الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

القط الذي علمني الطيران

تم نشره في الأحد 19 أيلول / سبتمبر 2010. 03:00 مـساءً
القط الذي علمني الطيران * د. إبراهيم خليل

 

 
تختلف الرواية العربية ، منذ البدايات ، على يدي محمد حسين هيكل ، عن الرواية الغربية في أنّ المبدع الكاتب ينظر إلى روايته نظرة الشاعر للقصيدة. إذ يغلب على الروائي العربي إفادته من تجاربه الذاتية ، بدلاً من الانفصال عنها ، مثلما هي الحال لدى الروائي الغربي. لذا زعموا أنّ حامدًا ، في رواية "زينب" المذكورة ، هو هيكل نفسه. وزعموا الكثير من هذا القبيل ، مؤكّدين أن صوت المؤلف يعلو ، في الرواية العربية ، على غيره من أصوات الشخوص الأخرى ، وهذا ما وجدوه في روايات جبرا إبراهيم جبرا ، وحنّا مينة ، وغالب هلسا ، الذي لا يحلو له إلا تسمية البطل ، في بعض رواياته ، باسمه ، وهو "غالب".

وهذا ـ في نظر بعض النقاد ـ يُعد مأخذًا على الروائي ، ويوحي ، إلى حد ما ، بهشاشة السرد العربي ، لكنّ رواية "القط الذي علمني الطيران" ، لهاشم غرايبة ، وهي رواية لم تنشر بعد ، برغم أنها تتكئ على تجربته الذاتية في السجن ، إلا أنها تختلفُ كثيرًا عن الروايات المذكورة ، التي يتحد فيها السرد التخييلي بالسرد الحقيقي ، في ما يسمى بالسيرة الذاتية ، أو السيرة فحسب. والسيرة ، وَفقا لما يراه الناقد الكندي نورثروب فراي Frye ، في كتابه القيم "تشريح النقد" ، ليست من الرواية ، بل هي ضرْبّ من النثر غير القصصي ، وهي أقرب إلى التاريخ منها إلى شيءْ آخر.

فغرايبة ، في هذه الرواية ، نجح في أنْ يجعل من عماد ، الذي قضى عامًا ونيفًا في السجن ، بتهمة الانتماء إلى الشيوعيين ، قناعًا تخَفّى وراءَه الكاتب ، وَيكاد القارئ الذي لا يعرف هاشمًا معرفة حقيقة ، عن قرْب ، لا يلمح الصلة بين الاثنين. علاوةً على أنّه جعل من أحَد المعتقلين ، وهو سعيد ، الذي يلقَّبُ بالقط ، شخصية تملأ أجواء الرواية ، وتطغى على غيرها من الشخصيّات ، لا بسبَبً مغامرته الجنسية مع كرمة (الدّحْنونة) في سجن النساء ، ولا لكونه سبّاكًا ، ولكنْ بسبب الدور الذي يُؤدّيه في نهاية الرواية ، عندما نفّذ مع عماد ، والرفيق ، خطة للهروب الرمزي من السجن.

في هذه الرواية يتنكّب هاشم غرايبة لطرائق سابقة لجأ إليها في كتابته الروائيّة ، لا سّيما تلك التي يغلب عليها التجريب "المقامة الرملية" ، وتلك التي يغلبُ عليها التوثيق الحَرْفيّ المبالغ فيه إلى حدّ السرْد الفوتغرافي "الشهْبندر" ، والسَّرْد التاريخي الخالص "أوراق مَعْبد الكتبا". ففي "القط الذي علمني الطيران" ينحو الروائيّ منحىً واقعيًا على أكثرَ من مستوى ، وأعلى من صعيد ، فهو يصوّرُ عالم السجون تصويرًا دقيقاً ، بعيدًا عن السرد التقليدي ، متكئًا على الحوار الذي لا يَخْلو من المشهديّ ، والمحكيّ ، وهو ، بما يميل إليه من فكاهةْ ، وتهكُّم ، وخفّة روح ، يقنعُ القارئ بأنّ هذا الذي يرويه حقيقيّّ ، وفي الوقت نفسه ، أكثر خيالاً من الغرائب ، وأكثر طرافة من العجائب. أما اللغة ، فقد اقترب بها من الحياة اليومية اقترابًا أكبر ، من دون أنْ ينزلق للكتابة بالدارجة ، إلا في الحوار وحْده. وأما الألقابُ ، والمفارقات الساخرة ، التي تشيعُ في النصّ ، فقد أضفت على هذا العمل نكْهَة السرْد الشعبيّ ، مع أنّ بعض أبطاله مثقفون ، وحزبيّون ، وجامعيّون ، يلجؤون ، في بعض الأحيان ، إلى استخدام المونولوج الداخلي ، في مَسْعىً من الكاتبً للكشف عما في عالمهم الداخليّ ، الجوّانيّ. لهذا كلّه ، أرى في رواية "القطّ الذي علّمني الطيران" ، التي يُؤمل أنْ ترى النّورَ قريبًا ، روايةً جديرةً بالتنويه ، خليقةً بالتقريظ.

Date : 19-09-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش