، صنعت هذه القصيدة ، إلى جانب قصائد عدد من شعراء جيله ، انعطافتها الكبرى بعد ريادة الماغوط وأنسي الحاج. ورغم أن شاعريته تكونت من دون أب ، حيث بدأ في مطلع الستينيات ، مجهّزاً ، مكتمل الأداة ، مفاجًئاً وحكيماً في آن ، فقد أقبل الشعراء الشباب على قراءته والتمثل به ، ووجدوا فيه "الأب" الذي يرفض أن يمارس أبوته.

جاء من الحبانية ، التي ولد فيها عام 1944 ، إلى مدينة كركوك رفقة أسرته ، وهو في سن الثانية عشرة ، وهناك وجد نفسه في مدينة فسيفسائية ، متعددة القوميات والثقافات والأديان ، وكأنها تختصر العراق كله ، سكانها مزيج رائع من العرب والأكراد والتركمان والآشوريين والسريان والأرمن والكلدان ، إضافةً إلى أجناس بشرية أخرى من موظفي شركة النفط في "بابا كركر" الواقعة شمال المدينة ، حيث تتوهج النار الأزلية منذ عشرات القرون. هؤلاء السكان كانت تجمعهم الإلفة والتآخي والانفتاح ويوحدهم التطلع إلى مستقبل زاهر ، ورخاء اقتصادي ، مدينة حاضنة تفتح ذراعيها لكل من يقصدها بحثاً عن الرزق ، والانتماء إلى نسيجها المتنوع الألوان والأطياف. فيها وجد سركون بولص هويةً ، وخاصيةً ثقافيةً لازمته حتى وفاته ، ولؤلؤةً لصياد صبور مثله:

"النجوم تنطفيء فوق سقوف كركوك

وتلقي الأفلاك رماحها العمياء

الي آبار النفط المشتعلة في الريح

الى كلب ينبح في بستان مهجور

وعندما تشق حجاب الليل صرخة مقهورة

فأنه الآشوري المتقاعد يخلع ضرسه"

لقد كتب قصيدته الأولى عن الصياد في السنة الأولى لوصوله إلى كركوك ، و لم ينسَ تلك القصيدة مطلقاً لأن فكرة الصيد هي مفهوم الشاعر الحقيقي ، أي أن الشاعر ، كما يقول ، يجلس على البحر أو على الشاطىء كل صباح ويدلي بشصه في الماء. وظلت كركوك عالقةً في ذهنه فكتب عنها في كل دواوينه ، وخاصةً في ديوانه "الأول والتالي" الذي نشرت فيه قصيدة اسمها نهار في كركوك. ويعلل بعض من تنبه إلى ذلك أن كتابته عن كركوك هي كتابة عن الطفولة قبل كل شيء ، عن الذكريات الشخصية ، والصور العابرة التي انحفرت في أعماقه وشكّلت لاوعيه.

ولأن شركة النفط اجتذبت كثيراً من السكان للعمل فيها ، فقد كان تواصل السكان مع هؤلاء الأجانب ومع اللغة الانجليزية السائدة في العمل حالة انفردت بها كركوك عن مدن العراق الأخرى. ولذلك أتقن سركون وجل شعراء "جماعة كركوك" الانجليزية في وقت مبكر من حياتهم ، وهذا ما أفسح لهم المجال للقراءة بهذه اللغة والذهاب مباشرة إلى المصادر والتجارب التي كانت الحداثة العربية بالكاد بدأت بترجمتها وتبنّيها ، وفي هذا الصدد يقول سركون في أحد الحوارات الصحفية: "إن قراءتي باللغة الانجليزية قد عجلت في نمو معرفتي وتطوري بأساليب جديدة ، كما عجلت في معرفتي بأسماء أدبية عالمية مهمة. نعم ، كنا نشعر بنوع من التفوق لأننا كنا نعرف كيف نقرأ كتباً معينة لا يعرف الآخرون كيف يستدلون عليها". ويعترف سركون بأن تلك القراءة جعلته ، هو وجماعته ، يتأثرون بشعراء حركة "البيتنكس" الأميركيين ، تأثراً أخلاقياً ، ويتعلمون منهم أن يكونوا أحراراً ، ويجربوا الكتابة بأساليب جديدة من دون خوف. ومن فضائل اتقانه للانجليزية أيضاً أنه أصبح من المترجمين المتمكنين من فن الترجمة ، وقد رفد المكتبة العربية بالعديد من ترجماته الأمينة لقصائد جيل "البيتنكس": كرواك ، غريغوري كورسو ، بوب كوفمن ، لورنس فيرلينغيتي ، غاري سنايدر ، وشعراء غربيين كبار مثل: إزرا باوند ، أودن ، ميرْون ، شيللي ، شكسبير ، وليام كارلوس وليامز ، سيلفيا بلاث ، روبرت دنكان ، جون آشبيري ، آنا سكستون ، روبرت بلاي ، جون لوكان ، ريلكه ، إضافةً إلى نيرودا ، وفاسكو بوبا.

في منتصف الستينات غادر سركون بولص كركوك إلى بغداد ، اعتقاداً منه بأن الكركوكي بالنسبة للبغدادي في تلك الفترة كان أشبه بالقروي ، وهو يمثل التفكير الريفي بالنسبة للتفكير المديني الذي كان يجسده رجل العاصمة حيث الحانات والانفتاح من الناحية الاجتماعية والجنس والنساء والحب. لقد كان يحلم ببغداد وكأنه إذا وصل إليها سيكون قد وصل الى واحة كبيرة تضج بالحياة. وقبل ذلك أرسل وهو في سن السابعة عشر من عمره أوّل 16 قصيدة إلى مجلة »شعر« في بيروت ، فاحتفى بها رئيس تحريرها الشاعر يوسف الخال احتفائه بقصائد الشعراء الكبار ، ونشرها دفعةً واحدةً في أحد أعداد المجلة ، ومن يومها صار هاجسه الخروج إلى فضاءات أرحب. كانت بغداد محطةً ليس إلاّ ، وملاذاً لارتياد مكتباتها ومقاهيها ونواديها الليلية ، وعروض فرق الباليه العالمية الزائرة. ولكنه عانى فيها ما عانى من المضايقات والحسد والغيرة بسبب موهبته المبكرة ، مقابل أنصاف المواهب ، وأدعياء الأدب المهيمنين على المؤسسات الثقافية ، فقطع المسافات هارباً من جنون البلاد عام 1968 إلى بيروت ، عبر الصحراء السورية ، من دون جواز سفر ، متأبطاً بعض المخطوطات من قصائده وقصصه ، وترجمة جبرا إبراهيم جبرا الكاملة لمسرحية شكسبير "الملك لير" لإيصالها إلى يوسف الخال كي ينشرها في دار النهار. ورغم ثراء بيروت الثقافي والإنساني ، فإنه لم يمكث فيها طويلاً ، بل هاجر في السنة التالية إلى سان فرانسيسكو ، بمساعدة الخال وأصدقائه ، وأمضي فيها أكثر من عشرين عاماً ، ثم أخذ يتنقل بينها وبين أوروبا ، وخاصةً في ألمانيا حيث حصل على عدّة مُنَح للتفرّغ الأدبي ، وصدرت له فيها ثلاثة كتب بالألمانية: غرفة مهجورة ، قصص :1996 شهود على الضفاف ، قصائد مختارة 1997 ، وأساطير وتراب ، سيرة ,2002

في ديوانه الأول "الوصول إلى مدينة أين" الصادر عام 1985 كان اعتماد سركون بولص على الصورة السوريالية بشكل مبالغ فيه ، ذلك لأنه ، كما يقول ، كان منذهلاً بالصورة في ذلك الوقت ، وبشكل مبسط كانت الصورة المكثفة بالنسبة له آنذاك هي جواز المرور إلى عالم اللاوعي ، وكان مندهشاً ويفكر صورياً إلى أن تجاوز هذا الموضوع ، ووجد نفسه في الديوان الثاني "الحياة قرب الأكروبول" يتخلص من الصورة قدر الإمكان ، ويبسطها لتخدم شيئاً آخر هو الحالة ، أو المشهد الشعري الداخلي الذي ينظر إليه كمرجع للخارج ، أي في الحياة المدرة والمتدفقة ، ثم حاول أن يتخلص من آثار التصوير المباشر في الدواوين اللاحقة (الأوّل والتالي ، حامل الفانوس في ليل الذئاب ، وإذا كنتَ نائماً في مركب نوح).

ولأن الشعر بالنسبة إلى سركون بولص كان مشروع حياة ومشروع كتابة ، فقد كرّس كل حياته من أجله ، وعدّ الكتابة بالنسبة له إجمالاً نوعاً من العذاب الحقيقي واللذة النهائية أيضاً. "اللذة هي أنك تقضي سنوات طوالاً وأنت مستغرق في أسرار الكتابة ، وبالذات أسرار الشعر لتخلق لنصك قوانين خفية تشدك إلى هذا المكان الغامض أو المنحى الباطني الذي تكون مستعداً لأن تضحي من أجله بكل شيء". لقد قضى أكثر من أربعين سنة في كتابة الشعر ، وملازمة هذا الهم الجميل ، ومع ذلك فإنه لم يرد أن يتظاهر بأنه كرّس حياته للشعر أكثر من غيره لأنه موقن تماماً بأن ثمة شعراء في هذا العالم ضحوا من أجل الشعر بأشياء كثيرة لا تصدّق ، وعرفوا منذ البداية حجم المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقهم ، لأن اختيار الشعر مسألة غير هينة على الإطلاق. الشعر عالم له أسرار لا تنتهي ، ورهان خطير. وهذا الإخلاص الكبير للشعر هو أحد الأسرار التي تجعل من شعره ، كما يقول عباس بيضون ، "طبيعي. طبيعي كالدم والكحول وورق الشجر. شعر خرج من قوة الشعر أولاً ، ومن قوة الذات الشاعرة". وحالما تبدأ قصيدته تبدو "أنها ممارسة نثرية شبه كاملة ، ليس بمعنى أنها قصيدة نثر فقط ، بل المقصود أنّ الشاعر لا يقوم بتحويل المادة اللغوية المحتوية على الشعر إلى نثر ، إنما يبدأ مباشرةً مما هو نثري". ويعزى هذا إلى فهم سركون لقصيدة النثر ، فهي ، حسبما يرى ، تستغل وتغرف من كل الروافد ، ومن كل الأنهار ، ومن طرائق الكتابة المقالية. وتغرف من الكتابة الدينية ، ومن النص الصوفي ، ومن العلم ، ومن السينما والباليه والرقص ، وربما هذا الذي يشكل إيقاع قصيدة النثر. إن الشاعر عندما يكتب ، وهذا ينطبق عليه تماماً ، يكتب بكل حواسه وبكل معرفته ولا يكتب مثل الشاعر التقليدي الذي يحاول أن يطربنا ويهزنا ، أو يحاول أن يقنعنا بفكرة سياسية أو أيديولوجية. ولكي يكون شاعراً حراً ، بعيداً عن ماكنة الدولة أو المنظمة أو المؤسسة ، يجب أن يقف وحده خارج تلك الماكنة ويراها من الخارج ، فالشاعر الحقيقي هو الذي يرى كل شيء من الخارج ، ويقف على مسافة جمالية ضرورية بحيث يرى الأشياء ، ويحتفظ بحرية أن يقول عنها ما يريد.

رحل سركون بولص ومازال صوته الضاج يرن في أذني عبر الهاتف من برلين: "ما دمت يا صديقي قد هاجرت إلى كندا ، فإن أعذب ما ستسمع أو تقرأ من شعر في هذه البلاد الشاسعة هو قصائد الهنود الحمر ، إنها أصدق من كل ترهات....... إذهب إليهم واصغً إلى أرواحهم المتدفقة بالأساطير الشبيهة بأساطيرنا في سومر وآشور وبابل ، وتدفأ بنيرانهم التي تذكرك بالنار الأزلية في مدينتنا كركوك ".

ہ ناقد وكاتب وروائي عراقي

Date : 29-08-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش