الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المصدار وجع الذكريات

تم نشره في الجمعة 1 نيسان / أبريل 2016. 08:00 صباحاً

رشاد رداد *



حدثني ((سالم الذيب)) قال: كنت من ضمن العائلات التي سكنت ذلك السفح الجميل المطل على كنيسة اللاتين برهبتها وكياستها وسكونها انه ((المصدار)) بيوتات متلاصقة تفصلها أزقة ضيقة متعرجة وكانت تلك البيوت من الصفيح والخشب ومن كان ذا سعة كانت جدران بيته من الطوب والسقف بلا تردد صفيح أو زينكو وكان البيت عبارة عن غرفة واحدة  للنوم والطبخ والمعيشة وحمام بعيد  قليلا عن الغرفة.

الحي كانت تسكنه عائلات مسيحية وأخرى مسلمة ولا تستطيع أن تفرق بين بيت المسيحي عن المسلم ومن العائلات التي سكنت ذلك الحي منها بطارسة ،عواد ، رداد ، مشربش، الجمل، جاد الله والكيلاني وكان أكثر الأشخاص تأثيرا في الحي ذلك الإقطاعي الثري ((رزوق)) بحيث كان يمتلك نصف ذلك الحي .. وكان بيته في الستينات من الحجر وهذه علامة فارقة جدا تكفي على ثراء ذلك الرجل

في أسفل ذلك السفح كانت هناك مغارة كبيرة تتسع لكل أهل الحي .. وقد اختبأ فيها أهل الحي في السبعين واستطاعت أن تضمهم بأريحية كاملة وكانت هذه المغارة تسمى مغارة ((رزوق)) نسبة إلى ذلك الرجل لأنها كانت تقع ضمن حدود أرضه التي كانت تبدأ من الشارع الحالي ((المصدار)) وتنتهي إلى المقبرة في الجهة العليا لبيته وكانت معظم الأرض التي تحيط ببيته مشجرة ومسنسلة وفي منتصفها كانت مغارة أخرى صغيرة كان ينام فيها شخص يسمى ((أبو عيسى)) كان اعزبا وهذا الشخص كان سقاء الحي بحيث كانت علاقاته مع نسوة الحي جيدة وكان يأتي بالماء من رأس العين في نفس المكان المقام عليه ((أمانة عمان)) ويجلب الماء من تلك العين ويصعد بها إلى ذلك الحي دون كلل أو تعب كان يعلق خشبة على كتفيه يتدلى منها دلوان من الجلد وكان يحاسب النساء على ((النقلة)) بحيث أجرة ((النقلة)) كانت تساوي قرشا أو رغيف خبز أو ما تجود عليه النساء في ذلك الوقت ..

وللعلم كان رغيف الخبز رغيف تعب وجهد ليس بالسهولة التي هو بها الآن فكان رغيف الخبز يمر بمراحل متعددة يؤتى بالقمح ثم يطحن بطاحونة يدوية أو يرسل إلى ((بابور الطحين)) الذي كان يقع مقابل الأمانة حاليا بجانب شركة التبغ وكان هذا البابور لرجل ارمني ..

ثم بعد ذلك يعجن ثم يترك ليتخمر وبعد ذلك يقطع قطعا صغيرة بحجم الرغيف ثم يرسل إلى الفرن الوحيد في ذلك الوقت ((فرن يوسف أبو العنين)) وكان يقع بجانب درج دير اللاتين ثم يخبز

وكان في الفرن شخص يوصل الخبز إلى البيوت يسمى ((الأجير)) وكان ذلك مقابل رغيف خبز أو تعريفة أو قرش وبجانب المخبز((الفرن)) كانت بقاله وحيدة تبيع اللبن و الجبنة لشخص يدعى ((سعيد الشامي)) وكل منتجاته طازجة وتصنع يدويا ولا مجال للغش فيها

في نهاية الحي عند الإشارات الضوئية الحالية كان هناك مخفر المهاجرين وكان أمام ذلك المخفر يقف شرطي اسمر نحيل يغنيك عن كل الإشارات الضوئية يعرفه الأردنيون والعمانيون انه هزاع... ذلك الشرطي الذي كان صديقا لكل السائقين ،يستقبلك بابتسامة ويودعك بابتسامة .. وكم تكون مندهشا من حركة يديه التي لا تهدأ ...

ومقابل ذلك السفح كان محل لبيع الأدوات الكهربائية محل بسيط انه محل عيسى مراد المؤسس لهذه العائلة الكريمة ...

وبجانبه كان أقدم بلياردو في عمان بلياردو رشيد الذي تم إغلاقه في نهاية السبعينات واستبدل بمحل لصناعة الصاج ... تتجه نحو اليسار قليلا فتجد صالون هاني المحاذي لدرج المصدار مقابل الكنيسة وبجانبه كانت بقاله مشربش ومحل صغير لبيع وصيانة الأسلحة والذخيرة  وقد تم هدمه في توسعة شارع المصدار وكذلك محل الأسلحة الذي كان بجانبه وبقاله مشربش أيضا

يتابع سالم الذيب حديثه عن تلك الحقبة المهمة في عمان ... عمان الستينات والسبعينات...

وكم كانت فرحتنا عندما أخذتنا أمي أنا وإخوتي لنشاهد ما غنمه الجنود النشامى من حرب النصر والكرامة ... دبابات اسرائيلية و مصفحات ...

سار بها جنود الوطن في شوارع العاصمة وكانت الشوارع مزدحمة بالناس وهي تهلل وتبارك وتحيي الجنود الأردنيين جنود الجيش العربي وهم يسيرون بعزة وكرامة ...

ذلك مشهد مؤثر لن ننساه أبدا

يقول محدثي سالم الذيب نعود إلى المصدار إلى مضافة دار عواد ورداد بيت من الصفيح الكامل كان أهل هذه العائلتين يتسامرون به بعد المغرب... وقليل منهم من كان يذهب للمقهى القريب من ذلك الحي...

فالبيوت لم يدخلها التلفاز وبعض البيوت كان بها راديو يعمل على البطاريات لان الكهرباء في ذلك الوقت لم تكن متوفرة فكانت الإضاءة بفوانيس الكاز أو بدرجة أرقى اللوكس

وكان هناك شخصان ظريفان أصحاب نكتة... الأول درويش عواد والثاني حسين عواد وهما إخوة وكانا في قمة الظرافة والنكات بحيث كانت تسمع قهقهات الرجال المتسامرين من داخل البيوت ويقول محدثي إن عائلة عواد كانت في الأصل من الكرك أما عائلة رداد فكانت من قرية صخرة ثم استوطنت هذه العائلة قرية كفريوبا في اربد ... ثم بعد ذلك نتيجة قتل احد أفراد هذه العائلة لرجل في تلك القرية استبعدوا وذهبوا إلى قرية أبو شوشة في فلسطين وبعد أن هدأت النفوس عاد بعضهم إلى كفريوبا والقسم الآخر قرر أن يبقى في عمان ...

ثم بعد ذلك يقول محدثي انه لم تكن هناك مدارس قريبة من الحي فيضطر من يريد الدراسة أن يذهب إلى مدرسة العباسية القريبة من رأس العين بجانب سوق الخضار وكان من أشهر الأطباء في ذلك الحي الطبيب الارمني (( عيسى واكيم)) والطبيب النصراني يوسف الحاج وزوجته...

أما طبيب الأسنان الوحيد في تلك الفترة كان البطيخي بجانب مخفر المهاجرين القديم

إنها أمكنة وذكريات ستظل حية في قلوبنا ونورثها لأولادنا وبناتنا لكي يظل انتماؤهم للمكان الذي عاش فيه آباؤهم  و أجدادهم ... ومازال جزء صغير منه موجودا ... ومع الزمن استبدلت الجدران والأسقف وأصبحت بيوت قابلة للحياة العصرية ... ونتيجة  للضغط العددي لدى كل أسرة اضطر الكثير من مؤسسي ذلك الحي أو أولادهم بالسكن في مناطق قريبة منه فمنهم من اتجه إلى الوحدات أو الاشرفية أو النظيف أو القويسمة أو جبل عمان أو جبل الحسين ومنهم من سافر إلى  أمريكا وأوروبا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش