الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وجيهة عبدالحق ... أمّ خارج السرب!

تم نشره في الاثنين 22 آذار / مارس 2010. 02:00 مـساءً
وجيهة عبدالحق ... أمّ خارج السرب! * فيروز التميمي

 

 
محيّر بالفعل أن يكون لك أم لا تنطبق عليها المواصفات التقليدية للأمومة ، لا تشبه الأمهات اللواتي تعرفهن ولا تشبه أمهات الروايات.

لا تشبه "وجيهة عبد الحق" الأمهات اللواتي يتم الحديث عنهن بمناسبة عيد الأم، لا علاقة لأمومتها بالشمعة التي تحترق لتضيء درب الآخرين ، ولا بالأمهات المنكبّات على آلات الخياطة طوال ليالي الشتاء ، ولا بالشاي بالميرمية ورتق الجوارب ، ولا بالاقتصاد المنزلي ولا بالقهر ولا بابتلاع الآلام والخذلانات بصمت.

أمهات الروايات ، القويات الكئيبات ، الحنونات المنكسرات ، المترفعات المنعزلات ، المناضلات المخذولات ، وحتى الأمازونيات القاسيات ، لا يشبهنها. أم غوركي ، و(أم سعد) كنفاني وكل الأمهات المرتبطات بالتضحية والبذل والصمت والانسحاب لا يشبهنها كذلك.

لا تبدو أماً كاملة الدسم، فهي تقوم بأعمال الأمومة دون تعب، دون عَرَق يتصبب على جبينها ، فتمنح دون أن تذوي ، وتُنجز دون أن تتعب. تسندنا مثل مطرق رمان دون أن يُثقل كاهلها وتظلّ أنيقة وتجيد استخدام التكنولوجيا، لا ينطبق عليها آيزو الأمومة،

مستلقية على سريري ، ذات ظهيرة صيف ، كنت أقرأ كتابا لنوال السعداوي يتحدث عن ذكرياتها كطبيبة مع حالات الاغتصاب وسفاح المحارم والعنف ضدّ المرأة. كنت في الأول الاعدادي وكان العالم الذي تتحدث عنه السعداوي بشعا وعنيفا. كنت أمسك الكتاب كمن يمسك فأراً جميلا ، بقرف واستمتاع معاً. مرّت أمي أمام بابي فأخفيتُ الكتاب بسذاجة. التقطت أمي الإشارة وجاءت مبتسمة تسألني لمَ أخفي الكتاب بخجل؟ قالت إنني يجب أن أقرأه وإنني لست صغيرة على معرفة بشاعات هذا العالم الذي نعيش فيه ، حينها تأكدت شكوكي أنها لا تشبه أمهات صديقاتي.

محرج للغاية أن يكون لك أمّ لا تستطيع مجاراتها في القراءة ولا في الواقعية ولا في الخيال ولا في الطاقة. فتبدو يمينياً أمام آرائها السياسية الصارمة ، وتبدو متخلّفاً وهي تبهدلك لا لأنك لا تتصل بها ، ولا لأنك لم تحضر عرس قريبك ، بل لأنك لا تعرف الحد الأدنى للأجور ولم تسمع تصريحات وزير التربية الأخيرة وتخربش في اسم وزير الخارجية،

وتبدو أنت عديم الثقافة حين تقارن عدد ونوعية الكتب التي تهبط ليوم أو يومين على المنضدة المجاورة لسريرها مقارنة بعدد ونوعية الكتب التي تعمّر على منضدتك بانتظار القراءة.

ليس سهلا أن تكون أمك امرأة مستقلة، فحين أتبجح بأني امرأة مستقلة ، أتذكر أنني أعتمد عليها تماما في إيجاد حلول لمشاكلي بكافة أحجامها وقياساتها: ابني الذي بدأ يراهق ، وزميل العمل الماكر والجارة الدبقة ، وحلول سردية لروايتي الداقرة،

وليس سهلا أن تكون أمك امرأة عنيدة، فوسط انهزاماتي المتكررة أمام عناد ولديّ ، لا أستطيع ألا أن أتذكّر كيف كانت تصفّنا أنا وإخوتي قبل أن تنطلق لعملها صباحا ، نقف صفا واحداً ممسكين بأكواب حليب بداخلها بيضة نيئة مفقوسة، وتقف هي أمامنا لا تحرّك ساكنا ولا تنطق بكلمة إلى أن نشرب ذلك الشيء،

وليس سهلا أن تكون أمك امرأة رومانسية، فتعريف السعادة كما رأيتها في طفولتي هو: فنجانَي قهوة صباحيين كسولين في السرير وسط القراءات المتمتعة صباح جمعة. تلك الصباحات ، وقبل أن أفتح عينيّ بكثير ، كنت أسمعها وأبي يتبادلان قراءة أشياء أحباها أو يتناقشان حولها. حين أفكّر الآن بتعريف خاص بي للسعادة أو الحب ، لا أجد سوى: فنجاني قهوة صباحيين كسولين في السرير وسط قراءات صباح جمعة ، فأجتر هزائمي أمام نجاحاتها.

وليس سهلاً أن تكون أمك متمرّدة، محرّضة على التغيير في كل ما تفعل ، مع جارتها أو عامل النظافة أو السيريلانكية أو حفيدها ، لا تدخل دائرة حكومية أو بنكا دون أن تكتب اقتراحاتها لتحسين العمل ونقدها اللاذع لطريقة العمل الحالية ، فتحس أنت أنك مدجّن ومتواطيء،

وليس سهلا أن تكون أمك صادقة، فحين تخرج من شرودك فجأة لتفاجأ بإصغاء أولادك - الذين لا يتوقفون لحظة عن الصخب والعنف، - الشديد إليها وهي تقص عليهم قصة فلسطين ، وتجيب على أسئلتهم الطفولية المحرًجة من نوع: لماذا لا يتحد العرب جميعا "ويكحشون" اسرائيل، تجيبهم هي بصدق يذكّرك أنك هربت من أسئلتهم وأنت تتساءل إن كان ينبغي لك إخفاء تاريخ من الخيبات والخذلانات عنهم ، وترقبها وهي تزرع في نفوسهم فلسطين والحب والعروبة والرفض و - رغم أنفك - آراءها السياسية،

[email protected]





Date : 22-03-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش