الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المفارقة حدّ الدهشة. قراءة في ذكور بائسة للقاص عمار الجنيدي

تم نشره في الجمعة 18 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً

محمد المشايخ *



عمار الجنيدي، واحد من الأدباء الذين اكتووا بسوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأدباء والكتاب، فوظـّف عددا من قصصه لمعالجة تلك الأوضاع في أكثر من قطر، وعبر التاريخ، فكان ناقدا ساخرا، واصفا ما يتعرض له المبدعون من إهانات من الجانبين الرسمي والشعبي.

ولشخصيات عمار القصصية أيضا رؤية خاصة، لا يرضى الواحد منها بأقل من»سوبرمان»، وهي تمثل كل ما في داخله من إرادة ، تـُعتبر في الأصل قوة مركبة من شهوة وحاجة وأمل، وقوة الإرادة عند عمار تهيء قلبه وعقله بشدة وعزم لإحداث أفعال يعجز عنها الأصحاء، ولطالما استجابت شخصياته القصصية لقوة الإرادة عنده، فكانت في أشدّ وأقوى درجاتها العليا لكي تـُنفـذ ما يريده رغم تجشّمها أشد الصعوبات وأعظم الآلام.

ففي قصة «هرولة»؛ شاعر يقرأ قصائده في مكان عام، والجمهور كله يتابع فتاة جميلة متناسيا وجود الشاعر، وحين تحس تلك الفتاة بالملل وتغادر القاعة، يتبعها كل الجمهور، حتى الشاعر نفسه يُلملم أوراقه ويتبعها معهم.

وفي قصة»المحاولة الأخيرة لإلقاء قصيدة»نجد الجمهور الذي يصغي للشاعر الجريء الذي يُغرّد خارج السرب، يهرب من القاعة خوفا من أن يتلقى العقاب من الجانب الرسمي، باستثناء ممثل ذلك الجانب يبقى، على أمل أن يأخذ الميكرفون من الشاعر، وتؤدي تلك المحاولة إلى نزف دم الشاعر على الورق، دون أن ينجح ذلك الشخص في تكميم فمه.

وفي قصة «قصيدة أخرى من أجلها»: يـُعجب الشاعر بفتاة، حتى تصبح ملهمته، وبعد أن كتب فيها عشرات القصائد وأوصلها لها، سألها عن رأيها به وبشعره تمهيدا لطب يدها للزواج، تقول له إن شعره جميل، لكنها لا تطيقه شخصيا، وإمعانا من عمار في مناكفتها، أجلس بطل قصته ليكتب قصيدة أخرى من أجلها.



وفي قصة»سوفوخليس» يدفع الثمن، التي توضح اهتمام الرومان بالشعر والشعراء، إلا أن عمار يجعل صانع السيوف ينجب شاعرا ، ولأنه ليس من طبقة النبلاء، فإنه في نهاية القصة يـُقتل..

وأود أن أشير هنا إلى أن عمار معني بما لدى المبدعين من عزة نفس وكرامة، ولذا فإنه لا يمعن في السخرية منهم، بقدر ما يمعن في السخرية ممن يضعهم في تلك المواقف ولأوضاع المحرجة.

وتمثلت إحدى الحوادث الفردية في قصص هذه المجموعة، في القصة التي حملت عنوان «ابوعقيل يحرث الأرض البور» التي تتحدث عن رجل يعشق امرأة رفضت أن تتزوجه رغم إلحاحه في الطلب، وبعد أن تزوجت تلك المرأة من غيره، وتزوج هو من غيرها، تأتي تلك المرأة لزيارة زوجته، وتنام عندها في إحدى غرف البيت، ويأتي هو متأخرا، ويعرف من ابنه انها في زيارتهم، فيطفئ الأنوار ويدخل لتلك السيدة ويطلب منها عدم التحدث كي لا يستيقظ أي فرد من الأسرة على صوتها على اعتبار انها زوجته، فساعدته تلك المرأة على إتمام مهمته، وهذه فكرة جهنمية من عمار، لم تخطر حتى على بال أي الشيطان نفسه.

وثمة أكثر من قصة في المجموعة، تتحدث عن المباهاة بالفحولة؛ ففي قصة «عامل المقسم» الموظفات يَقُمْنَ بتكتيف «عامل المقسم» وحشره في غرفة وإجباره على خلع ملابسه ليضربنه على عورته احتجاجا على كشفه أخبارهن التي يستقيها من المقسم حين يتحدثن، وفي النهاية يتفاجأن أن ذلك العامل دونما عورة.

أما في قصة «حارس البناية» فإن الزوجة تطرد زوجها الذي يميز بينها وبين زوجته الثانية وتبحث عن حارس البناية لإشباع رغباتها وحاجاتها الانسانية المُلِحّة.

وفي قصة «الديك» تـُعجب سكرتيرة المدير المتعجرف برجل قام ببهدلته، فتتبعه إلى المصعد، وتصعد معه، غير أنها تكتشف أن ذلك الفحل الذي كان يقف أمام مديرها، قد تحوّل إلى دجاجة في المصعد.

وفي قصة «أوراق الغرفة 513»: تحاول الطبيبة الانفراد بأحد المرضى لقضاء حاجتها، غير انه يصدّها مُخيّباً أملها كاشفاً لها عن مدى استغلال زميلاتها له.

ونجد في هذه المجموعة، نساء يرفضن الرجال حتى ولو بالحلال، فالذي انفجر به لغم يحاول أن «يتحرش» ببنت باب الجامعة..وعندما تسأله عن غايته يطلب منها الزواج ، وعندما رفضته ذهب باحثا عن مكان آخر، ونساء غيرها ليقضي حاجته معهن.

والرجال والنساء في بعض قصص المجموعة يخطئون، ويكون الخطأ سببا في كشف علاقاتهم غير المشروعة، ففي قصة» الدحنون» يخطئ خاطب رنا ويغضبها حين يتصل بها عبر الهاتف ويناديها باسم حنان، وبعد أن يقول لها إنه يبحث عن الحنان عند رنا ترضى عنه، وحين تسأله عن عيد ميلاده في اليوم التالي، ويكون عيد ميلاده بعد شهرين، يكتشف انها تعشق الذي يأتي عيد ميلاده في اليوم التالي وهو صديق مشترك لهما، وهكذا يكون الهاتف وسيلة للكشف عن أن الخاطب والمخطوبة في حالة عشق خارج عش الخطوبة.

وثمة مواقف تتحدث عن الشذوذ الجنسي عند الرجال، يتضح ذلك في القصة التي تحمل عنوان» يده التي تركها هناك»، والتي تتحدث عن فتاة بدينة، صعدت إلى الباص وجلست بجانب أحد الشباب، ثم بدأت تقوم بحركات لفتت انتباه كل الركاب، الذين لم يعرف أي منهم أن يد الجالس بجانبها كانت في مكان من جسدها، الأمر الذي جعلها تقوم بتلك الحركات.

وعمار ضد أن تحاول المرأة الصعود إلى مكانة أعلى من مكانتها، فالتي تمنت أن تصبح ملكة في قصة»زفاف ملكي»، لاحظت ما تتعرض له ملكات النحل من صراع يقتل كثيرات منهن، فتقسم في نهاية القصة أنها لن تصل لتلك المكانة على الإطلاق.

وعمار الذي يؤمن بالتكامل بين الرجل والمرأة، الأمر الذي اتضح في قصة «جشع» حيث تقدم المرأة كل ما تملك لزوجها حتى ذهباتها، فيخسر كل شيء في البورصة، هو نفسه عمار الذي يضع النساء والرجال في قصصه في عدد من المواقف التي تتيح له فرصة توجيه نقده الاجتماعي لكل منهما، ففي قصة» تحت جسر الداخلية» يكتشف بطل القصة الأعزب، والذي تمنعه زوجة شقيقه من النوم في منزل شقيقه، فيلجأ لذلك الجسر للنوم تحته، يكتشف حين يستيقظ أن كثيرين غيره ينامون تحت ذلك الجسر، فيظن أنهم مثله طردتهم نساء أشقائهم ، ويقول إن نساء الأخوة يردن أن يأخذن راحتهن.

وثمة قصص فيها من المفارقة ما يُدهش القراء، حين يكتشفون أن بعض الأشخاص الذين يظهرون للناس بوجه الوقار والعفاف ، هم في حقيقة أمرهم عكس ذلك تماما، ففي قصة»الذئاب المعدنية» يجد أحد الأشخاص رجالا يلعبون الطرنيب في المسجد، فيذهب لمنزل إمامه، فيجده أيضا يلعب الطرنيب..

وفي قصة «أوغاد»: ثمة رجل يتابع المجازر التي يعرضها التلفاز، فيتظاهر بأن تلك المشاهد قد سدّت شهيته عن الطعام، فيطلب من زوجته ألا تطبخ اللحم بعد مشاهدتها، فتقول له ماذا نطبخ إذن، فيطلب منها أن تـُعد السمك.

ومن النقد السياسي الذي قدّمه عمار بفنية عالية:  ما جاء في قصة»المنقذون» والتي يقتتل فيها ثلاثة ذئاب على اقتياد قطيع من الأغنام، وحين يطلب أحد الذئاب من القطيع أن يختار من يقودهم من بين الذئاب الثلاثة ليتوقفوا عن إيذاء بعضهم، يقول له تيس من القطيع:  اتفقوا أنتم على من يقودنا ، فالذي يهمنا هو أن تخلصونا من الراعي..وتشير هذه القصة لبعض الشعوب التي تطالب بالتدخل الأجنبي لتتخلص من حكامها.

ومن القصص الطريفة في المجموعة، قصة بعنوان «قصة براءة ذمة» وفيها يطلب المعلم من تلاميذه أن يكتبوا موضوع إنشاء، فيكتب أحدهم قصة عن أب يقوم بمعاقرة الخمر ويقسو على أسرته، فيطلب المعلم من التلميذ كاتب الموضوع أن يذهب معه للإدارة، ليبرئ ذمته أمام المعلمين، حين يبلغهم أن والد ذلك الطالب سكير عربيد يمارس القسوة على أسرته حسب ما جاء في موضوع الإنشاء المقدم من الابن، غير أن الأساتذة يترحمون على والد الطالب الذي مات وشبع من الموت لأن وفاته كانت بعد مرور سبع شهور من ولادة الطالب الذي كتب موضوع الإنشاء من خياله، بينما اعتقد المعلم أن ما ورد فيه كان حقيقة.

ومن القصص الطريفة في المجموعة أيضا، قصة «المنحوس» الذي تتحقق كل أمنياته دون أن يبذل أي جهد، ولما حاول البحث عن الأذى لنفسه، قاد سيارة شقيقه أمام الشرطة دونما رخصة، وفي وضع مخالف، وبعد أن سجلوا المخالفة ، اكتشف أن أمنيته لم تتحقق، لأن المخالفة كانت ضد سيارة شقيقه وليست ضده شخصيا، ومثلها قصة»الأزعر»الذي يفزع للجيران من المتلصصين على منازلهم ويضرب خمسة منهم، ويتعرض للأذى الجسدي من أولئك اللصوص من أجل جيرانه، ليتفاجأ بأن الجيران يلقوا القبض عليه ويضربونه لاعتقادهم انه واحد من اولئك اللصوص.

عمار الجنيدي، صاحب رؤية قصصية خاصة به تقوم على إحياء المؤلف، بدلا مما يسمى موت المؤلف، الأمر الذي أتاح له فرصة التحليق في فضاء الكلمة، مـُطلقا عنان خياله، الذي يمتلك عين النسر التي تكشف له بعضا مما استتر في قلوب بعض البشر.

وما كان يعجز عمار عن تنفيذه لأسباب جسدية نجمت عن خطأ طبي، فقد كان يوعز للنسر في داخله، أن يخلق شخصيات قصصية لإنجازه، وهي شخصيات ليست إيجابية ونامية فحسب، بل متمردة على واقعها، وكأني بعمار باندفاعه وطموحه يردد مع المتنبي قوله في عدد من أبياته:

«إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ     

فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ»

وقوله:

«كذا أنا يا دنيا، إذا شئتِ فاذهبي        

ويا نفسُ:  زيدي في كرائهها قُدما

فلا عـَبـَرت بي ساعةٌ لا تعزُّني     

ولا صحبتني مهجةٌ تقبل الظلما

وقوله:

كل يومٍ, لك إحتمالٌ جديدٌ

ومسيرٌ للمجد، فيه مُقامُ

وإذا كانت النفوس كباراً

تعبـت، في مرادها الأجسام

وقوله:  

رماني الدهر بالأرزاء حتى        

فؤادي في غشاءٍ من نِبالِ

فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ         

تكسّـرت النصال على النصالِ».



* ناقد من الأردن



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش