الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عن حبيب الزيودي الذي فاجأه الموت في عزّ عطائه الشعري

تم نشره في الثلاثاء 30 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 03:00 مـساءً
عن حبيب الزيودي الذي فاجأه الموت في عزّ عطائه الشعري * فخري صالح

 

شعرت بالصدمة للرحيل المفاجئ غير المتوقع للصديق الشاعر الكبير حبيب الزيودي الذي لم يلوّح لنا بيده قبل أن يتركنا. هكذا أدار حبيب الزيودي ظهره لهذا العالم وأضوائه ومتعه وصراعاته وضجيجه، وذهب غير آسف، كما أظن.

منذ كان طالبا في قسم اللغة العربية بالجامعة الأردنية ظل حبيب ذلك الشخص الذي يتصرف على سليقته، ويعبر عن ذاته غير شاعر بالحرج من إيضاح موقفه بطريقة قد تصدم الآخرين أحيانا. كان من ثلّة الطلبة المتمردين الذين يذرعون شوارع الجامعة، ويتملصون من حضور المحاضرات التي تجلب لهم الملل والكآبة. وقد كان مدرسوه يتسامحون معه لأنهم يعرفون موهبته ومعرفته العميقة بالشعر العربي. أتذكر، وقد تزاملنا في كلية الآداب بالجامعة، أنا في قسم اللغة الإنجليزية وهو في قسم اللغة العربية، أنه كان يطل برأسه مستطلعا وجود المدرس في قاعة المحاضرات التي كنا ندرس فيها مادة من قسم الفلسفة، ثم يذهب إذا اكتشف وجود المحاضر. كان يفضل المتع الحياتية التي يحظى بها طالب الجامعة، وما أقلها، على الدراسة المنتظمة؛ كما أنه كان يُعلي من شأن التجربة والاختبار اليومي للمشاعر على الكلام النظري الجاف والمعارف الجزئية التي تقدمها الدراسة الأكاديمية. ولهذا السبب لم يستطع حبيب أن يواصل دراساته العليا في أكثر من جامعة أردنية وعربية. لقد كان منذورا للشعر ولا شيء غيره، يتعلمه على نفسه ومن بطون الكتب لا من أفواه المدرسين الذين لا يشعر معظمهم بحرارة الألفاظ وهي تتحول إلى مشاعر دافقة في دم الشاعر المتمرد الشاب.

منذ ديوانه الأول «الشيخ يحلم بالمطر» برهن حبيب أنه شاعر حقيقي تَعد قصائده، التي كتب معظمها وهو في بدايات العقد العشرين من عمره، بمستقبل مشرق له وللقصيدة الأردنية في مقبل الأيام. وقد برهنت الأيام أيضا أن ذلك الشاب الأسمر النحيل المشاكس، الذي كان يذرع شوارع الجامعة ويلمّ بمقاصفها هاربا من جفاف المواد الدراسية، سوف يصبح واحدا من شعراء الأردن الذين يشار لهم بالبنان رغم صغر سنه وحداثة عهده بالشعر. فالموهبة الكبيرة التي كان حبيب ينطوي عليها، وفهمه العميق الجوّاني لتجربة الشعر العربي، منذ شعراء الجاهلية وحتى محمود درويش، دفعاه لكتابة شعر وجداني حار متدفق يركز عدسته على الوطن والطبيعة والحب والعواطف الدافقة الجيّاشة. شعر حبيب الأعلى كعبا هو ذلك الذي يستذكر الطفولة وتجاربها، ويتأمل تجربة الحب والعشق والوجدان، كما يغوص على الداخليّ الحميم الذي صنع منه صديقنا الراحل أعذب شعره في «طواف المغني» و»منازل أهلي» في مرحلة تفجر موهبة حبيب الزيودي وتدفق مشاعره واختمار تجربته الوجدانية. ومع ذلك فإن أيا من قصائد حبيب الزيودي لا تخلو من هذه الجرعة الوجدانية العميقة تلوّنها موهبته الواضحة وثقافته الشعرية العربية الواسعة.

إن رحيل حبيب خسارة حقيقية للشعر الأردني، والعربي كذلك، فشاعر مثله كان ينطوي على رغبة عميقة في كتابة شعر عالي الكعب، بتعبير نقاد العرب القدماء، لكن الموت، الذي عاجله دون أن يفاوضه، حال بيننا وبين شعر حبيب الآتي الذي يعبر بصورة حقيقية عن تجاربه وأتواقه وعالمه الداخلي الثرّ الخصب الذي يكشف عن شخصية شاعر متمرد يشبه طرفة بن العبد ومصطفى وهبي التل (عرار) ونجيب سرور وغيرهم من الشعراء العرب غير المنتمين.

التاريخ : 30-10-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش