الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

روايات ... روايات

تم نشره في الثلاثاء 25 أيار / مايو 2010. 03:00 مـساءً
روايات ... روايات * يوسف عبدالعزيز

 

 
مثلما اجتاحت الشّعر حمّى قصيدة النّثر ، وأصبح لدينا في العالم العربي آلاف مؤلّفة من الأسماء الشعرية ، فقد بدأت ـ منذ سنوات ـ الحمّى إيّاها تتسلّل إلى الرواية. لم يعد ذلك الفنّ السّردي الباهر حكراً على تلك الجماعة الصغيرة التي تحدب عليه وتكتبه بروح الخبرة والمهارة ، بل امتدّ وتشعّب في الاتّجاهات كافة: فكتبه معلّمون وربّات بيوت وأطبّاء ورجال مال. في الواقع ، لقد أصاب الشعر والرواية ما أصاب الفنّ التّشكيلي في الغرب ، حين ظهرت ـ في الخمسينيّات من القرن الفائت ـ موجة ما سمّي في حينه بالبوب آرت ، حيث تمّ تحطيم النظرة النّخبويّة في الفنّ والهبوط بها إلى الشارع.

وهكذا ، ففي السنوات العشرين الأخيرة شهدنا نشر أعداد هائلة من الروايات العربية ، والتي تنوّعت سويّتها الفنّية بين الجيد والعادي والرّديء. بسبب هذا الانشغال غير المسبوق بالرواية ، فقد سمعنا من طلع علينا ليقول إنّ الرواية هي ديوان العرب ، وذلك بعكس ما كان شائعاً ، من قبلُ ، من أنّ الشعر هو ديوان العرب. كان من أطلق تلك التسمية الجديدة على الرواية مأخوذاً بالكم المنشور ، وليس بالكيف والماهيّة ، وقبل هذا وذاك بالنظرة العميقة والأبعاد المركّبة لهذا الفن السّردي.

مما يبعث في النّفس الألم ، هو أن تُجري مقارنة أوليّة بين رواية عربية تنتخبها ، وبين رواية عالمية لكاتب معروف من أمريكا اللاتينية أو اليابان أو من أوروبا وآسيا، طبعاً ، أنا لا أصدر في ما أذهب إليه عن وجود مركّب نقص تجاه الكتابة الأجنبية: فالرواية العربية موجودة على الخريطة العربية والعالميّة ، ولكنّ النّماذج الباهرة منها قليلة وقليلة جدّاً. لدينا ، مثلاً ، الروائي العربي أمين معلوف الذي كتب مجموعة متميّزة من الأعمال الروائية ، ولكن كم من أمين معلوف آخر يمكن أن نعد على مستوى الكتابة الروائية العربية؟ لدينا رواية §المتشائل§ لإميل حبيبي ، ولكن لم يعد هناك من تجارب جديدة تستلهم هذا التشكيل الفريد فيها أو تقف إلى جوارها.

ربّما كان البطش الذي يستشري في العالم العربي ، ويتمدّد مثل أذرع لوياثان القديم في جميع الاتّجاهات ، هو العلامة الفارقة في الحياة العربية ، وهو الذي يمنع ـ بالتالي ـ ظهور أيّ بادرة نبيلة أو إضاءة. لقد سبَقَنا العالم وتطوّر في الشرق وفي الغرب خلال الثلاثين سنة الماضية. أصبح هناك ديمقراطيات في دول أمريكا اللاتينية ، وتداول للسلطة ، كما هو الحال في الهند وأندونيسيا وجنوب أفريقيا ، وفي دول وبلاد صغيرة لا تخطر على البال ، وبقينا نحن أسرى التّخلّف والجمود والتّبعيّة. من أين يظهر الروائي الذي هو بمثابة راءْ كبير للكون والوجود ، وليس بمدوّن وقائع فارغة؟ كيف يمكن له أن يصعّد جنونه وهرطقته وهذياناته ونقده في واقع يمتلئ بالتّعسّف والقهر والبلادة وشيوع ظاهرة القطيع؟

هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فالوضع الثقافي العربي وضع مزرْ جدّاً ، سواء على مستوى وزارات الثقافة العربية أو على مستوى نظيراتها اتّحادات الكتّاب والروابط ، إذ ما زالت هذه المؤسّسات في الجانبين تُدار ، وباستثناءات نادرة ، بالعقلية المتخلّفة إيّاها: عقلية القرون الوسطى ، وتحارب ظهور أيّ موهبة حقيقية. ولو قُدّر للمتنبّي أن يولد ثانيةً ، هنا أو هناك في ربوع هذه البلاد العامرة بالقهر ، لأصبح محض رقم ، وأهملته الفضائيّات المشغولة بهزّ الخصور ، ولتمّ مثوله أمام المحاكم بسبب صورة شعرية هنا أو مجاز هناك.

وفي النهاية ، التّخلّف والاستبداد لا يصنع ثقافةً ، ولا روايةً. أمّا على مستوى حيوات المبدعين ، ومنهم الروائيون ، فهي حيوات محدودة في الغالب ، وتتحرّك حركة النّمال من الثقب الترابي الضئيل وإليه. ولذلك ، فأنا أستغرب كلّ ذلك الاجترار الذي يحدث للوقائع الشّائهة إيّاها ، ويَصْدُرُ في ما يسمّى روايات.



[email protected]



Date : 25-05-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش