الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رحل أنيس صايغ في عمان ودفن في بيروت وروحه سافرت إلى طبريا

تم نشره في السبت 2 كانون الثاني / يناير 2010. 02:00 مـساءً
رحل أنيس صايغ في عمان ودفن في بيروت وروحه سافرت إلى طبريا

 

 
* كتب المحرر الثقافي

رحل عن عالمنا الاسبوع الماضي المفكر الفلسطيني المرموق أنيس صايغ ، والذي كان في زيارة لابنته في عمان ، حينما توفي عن ثمان وسبعين سنة ، وتناقلت الصحف العربية ووكالات الانباء هذا الخبر لاهيمة الرجل الفكرية والسياسية ، وقامت حركة حماس وحزب الله على الفور بنعيه وكذلك الحزب القومي الاجتماعي السوري والرئيس الفلسطيني محمود عباس والسفارة الفلسطينية في عمان وحتى امين عام الجامعة العربية عمرو موسى ، وكُتبت العديد من المقالات اثر رحيله كان ابرزها في جريدة السفير اللبناينة والقدس العربي وكتب عنه الكثير ممن عرفوه وعايشوه في بيروت ، وقد تأثرت الاوساط الثقافية والسياسية في الأردن على رحيل الفقيد ، وقام المنتدى القومي العربي بنعيه ، كما نعته العديد من الشخصيات الوطنية والثقافية البارزة.

يعتبر الراحل أحد المؤرخين الأساسيين للقضية الفلسطينية ، ليس فقط بسبب مؤلفاته الكثيرة في هذا المجال ، بل بفضل رغبته في عمل موسوعي ، ومركز أبحاث ومكتبة متخصصة ، وهو عميد البحث العلمي الفلسطيني ، وقد ترك العديد من المؤلفات والكتب والمراجع ، وأسس مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت ، كما أسس مجلة شؤون فلسطينية ، ومجلة شؤون عربية والمستقبل العربي وقضايا عربية. بدأ بإصدار مؤلفاته قبل سفره لإكمال دراسته في أميركا حيث كان باكورتها لبنان الطائفي عام 1955 ، تلاه الأسطول الحربي الأموي في البحر الأبيض المتوسط 1956 ، ثم جدار العار ,1956 وبعد ذلك صدر له سورية في الأدب المصري القديم ,1957 وقد كتب عن "المفهوم القومي والهاشميون والثورة العربية". ومنذ عام 1966 بدأت كتابته تتركز بشكل خاص على فلسطين والحركة الصهيونية مثل الجهل بالقضية الفلسطينية والساسة الإسرائيليون. ليس هذا فقط بل له فضل في بلورة وتخريج العديد من المفكرين والباحثين الملتزمين بالقضية الفلسطينية.

لم تكن حياته سهلة ، فقد والدته ثم إخوته الواحد تلو الآخر ، ومن ثم والده ، وكاد هو الآخر يرحل باكرا إثر عدة محاولات لاغتياله ، لولا أن الحظ انتشله خاصة ، عندما حاولت إسرائيل اغتياله عام 1972 بطرد ناسف. فقد على إثر ذلك إحدى عينيه ، وتعثرت الرؤية عنده ، كما فقد بعض أصابعه.

كتب الراحل سيرته وصدرت عام 2006 عن دارالريس في بيروت ، وربما يكون من المناسب استذكار بعض ما ورد في هذه السيرة: فقد جاء الكتاب في تسعة فصول كان الاول كما هو متوقع عن العائلة حيث ولد المرحوم في طبريا عام 1931 وكان آخر عنقود هذه العائلة العربية المسيحية ، وكان والده القسيس الإنجيلي عبدالله الذي ولد في خربا الحورانية ، وووالدته عفيفة من البصة على الشاطىء الفلسطيني ، وهو وبعض من إخوانه ولدوا في طبريا على شاطىء بحر الجليل ، وكاد يحمل اسم بنيامين ، لولا اصرار والده ان يسمى باسم عربي بحت ، وهو واحد من سبعة اولاد وبنت واحدة ماري ، أنجبتهم هذه العائلة ، سبعة ذكور أحدهم فؤاد الذي مات طفلا ، أما الباقون الستة فقد برز كل منهم في حقله: أخوه الكبير يوسف من أبرز الخبراء الاقتصاديين العرب ، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ، ومدير عام مركز التخطيط ورئيس الصندوق القومي الفلسطيني.وأخوه فايز الأستاذ الجامعي ، ومدير مكتب الجامعة العربية في نيويورك ، ومؤسس مركز الأبحاث الفلسطيني ، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني ، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وتوفيق الاستاذ والشاعر ، وتزوج المرحوم من هيلدا شعبان وهي أردنية من السّلط ، ودرس الامير رعد بن زيد.

يتحدث عن مسقط الرأس طبريا ، الفردوس الذي اجتاحه الأشرار الصهاينة وشردوه الى شتاته الواسع. طبريا هي الحب المفقود الذي يتوق الى العودة اليه ولكن شرط أن يكون محرراً من الاحتلال ، وبعدها ينتقل الى الأمر الذي شغلة على مدى العمر منذ أن كان تلميذاً ابتدائياً ، "الكتابة والتأليف" وله بالإضافة الى هذا الكتاب تسع عشرة كتاباً ومئات المقالات والأبحاث ، وعن مركز الأبحاث والموسوعة الفلسطينية ، قال "ارتبط المركز والموسوعة بي وارتبطت بهما حتى كدنا نصبح واحداً" ، وبالفعل كانا كذلك. عبرهما ناضل وقاتل ولئن كان أصاب به بالعدو مقتلا ، إلا أن شظايا الغدر الصهيوني وعداءه للحقيقة والفكر العربي أفقدته بعض الحواس ، السمع والبصر والشم وبعض الأصابع ، كأن العدو أراد أن يفقده القدرة على ممارسة هوايته المفضلة القراءة ومهنته الكتابة ، ولكنه وجد في زوجته ومساعديه ومحبيه العوض فيقرأون له ويملي عليهم عصارة أفكاره ، فتمكن من قهر العدو ، فهو لا يزال يستعمل سلاحه القاتل ضده ، مع أنه قال إنه لم يطلق رصاصة واحدة طوال سني عمره.

وينتقل الى الحديث مطولاً في فصل عنونه: "في العلاقة مع السيد ياسر عرفات المأساة أن تتحول الوقائع والأحداث الى نوادر للتسلية وفكاهات للدعاية" ، ويسهب لتبرير العلاقة المتوترة مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الذي كان يضع العصي في دولاب عمله ، مع أن السيد عرفات كان بشكل أو بآخر رئيسه المباشر كون مركز الأبحاث كان أحد روافد منظمة التحرير الفللسطينية ، والمفروض أن يكون أحد أمضى أسلحتها. ويقول الدكتور أنيس في هذا الخصوص: "أما أن يعتب علي بأني أنبش صفحات من الذاكرة عن عرفات بعد رحيله فأمر مردود ومرفوض ، لأن هذه الصفحات جزء أساسي من تاريخ شعب وقضية وثورة. وإن تجارب المرء الشخصية حق من حقوق الأمة وتراثها الثقافي والسياسي والنضالي وليست ملكاً لفرد يستأثر بها ويتستر عليها ، رحم الله ياسر عرفات". ويضيف: "كان عرفات يريد أن يكون المركز ومنشوراته وباحثوه رجال إفتاء يجيزون الأفكار والآراء والأحكام التي يريدها حسب مزاجه وفهمه للأمور". وهو يقول: "لم يكن لعرفات مآخذ واضحة وصريحة ومباشرة على إدارتي لمركز الأبحاث".

في سنة 1982 استهدف العدو عندما احتل بيروت مكتبة المركز وقام بمصادرة كل ما يهمّه فيها (نحو عشرة آلاف مخطوط ومجلد) أما قصة استعادتها فكانت قصة مأساوية بحق ، لأنه بعد استعادتها وإرسالها للجزائر ، جرى إهمالها من قًبل المعنيين في م.ت.ف وتعرضت للتلف والضياع.

ويتحدث في الفصل الثامن من سيرته: "في المدن وحكاياتها" ، التي زارها وأقام فيها أولاً نتيجة للاقتلاع من مسقط الرأس وحبه الأزلي ل"طبريا" الى صيدا حيث تلقى دروسه الثانوية ، فالى بيروت الجامعة الأميركية تعلم وعلم وأقام فيها معظم أيام عمره ، ومنها الى كمبريدج في بريطانيا حيث أيضاً درس ودرس ، المدينة التي لم يكل من زيارتها ، الى مدن أميركية وعربية مثل القاهرة وتونس وغيرها كثير ، فالسفر والتنقال كان له متعة ومن موجبات العمل.

واخيراً: "في التقاعد: من 'مقولة مت قاعداً' الى تعاقد مع الحياة للموت واقفاً". ولا يزال واقفاً ويعمل بالرغم عن الأيام والعاهات التي وقعها الإرهاب الصهيوني بأحرف بارزة على ضحيته التي دحرته. وقد كتب في تقديمه لأحد كتبي ، وهو واحد من عشرات المقدمات لكتب طلب منه كَتَابها أن يقدم لها ، فقد كتب معبراً عن ولعه بعدم القعود بالنسبة اليه والى غيره قائلاً:" الى أن حوَل 'تقاعده' المهني الى ظرف زماني في اعداد هذا الكتاب وغيره من الأعمال الفكرية والقومية".

وختم سيرته الذاتية قائلاً: "في طبريا وعلى الطريق الى طبريا ، ومن أجل طبريا ، يطيب الموت ، لأن المرء يموت واقفاً ، وكأنه لا يموت. هناك يتساوى الموت مع الحياة حلاوة. ودون ذلك تتساوى الحياة مع الموت مرارة."



[email protected]



Date : 02-01-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش