الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جدلية العلاقة بين الشرق والغرب في رواية أبعد من ذاكرة المدينة لمفيد نحلة

تم نشره في الجمعة 18 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً

د. حفيظة أحمد *



هناك ثلاثةُ مداخلَ  تُطرح بقوة عند الدخول إلى عالم «أبعد من ذاكرة المدينة»:

المدخل الأول هو علاقة الشرق بالغرب، وهذا المدخل هو الأبرز في الرواية، فـ»أبعد من ذاكرة المدينة» تتناول هذه العلاقة التي طالما أقلقت الكتاب منذ أن طرحها توفيق الحكيم في «عصفور من الشرق»، وسهيل إدريس في «الحي اللاتيني»، والطيب صالح في «موسم الهجرة للشمال».. وغيرها من الروايات التي حاولت بناء موازنات ومقارنات بين الشرق والغرب من خلال شخصية البطل، التي تعيش صراعا نفسيا بين انتمائها لشرقها ورغبتها في العيش في الغرب الحر في الوقت نفسه. ففي ضوء روايات الحكيم وإدريس وصالح نجد أن أبطالها يقصدون الغرب لإرواء ظمئهم العلمي والجنسي في وقت واحد, غير أن الجنس يوظف توظيفا رمزيا المقصود به إبراز فحولة الشرق وذكورته, بالمقابل توصيف الغرب بالأنوثة, لأن النيل من المرأة الغربية ـ في تصور الروائي العربي ـ معادل فني وظف توظيفا رمزيا للنيل من الغرب برمته, فإذا ما ارتوت هاته الشخصيات عادت إلى أوطانها لتنسجم مع المجتمع الذي نشأت فيه. وقد تراوحت نظرة الروائي العربي إلى الغرب ما بين نظرة تميل إلى تحقيق التوازن بين الغرب والشرق، ونظرة ترى أن الصراع والتصادم بين الشرق والغرب عميقان وأنهما لا يمكن أن يلتقيا.

إذن مفيد نحلة يطرق بابا سبق طرقه، ويخوض عالما كُتب كثيرا، والسؤال يطرح نفسه هنا، ما الجديد الذي يقدمه مفيد نحلة  للقارئ في هذه الرواية : «أبعد من ذاكرة المدينة» ؟



إن مفيد نحلة في روايته «أبعد من ذاكرة المدينة» نجده يتخذ من المرأة الشرقية بطلا في الرواية، خلافا لروايات الحكيم وإدريس وصالح التي تنطلق من البطولة الذكورية. فالبطلة (فرح) تهرب من عالمها الشرقي التعس، في حي المصدار بعمان، حيث تعيش اليتم والفقر وتخنقها القيود المفروضة على المرأة ؛وذلك بالزواج من (حامد العابدي) الذي يعمل ويقيم في ألمانيا، في محاولة منها لإيجاد ملاذ تتحقق فيه حريتها التي تنزع إليها ورغبتها في السفر إلى أوربا، حيث نصغي إليها في منولوجها الداخلي: « السفر يعانقني يرفعني إلى فضاءات بعيدة أرى نفسي معها أتوحد فيها»(ص38).

وهناك، أي في ألمانيا، تكتشف تعاسة أخرى جديدة، فقد فشلت في زواجها، وتقرر الانفصال، وتنطلق في ألمانيا لتعيش حياة حرة ترتضيها، باحثة عن حلمها بالحرية والأمان والفرح، فتتعلم اللغة وتعمل وتسهر وترقص، لكن ألمانيا لم تكن رحيمة بها، فعيون الرجال الألمان الذين تلتقيهم ترى فيها صيدا ثمينا مغريا.  فتعود فرح عبر التداعيات والاسترجاعات إلى الوطن/الشرق، ويغمرها الحنين، فتلجأ للذاكرة الانتقائية وتنتخب من لحظات ماضيها من الشرق ما يؤكد على سبب هروبها حينا، وما تتوق لتعود إليه في لحظات غربتها حينا آخر.  

إن فرح تعيش صراعا نفسيا وجسديا بين الماضي/الشرق والحاضر/الغرب أو كما وصفته (فرح) بالحيرة الذي تحسمه في النهاية بالبقاء في الغربة. ففرح تعيش هاجس الخوف من المجتمع الشرقي المتمثل في حارتها الشعبية في عمان «هل أعود إلى المصدار أركن إلى بيت فقير في الحي، تلاحقني إشاعات النسوة، أتثاءب كغيري من النساء في زاوية مهملة فأموت قهرا وكمدا، أم أظل هنا...» (ص114). وما يزال سؤال التردد «يلح عليها .. هل أعود إلى عمان أركن إلى حي المصدار أتثاءب كغيري من النساء في زاوية مهملة أم أظل هنا» (ص124).

إن خوف فرح من المجتمع الشرقي كان السبب في عدم وقوعها في شبك إغراء العودة إلى الوطن، فتتخذ قرارا  بعدم العودة إلى الوطن، رغم كل الصعاب التي واجهتها في الغربة، فتقول: «شعرت بالملل يتداخل إلى أعماقي، إصرار عجيب رافقني في هذه الفترة لكني حين أتطلع إلى الشرق يغمرني إحساس بأني لن أتداعى أو أعود» (ص81).

فتبقى في الغربة وتتعرف في على ألفريد وهو ألماني ثريّ من أصول مغاربية، مصاب بالتباس يشبه الجنون فتتزوج منه وتنجب منه طفلا.

هذه هي فكرة الرواية التي حاولت الابتعاد عن الطروحات القديمة التي كانت شائعة حول إشكالية العلاقة بين الشرق والغرب. إذ تُظهر رواية مفيد نحلة أنوثة الشرق من خلال شخصية البطلة (فرح)، في مقابل ذكورية وفحولة الغرب من خلال الشخصيات الغربية التي التقت بها فرح في ألمانيا، كما يوظف مفيد نحلة زواج فرح من ألفريد للدلالة على الانسجام مع الغرب ولكن الهامشي الملتبس أوالإشارة إلى علاقة نسق اللقاء بين الشرق والغرب. وبذلك تكون رواية (أبعد من ذاكرة المدينة) على النقيض من رواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال) التي اختارت القطيعة مع الغرب.

أما المدخل الثاني للرواية فهو المدخل النسوي، فالرواية تتناول عالم المرأة وخصوصيته، وتعمد إلى إبراز صوت المرأة، حيث قدم لنا مفيد نحلة سيرة المرأة فرح عبر صوتها، فجاء السرد في الرواية سردا ذاتيا عبر ضمير المتكلم (أنا) وعلى لسان فرح، هذا السرد الذاتي كان ينفتح على الذات الإنسانية عبر تداعياتها واسترجاعاتها ومونولوجاتها الداخلية، التي تصور الصراع بين الوطن والغربة.

لقد قدم  مفيد نحلة فرح شخصية نسوية قوية، فعلى الرغم من أن الغربة كانت قاسية، وأن حامد العابدي الذي تزوجها وسافر بها إلى ألمانيا خانها في الغربة، وعلى الرغم من مضايقته لها قبل الحصول على الطلاق منه، وعلى الرغم من كل ذلك، وقفت فرح تصارع الحياة في ألمانيا وحدها، وعملت في غير موقع، وظلت صامدة تتحدى الصعاب التي واجهتها في الغربة، وتناور رجالها ولاتستسلم لهم، وتصرعلى تحقيق حلمها بالحرية والفرح والأمان في بلد لايرى رجالها فيها سوى أنثى شرقية يسعون لإرواء شهوتهم منها. فتقهر الغربة، وتأخذ الجنسية الألمانية، وتنسجم مع الغرب.

نأتي الآن إلى المدخل الثالث للرواية، وهو المكان الذي احتل مساحة كبيرة في هذه الرواية،  فهو خامة الكاتب ليصف ويسرد حياة الشخصية. ولم يكن المكان في الرواية مجرد خلفية للأحداث أو مسرحا لها، بل كان جزءا أساسيا من هندسة الرواية ومعماريتها، ليتسنى حمل القضية الأساسية في الرواية (الشرق والغرب) من خلال كونه ميدان الانطلاق. وقد أجاد الكاتب وصف الأمكنة الشرقية والغربية، وكان ينتقل بنا عبر شوارعها وأحيائها.

ولعل الملاحظة الأكثر جدارة بالاهتمام هنا أن بطلة الرواية قامت بتعرية السلوكات والممارسات السلبية في المجتمع الشرقي تجاه المرأة: «ترين الممنوعات تطفو على السطح في حي المصدار من يعانق امرأة، أو يقبل امرأة يرجم، وفي حي المصدار، تكون الإشاعة وحدها كفيلة بقتل امرأة بريئة ...» (ص43).

ولكن لاتظل هذه الفجوة مع الشرق طوال مسيرة البطلة، فحبها للوطن يتصارع أحيانا مع تلك الجفوة فيعاودها الحنين وتغمرها مشاعر الحب والانتماء، ففي مونولوجها الداخلي تقول فرح: « يظل الناس هناك كالماء الزلال يتدفق في خير وبركة، حتى لو تطايرت إشاعاتهم، لو انحسرت حركتهم، أو كثر دبيبهم على الأرض، فهم الأوفياء، تنبعث النخوة فيهم كنار محرقة، يتلاحمون، يتصادقون، يتعاطفون فيما بينهم، هنا يتغير الحال ...» (ص130).

إن حب فرح لوطنها دفعها إلى مساعدة المحتاجين في مدينتها الفقيرة، وإرسال الأموال إليهم: « ضاعفت حملتي من أجل أولئك الذين أحبهم «ألفريد» وكان حي المصدار يتلهف حين تصله مني المساعدات تدور بها (شيخة أم حسن) على البيوت حتى حين كنت أقرأ رسائلها أشعر بحب عميق يجرفني إلى أزقة الحي ...» (ص 177).

أما ألمانيا فترى فيها فرح مجتمعا يتمتع بالحرية، فتقول: «هنا تغير حال الناس والأرض وانطلق الناس أحرارا»( ص43)، «في هذه المدن يافرح حركة إنسانية تعزز حالة الصدق لدى الناس» (ص80).

إن المكان في الرواية  كان أداة سردية من خلالها يؤكد الكاتب على الصراع النفسي والجسدي الذي تعيشه فرح، بين الماضي الشرق والحاضر الغرب. حيث تهرب «فرح» من واقع الشرق الذي عايشته في الماضي، إلى واقع جديد الغرب الذي حلمت به، ولكن الواقع الجديد دفعها لأن تمارس أحيانا عملية التداعي الحر واستدعاء للأمكنة والأحداث  في حي المصدار بعمان التي تسكن الذاكرة .

وختاما، لابد من الإشارة إلى أن مفيد نحله استخدم في هذه الرواية لغة سلسة وسهلة اتخذت شكلين رئيسين هما: السرد، والمونولوج الداخلي، كما لجأ إلى الحبكة الدرامية النمطية وفق تقطيع زمني متصاعد للتعبير عن شفافية الزمن ودوره في فعل السرد مستفيدا من تقنيات الاسترجاع والتذكر والتداعي.



*أكاديمية وناقدة من الأردن



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش