الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هل الكاتب سجين واقعه؟

تم نشره في الأحد 26 آب / أغسطس 2012. 03:00 مـساءً
هل الكاتب سجين واقعه؟ * فخري صالح

 

في روايته «يوليسيز»، التي كتبت على مدار سبع سنوات (1914- 1921) وتصف أحداث يوم واحد فقط في حياة بطلها ليوبولد بلوم في مدينة دبلن، يكرس الروائي الإيرلندي الشهير جيمس جويس (1882- 1941) عبقريته السردية لرسم معالم مدينة دبلن. لقد كانت الرواية، رغم اهتمامها بتتبع الحياة الداخلية والمشاعر الكئيبة لبطلها بلوم في يوم 16 حزيران من عام 1904، مهمومة بأن تكون دقيقة تماما في وصف جغرافيا المدينة التي عاش فيها جويس طفولته وصباه وشطرا من شبابه. كل عمل جويس الروائي يحدث في أرجاء هذه المدينة الإيرلندية التي خلدها كاتب عظيم بحجم جويس. وهو يقول إنه رسم معالم دبلن شبرا شبرا وبيتا بيتا، فلو دمرها زلزال لأمكن بناؤها حجرا حجرا استنادا إلى رواية «يوليسيز».

هذا الهوس بالدقة في وصف الجغرافيا والطوبوغرافيا الخاصة بالمدينة التي تسعى الشخصية ضمن حدودها مستغرب من رواية حداثية، بل إنها تعد في الحقيقة أيقونة لرواية الحداثة. وهو أيضا مؤشر على إصرار الروائي على إتقان عمله والانقطاع له دون سائر مسائل المعاش اليومي. إنه درس لكل كاتب وروائي في الإخلاص للعمل وربط الكتابة بالبيئة والتاريخ والجغرافيا التي طلعت منها، كما أنه علامة على محاولة الأدب التشبه بالواقع وهو يخلق عالما خياليا خالصا يعيش حياته الخاصة بمعزل عن اللحظة التاريخية التي انبثق من أحشائها.

ثمة في عمل الروائي المصري الخالد نجيب محفوظ (1911- 2006) شيء من هذا الهوس بالدقة في رسم ملامح المكان وجعل الجغرافيا التخيلية لعمله الروائي مطابقة بصورة من الصور للجغرافيا الواقعية التي طلعت منها، أو على الأقل استندت إليها. لقد كان محفوظ واحدا من روائيين عرب قلّة اهتموا بتجسيد صورة المكان. سيرة حياته بالطبع تقول إنه لم يغادر مصر إلا مرتين، على الأغلب، كما أن أعماله تتخذ من مدينة القاهرة، وخصوصا حي الجمّالية الذي عاش فيه طفولته وصباه وشطرا من شبابه، مسرحا لأعماله الروائية. كان نجيب محفوظ، مثله مثل جيمس جويس، مهووسا بالدقة في رسم تفاصيل المكان الروائي في أعماله. وقد أخبرني الروائي المصري الكبير الصديق جمال الغيطاني، تلميذ محفوظ ومرافقه لعدة عقود من الزمن، أن صاحب الثلاثية اعترف له بأنه أخطأ في أحد مشاهد الثلاثية إذ كان على إحدى الشخصيات النسوية (لا أذكر اسمها الآن) في الثلاثية أن تكون واقفة في مكان أبعد قليلا حين تخاطب حبيبها في الرواية. وقد وقفنا جمال الغيطاني وأنا في تلك البقعة من أرض حي الجمالية، الذي خلده قلم نجيب محفوظ، التي كان ينبغي على الشخصية أن تقف فيها.

المثالان السابقان اللذان أوردتهما يدلان على أن العمل الروائي، مهما بالغ في إحداث القطيعة مع الواقع الذي يعرفه صاحب العمل الروائي، وحتى لو كان حداثيّ النزعة يتطلع إلى رسم العالم على غير هيئته، ينطلق من عناصر المادة الواقعية التي يشكل منها عالمه الخيالي، أو ما يسمى في نظرية الأدب «الجغرافية التخيلية». إن الرواية، والأنواع الأدبية بعامة، لا تستطيع الفكاك من عناصر التجربة الحياتية التي تعيد تشكيلها بالطريقة التي تحقق رؤية الكاتب في لحظة من لحظات كتابته. ومن الصعب على الكاتب أن ينبتّ تماما عن أرض تجربته، ويخلق عالما خياليا خالصا لا صلة له بعالم واقعي ما عرفه في لحظة ما من حياته.

هناك بالطبع أعمال تنطلق من أرض خيالية، وتحدث دائما في أرض خيالية، كما أن كل الأعمال الأدبية تتحرك ضمن جغرافيا تخيلية، لكن ذلك يذكر بجغرافيا واقعية ما موجودة في خلفية العمل الذي يكتبه الكاتب. إن الكاتب سجين احداثيات العالم الذي عاش فيه وعرفه.

التاريخ : 26-08-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش