الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المواطنة أيضا وأيضا

تم نشره في الخميس 13 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 مـساءً
المواطنة أيضا وأيضا * فخري صالح

 

لا تقوم الدول في العالم الحديث على فكرة المُغالَبَة، أي على سطوة الأكثرية العددية أو السياسية أو الأيديولوجية أو حتى العسكرية الأمنيّة، لأنها إن فعلت عرّضت السلم الأهلي للاضطراب وزرعت في أساسها بذور الحروب الأهلية. وهذا ما نشهده في بقاع عديدة من العالم، ومنه المنطقة العربية التي تستعر فيها حروب أهلية معلنة أو مستترة، لأنها تقوم على أساس المغالبة، لا على فكرة الشرعيّة والمواطنة التي تُغلّب حقوق المواطنين جميعا، وتضع في الحسبان حقوق الأقليات قبل حقوق الأكثرية، وحقوق الأطفال قبل الكبار، والنساء قبل الرجال، لأنها تستجيب لطبائع الأشياء وما يقيم العمران، لا ما يهدمه، كما يقول العلامّة ابن خلدون.

مشكلة العالم العربي، وما ينخر بنيانه ويكاد يقوّض أساساته هذه الأيام، تتمثل في عدم الرغبة في إرساء فكرة المواطنة، لأن المستفيدين من السلطة، سواءٌ كانوا كثرة عدديّة أو عسكرية أو أمنية أو أيديولوجية، يسدّون الطريق الذي يفضي إلى ترسيخ أسس المواطنة التي تحمي البلاد والعباد من الانهيار والتفتت والتشرذم والاحتراب الأهلي. ومن الواضح بالطبع أن الثورات والانتفاضات، التي قامت ضد التسلطّية العربية، لم توصلنا إلى الإيمان بأن فكرة المواطنة هي البلسم الشافي من كل هذا الخراب الذي شهده العرب بعد أقل من قرن من الخروج إلى استقلالات منقوصة وحريّات معتدى عليها.

لعل هذا هو لبّ المشكلة في الصراع الدائر في مصر الآن، وكذلك في تونس، فالحكّام الجدد، الصاعدون إلى السلطة على ظهر نضالات الجماهير الشابّة واليساريّة والليبرالية الطامحة إلى التغيير، تظن أن الغلبة التي مكّنتها منها صناديق الانتخاب تتيح لها أن تعصف بكل شيء: الحريّات المكتسبة وكذلك تلك المأمولة بعد الثورة والإطاحة بالدكتاتورية، وتغيير العقد الاجتماعي، وتبديل هويّة الدولة العصرية الحديثة، والعصف بحقوق المرأة والأطفال والأقليات الدينية والمذهبية والإثنيّة. وهو ما يقود بالضرورة إلى الإطاحة بفكرة المواطنة التي تحققت بصورة جزئية في بعض تلك الدول التسلّطية الساقطة.

يسعى الإخوان المسلمون في مصر، وكذلك في تونس، إلى الإمساك بالسلطة بقبضة من حديد، حتى لو أدى ذلك إلى الحلول محل الدولة وتقويض أركانها، وتشكيل ميليشيات تابعة للحزب الحاكم الجديد. وفي طريقهم لتمكين أنفسهم في السلطة يسعون إلى العصف بالحريات الفردية والدينية والمذهبية والإثنيّة والسياسية والأيديولوجية، منتهكين فكرة المواطنة نفسها، ومقوضين كذلك فكرة الدولة الحديثة التي تقوم على حقوق المواطنة المتساوية لا على الغلبة العددية أو العقائدية أو الأمنيّة.

المعركة التي تدور في مصر وتونس بين الإسلام السياسي وشرائح اجتماعية وسياسية واسعة، تضمّ المرأة والشباب الذي صنع الثورتين التونسيّة والمصرية، هي معركة كتابة دستور عصري يصون حقوق المواطنة ولا يجور على الفئات الأقل أو الأضعف، ولا يجعل التيار السياسي الذي يمسك بالسلطة الآن يستأثر بها إلى أمد طويل من خلال سنّ تشريعات وقوانين وكتابة دستور يحفظ له الغلبة في المستقبل.

لكن رغم شراسة المعركة السياسية التي تدور في كل من مصر وتونس، الدولتين اللتين قدحتا شرارة التغيير في العالم العربي والتي كانت ثورتاهما سلميّتين على عكس ليبيا وسوريا، فإن من الواضح أن مشروع تمكين الإسلام السياسي لنفسه يواجه عقبات وعوائق كثيرة. فالمجتمع المدنيّ في تونس ومصر أثبت أنه شديد القوّة وغير قابل للاستسلام، وهو، على عكس ما تصوّرت جماعات الإسلام السياسي، قادرٌ على الحشد والنزول إلى الشارع كل يوم حمايةً لحقّ المواطنة ومنعا لتشكّل دول استبدادية عربية تتغطى بالدين هذه المرّة.

التاريخ : 13-12-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش