الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الإسلام المتنامي في أوروبا.. المستقبل والتحديات: تزايد المسلمين يعتبره الكثيرون تهديدا للهوية وقيم المجتمع

تم نشره في الخميس 13 كانون الأول / ديسمبر 2007. 02:00 مـساءً
الإسلام المتنامي في أوروبا.. المستقبل والتحديات: تزايد المسلمين يعتبره الكثيرون تهديدا للهوية وقيم المجتمع

 

القاهرة - نسرين مهران: يلعب العالم الإسلامي - كما حدث من قبل تاريخيا - دورا في صياغة وتشكيل أوروبا في القرن الحادي والعشرين أكبر من دور الولايات المتحدة ، أو روسيا ، أو حتى الاتحاد الأوروبى ، فالتحدى الإسلامى الذى تواجهه أوروبا الآن هو تحد مزدوج ، فعلى الصعيد الداخلى ، يجب على أوروبا إدماج أقلية إسلامية تعيش فى عزلة (فى جيتوهات) إلا أن هذه الأقلية الإسلامية تتزايد بسرعة وهو ما يعتبره الكثير من الأوروبيين مصدر تهديد على الهوية الجماعية والقيم العامة للمجتمع الأوروبي. وعلى الصعيد الخارجى ، تحتاج أوروبا إلى بلورة طريقة للتعامل والتعاطي مع مجموع الدول الإسلامية غير المستقرة التى يقطنها فى الأساس أغلبية إسلامية ، وتمتد من الدار البيضاء إلى القوقاز وتكتسب أهمية قصوى للاستراتيجية الأمنية التى تبناها مؤخرا الاتحاد الأوروبى تحت اسم "أوروبا آمنة فى عالم أفضل" و مبادرتها الوليدة "أوروبا أوسع - جوار جديد" ، ومن منطلق الإدراك بأن قدرة الاتحاد على توفير الأمن ، والاستقرار ، وتنمية مستديمة لمواطنيه لم يعد من الممكن فصلها عن مصلحته فى التعاون الوثيق مع جيرانه ، فإن مبادرة الجوار الجديدة تسعى إلى تحديد ملامح لإطار جديد للعلاقة مع 14 دولة أو كيان هى: الجزائر ، مصر ، إسرائيل ، الأردن ، لبنان ، ليبيا ، المغرب ، السلطة الفلسطينية ، سوريا ، تونس ، أوكرانيا ، مولدوفيا ، روسيا البيضاء ، وروسيا - وسكان هذه الدول عددهم 385 مليون نسمة ينتشرون الآن عبر الحدود الشرقية والجنوبية للإتحاد الأوروبى فى أعقاب توسيع الاتحاد فى الأول من مايو. وسيكون للمعطى الإسلامى - كعنصر إضافى فى التأثير على المشهد الداخلى فى رسم السياسة الداخلية والخارجية لأوروبا أكثر من مجرد تأثير ديموجرافي وجغرافي.

ويذهب تيموثى م.سافيج ، وهو دبلوماسى وباحث أمريكى - عمل قنصلا عاما لبلاده فى مدينة ليبزج الألمانية ، وهو أيضا دارس ومهتم بالظاهرة الإسلامية - فى دراسة له حول "أوروبا والإسلام" إلى أن العلاقة الأوروبية - الإسلامية تولد مجموعة متنوعة جديدة من الظواهر ، من حيث تصاعد الإرهاب ، وظهور موجة جديدة من العداء للسامية ، وتحول الأحزاب السياسية الأوروبية الراسخة نحو اليمين ، ومراجعة للحسابات السياسية الوطنية الأوروبية ، إضافة إلى تعقيدات أمام تكوين اتحاد أوروبى أكثر تماسكا ، وإعادة النظر ، إن لم يكن إعادة صياغة ، في أسس السياسة الخارجية الأوروبية. وعلى الرغم من أن التعاون الأوروبى الإسلامى ، سواء على مستوى الأبعاد الداخلية أو الخارجية ، يمكن أن يكون له تأثيرات إيجابية على العالم - إذا تم استحداث آفاق جديدة فى التعامل مع هذا النمو الإسلامى ، إلا أن سجل أوروبا المدون فى التعامل مع الإسلام خلال الـ1350 عاما الماضية ليس مشجعا. ورغم استكشافهم لبعض المبادرات الجديدة ، فإن الأوروبيين يبدون الآن أكثر ميلا إلى مواصلة نهج يهدف إلى الحفاظ على الوضع الراهن سواء فى الداخل أو الخارج ، مفضلين الحذر ، وإمكانية التنبؤ ، والسيطرة ، والبنى الراسخة على الجرأة ، والقدرة على التلاؤم ، والمشاركة ، وإعادة صياغة العلاقات التى يتطلبها الوضع الجديد. ويسود موقف مماثل بشكل واضح بين السكان المسلمين في أوروبا.

وإذا لم يتم الوصول إلى صيغ للتعايش ، فإن التحولات الحالية من شأنها ليس فقط أن تقود أوروبا إلى الاضطراب والاهتزاز الاجتماعى ، وصولا لفتح الأبواب أمام الصراعات الداخلية ، بل أيضا قد تئول إلى وضع "أوروبا الحصن" وتدهور مكانتها على الساحة الدولية وعلى الرغم من أن تدهور الوضع لم يحدث بعد ، فإن علاماته ربما تكون أقرب مما هو متصور عموما.

الانعزالية والهوية

يذكر تيموثي م. سافيج أن الوجود الإسلامى المتزايد فى أوروبا يميل إلى التقوقع جغرافيا داخل الدول كل على حدة ، لاسيما فى المناطق الصناعية والحضرية داخل أحياء أكثر فقرا لها حدود واضحة ، إن لم تكن منغلقة على نفسها مثل حى كروزبرج فى برلين ، وتاور هامليتس فى لندن ، وضواحى بونليو فى المدن الفرنسية الكبرى ، مما يزيد وضوح هذا الوجود وتأثيره وإن كان يحول دون الإتصال اليومى بالسكان عموما. ويقيم خمس المسلمين فى المملكة المتحدة فى منطقة لندن الكبرى ، ويقيم ثلث المسلمين فى فرنسا داخل وحول باريس ، ويتركز ثلث المسلمين فى ألمانيا فى منطقة الرور الصناعية. ويمثل المسلمين الآن ما يزيد على %25 من سكان مارسيليا ، و20% من سكان مالمو بالسويد ، و15% من سكان بروكسيل و برمنجهام ، إضافة إلى باريس ، و10% أو أكثر من سكان لندن ، و امستردام ، وروتردام ، ولاهاي ، وأوسلو ، وكوبنهاجن.

والتزايد الأخير فى أعداد السكان المسلمين فى أوروبا تركز أساسا فى أوروبا الغربية ، ففى العقد الذى أعقب سقوط جدار برلين ، زاد الوجود الإسلامى فى أوروبا الغربية بوتيرة أسرع بلغت ستة أضعاف تقريبا مقارنة بأمريكا الشمالية. غير أن طبيعة الوجود الإسلامى فى أوروبا أخذت أيضا فى التغيير ، فمن مجرد عمال مهاجرين يبحثون عن العمل والإقامة المؤقتة تحول المسلمون إلى جزء من التركيبة المجتمعية السكانية ، كما كانوا لقرون فى جنوب شرق أوروبا. وأصبح بديهيا الحديث اليوم عن بداية تأسيس الإسلام فى أوروبا ، بل وكذلك "إعادة توعية المسلمين بهويتهم ودينهم" هناك.

لكن من الخطأ الحديث عن مجتمع إسلامى واحد فى أوروبا ، فحتى داخل الدول كل على حدة ، فإن التعدد العرقى ، والخلافات الطائفية ، والانقسامات داخل المجتمعات التى تنبع من الانقسامات الاجتماعية والسياسية وبين الأجيال ، والطبيعة غير الكهنوتية للإسلام نفسه كلها أمور تشير إلى إمكانية استمرار الخلاف بين المسلمين فى أوروبا عقودا أخرى. ومثل المسيحيين واليهود الأوروبيين ، فإن المسلمين الأوروبيين ليسوا كيانا واحدا. وعلى الرغم من ذلك فإن ثمة ما يشير إلى أن ما يعرف المسلم اليوم فى أوروبا ليس بلده الأصلى ولا البلد الأوروبى الذى يقيم فيه ، بل يتزايد تعريف المسلمين لأنفسهم من خلال الإسلام. كذلك فإن هذه الظاهرة تعد أكثر وضوحا بصورة كبيرة بين المسلمين الشباب.

في هذا السياق ، وأثناء زيارته الأخيرة لمصر للمشاركة فى مؤتمر "المسلمون وقضايا المواطنة فى أوروبا" الذى نظمته كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ، أوضح د. نبيل كرمانى ، عضو مجلس الألمان ، المسلمين أن المناهضين للوجود الإسلامى قليلون مقارنة بأعداد الداعمين والمساندين للتعايش السلمى مع المسلمين. وأرجع عدم قدرة الوجود الإسلامى فى التأثير إلى أن معظم المهاجرين المسلمين لألمانيا أميون ، هاجروا من مناطق ريفية تركية وليسوا على المستوى الفكرى الرفيع القادر على التحدث والتحاور باسم الإسلام والمسلمين وإظهار الشكل الحقيقي له. بينما يؤكد عبدالله عبدالسلام ، الصحفي بجريدة الأهرام ، على أن الأمر يتطلب الاعتراف من الجانبين الأوروبى والمسلم بأن هذا التعايش أصبح ضرورة لا مفر منها وأنه ليس هناك طريق سواه إذا أراد الطرفان تجنب ما يسمى بصراع الحضارات. وأضاف: للأسف هناك عدم تقبل للوجود الإسلامى من الأساس ، كما أن مطالب بعض الدول الأوروبية لجالياتها المسلمة بالانصهار والذوبان فى بوتقة المجتمع الكبير حتى يمكن أن تحصل على حقوقها كاملة ، كما هو الأمر فى فرنسا على سبيل المثال ، لم يثبت نجاحها حتى الآن. من ناحية أخرى ، فإن تقوقع بعض أبناء الجاليات المسلمة على أنفسهم فيما يشبه "الجيتوهات" الجغرافية والعقلية والدينية ، وعدم رغبتهم أو قدرتهم على التواصل مع المجتمعات التى يعيشون فيها وتركهم أمورهم السياسية بل والدينية لبعض الجماعات والأصوات المتطرفة ، لن تؤدى سوى لتراجع أحوالهم و تزايد ارتياب الرأى العام الأوروبى فيهم ، ومقاومته لأى محاولات لتحسين أحوالهم المعيشية ومنحهم حقوقهم ، كما أن هذه الجاليات التى تؤكد مرارا أن عدد المتطرفين فيها ضئيل بما لا يذكر ، لن تقف مرة واحدة وبشكل حاسم ضد تجاوزات هؤلاء المتطرفين الذين يسيئون إلى صور الجاليات المسلمة والإسلام.

تحول إلى اليمين

شهد العقد الأخير تنامي الأحزاب اليمينية الراديكالية فى أوروبا ، التى تستغل المخاوف الشعبية من الإسلام ، بسبب تزايد ووضوح السكان المسلمين فى أوروبا. والأمر الذى يمثل نفس القدر من الأهمية ، أن التقدم الذى حققته الأحزاب اليمينية المتطرفة (مثل حزب فلاميش بلوك فى بلجيكا ، والحزب القومى البريطانى ، وحزب الشعب الدانماركى ، والجبهة الوطنية الفرنسية بزعامة جون مارى لوبان ، ورابطة الشمال الإيطالية ، وحزب الشعب السويسري) قد أدى إلى تعديلات ذات توجه يميني في الأولويات السياسية للأحزاب الرئيسية.

وما زال لم يتضح بعد نوع التأثير الذى سوف يحدثه التزايد السريع للمواطنين المسلمين على السياسة الوطنية فى الدول الأوروبية. وحتى الآن ، لم ينخرط المسلمون فى أوروبا بصورة واسعة فى السياسة الحزبية الأوروبية ، رغم أن هناك خطوات قليلة قد اتخذت ، مثل التعبئة خلال الانتخابات الفرعية التى جرت فى سبتمبر 2003 من أجل إلحاق الهزيمة بأعضاء حزب العمال البريطانى فى البرلمان الذين أيدوا الحرب في العراق.

من جانبه ، يؤكد د. سعيد اللاوندي خبير العلاقات الدولية أن عرب أوروبا ومسلميها أصبح ينظر إليهم على أنهم "شيء زائد على الحاجة" ويضاعف من هذا الشعور الأزمة الاقتصادية الطاحنة التى تعانيها أوروبا ، وتروج أبواق اليمين المتطرف أن العرب والمسلمين هم السبب المباشر لها. ويحذر د. سعيد من أن الوجود العربى والإسلامى فى أوروبا بات مهددا إن لم يكن بالطرد والإقصاء ، فسيكون بالتحجيم والتهميش. فاللوبى اليهودى سيظل لهم بالمرصاد. وليس القلق الذى عبرت عنه إسرائيل أخيرا من"سيطرة الإسلام على أوروبا وزيادة عدد المسلمين وارتباطهم بالمنظمات الإرهابية" إلا أحد أشكال هذه الحرب الخفية التى تغذيها إسرائيل. ويبقى حضور المسلمين السياسى حتى الآن محدودا فى الغالب ، ففى فرنسا ، رغم أن %92 من المواطنين البالغين قد سجلوا أسماءهم فى قوائم الناخبين ، فإن عددهم بين المواطنين المسلمين يصل إلى %37 فقط. ويميل المسلمون الذين يشاركون فى الانتخابات ، وخصوصا من المهاجرين من الجيل الأول والثانى ، بقوة إلى الرعاية الاجتماعية و برامج المساعدات التى تقدمها أحزاب اليسار والوسط.

ويشير هنا تيموثي م. سافيج إلى أنه فى المستقبل القريب من المرجح أن يكون هناك ميل من جانب أحزاب يمين الوسط للعب بـ"ورقة المسلمين" فى سياقات معينة ، وبالأخص فى الوقت الذى يشعر فيه السكان الأوروبيون الذين يعانون من الشيخوخة والتناقص تجاه تدفق الأجانب ، وضغط نظام الرعاية ، والتذكير المستمر بتهديدات الإرهاب.

واقترح بعض المراقبين بأن اليمين الأوروبي يجب أن يسعى بنشاط للحصول على أصوات المسلمين ، مثلما يفعل الحزب الجمهورى الأمريكى الذى يخطب الآن ود أصوات ذوي الأصول الأسبانية فى الولايات المتحدة. لكن فى ظل وجود الأحزاب اليمينية المتطرفة فى أوروبا من المستبعد حدوث مثل هذه الاستراتيجية ، لأن مثل هذه الأحزاب تقدم بديلا داخليا لهذه الشريحة لقاعدة يمين الوسط التى ستعارض دمج المسلمين.

والمرجح أن الناخبين المسلمين ، من جانبهم سوف يلعبون دورا أكبر ، وإن كان دورا سياسيا ذا طبيعة محلية. وقد فشلت محاولات تأسيس أحزاب إسلامية فى أوروبا. وفي المدى البعيد ، من المرجح أن يختار الناخب المسلم ، مثل الناخب المسيحي واليهودي في أوروبا الآن ، انتماءه الحزبى على أساس المصالح والوضع الشخصى ، وليس على أساس الهوية الدينية.

وأوضح عبدالله عبدالسلام أن الجاليات المسلمة تكرس معظم وقتها إما للحصول على لقمة العيش أو لرعاية أبنائها أو للعبادة وهى فى الغالب تحجم عن المشاركة فى النشاط السياسى ربما بسبب حاجز اللغة أو لافتقاد أبناء الجاليات المسلمة إلى آليات العمل السياسى فى الغرب. إن كانت المحصلة النهائية هو أن حقوق تلك الجاليات لم تجد ، فى الغالب ، من يدافع عنها فى البرلمانات أو فى المجالس المحلية ، كما أن بعض الجماعات والأصوات المسلمة المتطرفة انتهزت هذه الفرصة وقامت بما يمكن تسميته بعملية اختطاف لأجهزة الجاليات الإسلامية ، وأصبح رموز هذه الجماعات هم الذين يتحدثون باسم الجاليات وباسم الإسلام ويحتلون صدارة النشرات الإخبارية و عناوين الصحف. و فى ظل أوضاع كتلك يمكن تفهم أسباب فشل محاولات تأسيس أحزاب اسلامية فى أوروبا فأى حزب "إسلامى" سيكون "متطرفا" بل و"إرهابيا" فى نظر الرأى العام. وسيكون من الصعب إقناع المجتمعات الأوروبية بإمكانية قيام حزب سياسي إسلامي معتدل. الإسلاموفوبيا واليوروفوبيا

يظل العديد من الأوروبيين والمسلمين فى أوروبا ، رغم أنهم ينادون علنا بالاندماج ، على اقتناع بأن قيم كل منهما ليس فقط غير متوافقة بل أن كل منهما تمثل تهديدا على هوية الطرف الآخر. وبالتالى تطيل هذه المشاعر من الوجود المنفصل لكل مجموعة داخل أوروبا. ورغم أن عددا من المسلمين الأوروبيين يميلون إلى شكل معتدل من الاندماج ، فإن الأغلبية الساحقة من المسلمين فى كل من فرنسا ، و المملكة المتحدة ، وألمانيا تقاوم الاندماج الكامل ، وتفضل أن تظل جزءا من أوروبا لكن مع الاحتفاظ بهويتها الإسلامية الخاصة. ويبدو أن التزايد السريع للسكان المسلمين يطغى على قدرة الحكومات الغربية على وضع خطوط للتسامح بصورة مقبولة ومتماسكة ومقنعة. ويرى الأوروبيون أن المسلمين يمثلون تهديدا مباشرا على الهوية الجماعية ، والقيم التقليدية ، والسياسات العامة فى مجتمعاتهم ، وقد ظهر ذلك فى الخلافات الحادة بشأن الحجاب ، والطعام الإسلامى (الحلال) ، وبناء المساجد ، وتدريس الإسلام فى المدارس ، وشعائر الدفن الإسلامية.

فى هذا السياق ، يوضح د. سعيد اللاوندي أن هناك صوتين للإسلام فى أوروبا. يعتمد الأول فيها على الجهد الأكاديمى الذى يعكف عليه طلاب الدراسات لتقديم رسائل أكاديمية تعتمد فى مجملها مبدأ الإستقصاء والدقة وهى تقدم صورة قريبة جدا من الصواب ، لكنها محددة لأنها محصورة فى أسوار الجامعة ، حيث لا يتعاطاها إلا المتخصصون الأكاديميون. فى حين أن الصورة الأخرى هى صورة الإسلام الإعلامى التى تمتلىء بكمية كبيرة من الشطط والتزييف ، ولا يكاد يوجد بها شىء صحيح ، وتكون فى معظمها مغرضة وموجهة بتوجهات سياسية أو اقتصادية ، وهى الصورة المنتشرة فى كل مكان. وأضاف أن هذه الصورة الإعلامية خبيثة فى مجملها ، تضر بالعلاقة بين الإسلام والغرب ، حيث إنها تقف بقوة وراء مفهوم الإسلام الإرهابى ، وليس أدل على ذلك من كتاب دوفالييه"قنابل مطار شارل ديجول" والذى اعتبر فيه أن وجود 25 زاوية صغيرة للصلاة فى مطار ديجول هي مفارخ للإرهابيين. على الصعيد الداخلي ، يتجلى مسعى أوروبا للاستقرار فى محاولات الحكومات الأوروبية خلال العقد الماضى للتعامل مع سكانها المسلمين من خلال إضفاء الطابع الوطنى إن لم يكن العلمانى على الإسلام ، بحيث يصبح تابعا للدولة وخاضعا لمعايير التعامل مع المعايير الأوروبية التى تعود إلى معاهدة ويستفاليا ، وعصر التنوير ، وحكم نابليون التى تم تطويرها فى عصور مختلفة ، لأديان مختلفة ، في بيئات مختلفة للغاية.

ورغم أن الأوروبيين ، والمسلمين ، وغير المسلمين على حد سواء ، منقسمون بشأن كيفية معالجة هذا التحدى الإسلامى الجديد ، فإن القوى المحركة للوضع تجادل بأن المسلمين والأوروبيين من غير المسلمين على حد سواء يجب أن يقوموا - بصورة فردية ومشتركة - بعملية تحول بعيدة المدى وربما طويلة الأمد فى التفكير من أجل تجنب سلسلة من الصدامات فى المستقبل. ومازال من غير المعروف ما إذا كانت أوروبا سوف تتحول وتقوى أم سوف تتمزق.

ويبدو أن التحدي فى أوروبا أكثر خطورة لأنه لا يتعلق فقط بالاندماج والتسامح بل يعيد كذلك بلورة هويات الأطراف ، فسوف يتعين على كل طرف أن يتغير ويتجه نحو الآخر ، فالمسلمون فى أوروبا سوف يتعين عليهم قبول مبادئ وعادات وثقافات الدول التى يعيشون فيها ويتخلون عن محاولات إقامة مجتمع مواز ، فى حين سوف يتعين على السكان الأوروبيين بصورة عامة توسيع نطاق المواطنة ليحتضن ويستوعب التعددية ، ويقبل الاندماج وليس فقط الاستيعاب الكامل كعلاقة صالحة مع المجتمع.

ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

التاريخ : 13-12-2007

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش