الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أثر الفراشة لا يرى.. أثر الفراشة لا يزول

تم نشره في الجمعة 15 آب / أغسطس 2008. 03:00 مـساءً
أثر الفراشة لا يرى.. أثر الفراشة لا يزول د. محمد عبيد الله

 

 
"يقولون لا تبعد وهم يدفنونني

وأين مكان البعد إلا مكانيا"

بهذا البيت لمالك بن الريب افتتح الراحل محمود درويش كتابه (في حضرة الغياب ـ )2006 في هيئة عتبة دالة يتبنى معناها ، ويتطابق مع وعيها ، كما تمثل العتبة تناصا اتفاقيا على توحد نهاية الشاعرين أو مصيرهما من ناحية إمكانية أن يرثي الشاعر نفسه قبل أن يكتمل موته وغيابه ، مالك بن الريب وفق الرواية المشهورة لدغته أفعى وهو غريب عن موطنه ، وحينما بدأ السم يسري في جسده لجأ إلى الشعر ليسجل تجربة رفيعة يختلط فيها الموت بالحياة والغربة بالحنين.

أما درويش فقد واجه الموت وجها لوجه مرارا ، ورثى في رحلته الشاقة كثيرا من أصدقائه شهداء الثورة الفلسطينية ، كما كتب شعرا ونثرا ذا طابع تأبيني عن بعض الراحلين من الشعراء أو الشخصيات الفكرية والسياسية ممن ربطته بهم أسباب الحياة ، فالموت بصيغه المختلفة ليس شيئا مفاجئا في المعجم الفلسطيني ، وليس جديدا على درويش وحياته الكثيفة ، بل إنه اكتسب عند درويش وفي الإبداع الفلسطيني إجمالا كثيرا من التجميل والتزيين بوصفه سبيلا إلى الحياة الحرة المأمولة. ولكن تحول الموت إلى تجربة شخصية أمر مغاير مختلف عن وظيفته العامة وعن المنظور الفلسفي والثقافي له ، ولذلك أخذت تجربة درويش منحى جديدا عن تراثه السابق في الكلام على الموت أو مساءلته ، عندما خضع مضطرا لعملية قلب مفتوح نهاية التسعينيات في باريس ، وقد مكنته نجاته من مخاطر العملية أن يكتب كثيرا مما يرغب فيه ضد الموت فكتب جداريته ونشرها عام (2000) وكتب أيضا كتابه أو نصه: (في حضرة الغياب) إلى جانب كتابات ونصوص أخرى متناثرة في إصداراته الأخيرة.

(في حضرة الغياب) أقرب إلى كتاب سيرة ذاتية توازي المراحل الكبرى في حياة الشاعر ، لكن هذه السيرة تبدأ من النهاية قبل أن تعود للبدايات والطفولة ، وقد صاغ درويش هذه الكتابة في شكل صعب يتداخل فيه الشعر بالنثر والحقيقة بالمجاز ، والخاص بالعام. واختار راويا داخليا مشتقا منه ، أو من نفسه ، ليتمكن من معاينة صورته وحياته وروحه في حضور سطوة الموت - الضيف الذي هيأ له كأس نبيذ أحمر استعدادا لزيارته. وعلى هذا النحو من السرد المشعرن يبدأ الكتاب: "سطرا سطرا أنثرك أمامي بكفاءة لم أوتها إلا في المطالع ـ وكما أوصيتني ، أقف الآن باسمك كي أشكر مشيعيك إلى هذا السفر الأخير ، وادعوهم إلى اختصار الوداع ، والانصراف إلى عشاء احتفالي يليق بذكراك. فلتأذن لي بأن أراك ، وقد خرجت مني وخرجت منك ، سالما كالنثر المصفى على حجر يخضر أو يصفر في غيابك. ولتأذن لي بأن ألمك ، واسمك ، كما يلم السابلة ما نسي قاطفو الزيتون من حبات خبأها الحصى. ولنذهبن معا أنا وأنت في مسارين:أنت إلى حياة ثانية وعدتك بها اللغة ، في قارئ قد ينجو من سقوط نيزك على الأرض. وأنا ، إلى موعد أرجأته أكثر مرة ، مع موت وعدته بكأس نبيذ أحمر في إحدى القصائد".

بهذا النثر - الشعر وبمقاطع وقصائد تتداخل مع النسيج النثري حاول درويش أن يصوغ محطات من سيرته الشخصية المختلطة بسيرة عامة هي سيرة الشعب الفلسطيني في كتاب واحد تتداخل فيه الأنواع ولكنها تظل بنبرة واحدة: مواجهة الغياب والتأكد أو التوثق من مراوغة الموت الشخصي عبر اللغة الحية الأمارة بالحب والشعر. إنها محاولات إبداعية لتوطين النفس على القبول بمصيرها ضمن أفق إنساني رحب يسمح للشاعر أن يعاين تفاصيل الحياة والموت ، وهو الذي ارتهن زمانا طويلا للصوت العام أو الصوت الوطني الذي لا يتيح للذات أن تشكو أو تظهر معه على نحو جلي أو مؤثر.

وأما (الجدارية) فعمل شعري نادر يشرح درويش نفسه سبب كتابته وتسميته فيشير "إن الجدارية هي العمل الفني الذي ينقش أو يرسم أو يعلق على جدار ظنا ممن يفعل ذلك أن هذا العمل جدير بأن يحيا ، وبأن يرى من بعيد.. مكانيا وزمانيا. فهل أصابني مس من هوس البحث عن الخلود حين اخترت هذا العنوان الذي يذكّر ، في سياق الشعر العربي ، بمكانة المعلقة؟" يجيب درويش: "كلا ، لقد استبد بي هاجس النهاية ، منذ أدركت أن الموت النهائي هو موت اللغة. إذ خيل لي -بفعل التخدير - أنني أعرف الكلمات ، وأعجز عن النطق بها. فكتبت على ورق الطبيب: لقد فقدت اللغة..أي لم يبق مني شيء. من أنا بلا لغة؟؟ لذلك لم أتوقع لهذا العمل أن ينجز. كان المعنى الوحيد لوجودي هو أن أتمكن من الكتابة للمرة الأخيرة ، وحين كتبت هذه القصيدة استبد بي هاجس نهاية أخرى: لن أحيا لأكتب عملا آخر. لذلك سميته (جدارية) لأنه قد يكون عملي الأخير الذي يلخص تجربتي في الكتابة ، ولأنه نشيد مديح للحياة. لكنه وما دام قد كتب فإن عليه أن ينسى قصته وإدراكه أن الموت هو عذاب الأحياء ، وما دمت قد عشت مرة أخرى ، فإن علي أن أتمرد على كتابي هذا ، وأن أحب الحياة أكثر وأحبكم أكثر".

ويتداخل في هذا العمل الخيط الشخصي المتمثل في المواجهة الشخصية تماما مع الموت وجها لوجه ، مع الموت بأبعاده الفلسفية والوجودية ، وذلك عندما يصعد الشاعر الراحل هذه التجربة الشخصية لتغدو متقاطعة مع الوجود والعالم كله. ومن أشد المقاطع تأثيرا تلك الفقرات التي ترسم سيناريو محتملا لجنازة الشاعر وتدابيرها كما يتصورها بوعي الشعر ومخيلته :

"فيا موت، انتظرني ريثما أنهي تدابير الجنازة في الربيع الهش حيث ولدت ، حيث سأمنع الخطباء من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين وعن صمود التين والزيتون في وجه الزمان وجيشه. سأقول: صبوني ـ بحرف النون ، حيث تعبّ روحي سورة الرحمن في القرآن. وامشوا صامتين معي على خطوات أجدادي ووقع الناي في أزلي. ولا تضعوا على قبري البنفسج ، فهو زهر المحبطين يذكّر الموتى بموت الحب قبل أوانه. وضعوا على التابوت سبع سنابل خضراء إن وجدت ، وبعض شقائق النعمان إن وجدت. وإلا فاتركوا ورد الكنائس للكنائس والعرائس".

بعد هذه المجابهة الصعبة مع الموت عاش درويش قرابة عشر سنوات أخرى ، واصل فيها الكتابة والحياة والدفاع عن مكانة الشعر وخصوصيته ، فكتب دواوينه: حالة حصار ، لا تعتذر عما فعلت ، كزهر اللوز أو أبعد. وجمع مقالات مختارة صدرت باسم: حيرة العائد ، وختم حياته بيوميات شعرية - نثرية تحت عنوان: أثر الفراشة ، ليميل فيها إلى الصوت الهامس الخافت ، وإلى الإيقاع الخفيف الذي يمر على القلب سهوا بلا صوت ، كأنه يقطر معناه شفافا رقيقا دون أي ضجيج بحثا عن إيقاع غائر يطابق ما دعاه بـ"أثر الفراشة" ذلك الأثر الخفيف الممعن في خفة ربما تشبه خفة الروح وهي تصعد من جسد الكائن ، ولقد قدم الشاعر تمثيلا لذلك الأثر في قصيدة قصيرة حملت العنوان الدال (أثر الفراشة) ومنحت الكتاب عنوانه وإيقاعه الكلي:

أثر الفراشة لا يرى ـ أثر الفراشة لا يزول

هو جاذبية غامض ـ يستدرج المعنى ويرحل ـ حين يتضح السبيل

هو خفة الأبدي في اليومي ـ أشواق إلى أعلى ـ وإشراق جميل

هو شامة في الضوء تومئ ـ حين يرشدنا إلى الكلمات ـ باطلنا الدليل

هو مثل أغنية تحاول ـ أن تقول ، وتكتفي ـ بالاقتباس من الظلال ـ ولا تقول

أثر الفراشة لا يرى ـ أثر الفراشة لا يزول

لقد رحل درويش لكن كلماته لم ترحل ، بل هي باقية خالدة ، وليس أفضل من استعارة جملة قالها درويش في رحيل إسماعيل شموط "هو الآن في غيابه أقل موتا منا وأكثر منا حياة" وهو حال درويش أيضا وحال الراحلين العظام الذين لم يكن مرورهم عابرا في الحياة العابرة.

ہ شاعر وناقد وأكاديمي أردني

Date : 15-08-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش