الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مثقفون : عنوان النص الإبداعي .. لعبة لغوية وفضاء جمالي

تم نشره في السبت 4 أيلول / سبتمبر 2010. 03:00 مـساءً
مثقفون : عنوان النص الإبداعي .. لعبة لغوية وفضاء جمالي

 

عمان - الدستور - عمر أبو الهيجاء

يشكل عنوان النص الإبداعي سلطة لذلك النص ، ويكشف ، كذلك ، عن طبيعة النص ويساهم في إضاءته. وتنبع أهمية العنوان ، كذلك ، من اعتباره مفتاحا يتيح التعامل مع النص في بعديه: الدلالي والرمزي ، في هذا الاستطلاع تحدثت إلى بعض المثقفين عن سيميائية العنوان ، فكانت هذه الرؤى:

خالد الجبر

ينبغي أن يكونَ العُنوان تكثيفًا حقيقيّا دالاًّ للنّصّ ، بمعنى أنّ النّصّ يتولَّدُ منهُ أحيانًا إذ يكونُ قبْلًيًّا ، أو هُو تالْ للنّصّ ووظيفتهُ في هذه الحالً وظيفةّ دلاليّة محضة ، وهو علامةّ حقيقيّة عليه. لكنّ كثيرًا من العَناوين تختلفُ بدرجة من الدّرجات عن العنوان التّكثيفيّ - التّوليديّ ، فقد يكونُ مُراوًغًا إذا كانَ النّصُّ نفسُه كذلك ، وقد يكونُ دالاًّ إيديولوجيّا ، أو تجسيدًا لمفارقة ، أو شًعاراً ، أو قًناعًا ، أو استحالةً. وفي كلّ هذه الحالاتً يؤدّي العُنوانُ وظيفةً إمّا للدّلالة على النصّ كلًّه ، أو على جزء منه كأنْ يكونَ فصلاً من فصول الرواية أو الكتاب أو قصيدةً ، أو دالاًّ على الفكرة المحوريّة فيه ، أو على الغرض الخفيّ للكاتب ، لكنَّهُ فضلاً عن ذلكَ ينبغي أن يتمتّع بخصائص جَماليّة جاذبة ، وهذه نجدُها في جانبينً كلاهُما يتّصل بالمتلقّي ، فهو من جانب يستثيرُ شهيَّةَ القارئ ويُوقًعُه في فًتنتًه إذا كانَ عُنوانًا شًعريًّا ، ومن جانب آخر يوفًّرُ عتَبَةً أساسيَّةً من عَتباتً قراءة النّصًّ ، أي إنّه عميقُ الصًّلة بأفُقً التوقُّع لديه.

غير أنّك تجدُ من يتخيَّرُ عُنوانًا لا علاقةَ له بالنصّ ، وقد أصبحت هذه تَجارةً رائجةً في زمانْ يركّز كثيرًا على الدّعاية والإعلان ، ومثله أصبحَ تصميمُ أغلفة الكُتب: فالمهمّ أن يدفعَ العُنوانُ والغلافُ القارئَ إلى الشّراء ، وقلَّةّ هُم الذين لا يقَعُون في غًواية العُنوان والغلاف. إنّها خدعةّ جَماليَّة تستحقّ التّأمُّل ، وهي مستخدمةّ على نطاق واسع في الصّحافة خاصَّةً الصّفراء منها: لأنّ المهمّ فيها توفيرَ عناوين تُثيرُ شهيّة القارئً.

أحيانا تتعدّد العَناوين بما يشيرُ إلى حيرة الكاتب ، أو رغبتًه في الاستقصاء أو التّلاعُب بالقارئ ، وقد تكونُ العَناوينُ رُموزًا تمثّل إشاراتْ مرجعيَّة ، أو إحالاتْ نصيّة ، ومن هنا نجدُ عناوين تجسًّدُ تَناصّيّات ، وأُخرى مكانيَّةً تَشي برسوخً المكان في الذّاتً ، أو بدلالتًه عليها وعلى امتدادًها ، أو بتأثيره العميق فيها وفي الأحداث.

في كلّ الأحوال يجبُ التنبُّه على أنّ العُنوانَ يمثّل لُعبةً لُغويَّة لعلّها هي أكثرُ ما يُوقعُ الكاتبَ والقارئ معًا في حيرة ، وقد يستغرقُ اختيارُ العُنوانً أحيانًا أكثرَ ممّا يستغرقُ إنجازُ نُصوص مجموعةْ شعريّة أو قصصيَّة. لقد استغرقَ النقَّادَ وقتّ طَويلّ حتّى اكتشفُوا مثلاً أنّ (لماذا تركتَ الحصانَ وحيدًا؟) لم يكُن عُنوانًا اختاره محمود درويش لديوانًه ذاكَ ، إنّما اختارهُ أحدُ أصدقائه في بيروت. وبين الأكاديميَّةً والإبداعيَّة تتعدَّدُ الرّؤى والمعايير ، فالأكاديميُّ ينبغي أن يكونَ دالاًّ دلالةً محدّدة دقيقةً ، أمّا الإبداعيُّ فشأنُه مُختلفّ جدّا. ولمن أراد القراءة في هذا الجانب أنصحُ بكتاب (سيمياء العنوان) للزّميل الدّكتور بسّام قطّوس.

زهير توفيق

من شروط البحث العلمي اختيار عنوان ملائم للموضوع المطروح ، وبالتالي ، فعلى الكاتب الجاد ، احتراما لكتابته ورصانته ، الابتعاد ، ما أمكن ، عن العناوين البراقة والمثيرة ، أو ذات الحمولة الأيديولوجية الزائدة ، واعتماد الكثافة اللغوية ، والمعرفية ، والموضوعية ، والرزانة ، والمطابقة.

فمن الكتاب من يشغل نفسه أكثر من اللازم بالعنوان قبل الكتابة ، والانخراط في تحليل الموضوع ، فيثبت العنوان أولا ، وينطلق ثانيا في البحث ، ويسوقه التحليل والاستطراد ، وربما الشطط إلى عوالم ليس لها علاقة بالعنوان ، وهذا ما يكتشفه القارئ النابه والمتابع.

ومن المفارقات عجز الكاتب عن وضع عنوان دال دلالة مطلقة على محتوى الكتاب ، بحيث يكون مختصرا ورشيقا ، وعبارة عن قضية بالمعنى المنطقي مكونة من موضوع ومحمول او بلغة النحو جملة تتكون من مضاف ومضاف إليه ، أو مبتدأ وخبر ، وما شابه ذلك ، أما العناوين المطولة التي تستهلك صفحة الغلاف فليس من المهنية والاحتراف ، فهناك كتب نحتار في تحديد عنوانها الأصلي لأنها مكونة من عنوان أولي ثم تحته عنوان فرعي أطول وتحته عنوان توضيحي مطول ، فيزيد القارئ إرباكاً وتنفيراً بدلاً من تنويره وإرشاده ، ولا يدل إلا على عجز الكاتب وسيطرة موضوعه عليه بدلا من سيطرته هو نفسه على الموضوع.

ومن شروط تحديد العنوان ، وهو بمثابة الاسم الدال ، استثمار بلاغة وجماليات اللغة العربية لوضع عناوين رشيقة وجذابة ، وهذا ما تنبه له المفكر الراحل محمد عابد الجابري ، فجعل عناوين كتبه وموضوعاتها عناوين رشيقة جذابة كانت سببا من جملة أسباب رواج خطابه في الفكر العربي المعاصر.

وما انطبق على الجابري انطبق سابقا على فيلسوف كبير عُني بجماليات اللغة واستثمرها في عنونة كتبه الأدبية والإبداعية والفلسفية واقصد به جان بول سارتر ، فتأمل عناوين كتبه التالية واكتشف جماليات اللغة والعنوان الجذاب: شبح ستالين ، الوجود والعدم ، عارنا في الجزائر ، دروب الحرية ، وغيرها الكثير.

العنوان بمثابة الاسم الدال على الإنسان يفترض أن يكون دالا على محتواه ومطابقاً لموضوعة وفيه من الجمال والجاذبية الشيء الكثير.

عبد الرحيم جداية

العنوان بمثابة كاشف أول لماهية النص الأدبي ، وعتبة لولوجه ، وليس ذلك لقراءة النص وتذوقه ونقده فقط ، بل إن عناوين الكتب الأدبية تشكل مدخلا تصويريا للمحتوى في ذهنية المتلقي ومدخلا تأويليا للمضامين التي يحملها النص. ولا استبعد هنا النصوص البصرية التي قد تحمل عناوين توازي على صعيد الرسالة والفلسفة عناوين النصوص الأدبية ، ولا فرق بين الأجناس إلا بتقنياتها التي تميز جنسا عن آخر ، لتبقى العناوين المفاتيح النصية الأولى.

والعنوان ، كذلك ، يصنع الإشكال أو الانسجام بين المتلقي والنص ، فإن عبّر عنوان النص عن مكنون الكاتب الفلسفي والفكري ، فإنه يوصل الرسالة الفكرية والهم المجتمعي والذات المحملة بهموم المجتمع وأسئلة الوجود إلى المتلقي الذي يقرأ العنوان ، ويلج من خلاله النص ، أو يكون الإشكال عند المؤلف الذي قد يختار العنوان الجاذب بجماله وبريقه اللماع الذي يخدع المتلقي ، محاولا الولوج من خلال العنوان إلى النص فيجد التضاد ما بين المحتوى والعنوان.

وهذه الإشكالية قائمة على مر التاريخ ، لأن بعض المؤلفين قد يختار العنوان وينسج نصه حول ذلك العنوان بفكرة مكتنزة توصل الرؤيا إلى القارئ ، وقد تكون للكتاب طقوسا أخرى في اختيار عنوان أحد النصوص ليمثل المجموعة القصصية أو الشعرية ، وهذا لا يعبر ، بالضرورة ، عن مضمون المجموعة كاملة.



التاريخ : 04-09-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش