الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

غسيل بنما وجبل الجليد

رمزي الغزوي

الأربعاء 6 نيسان / أبريل 2016.
عدد المقالات: 1976



سألني أحدهم بسذاجة مبطنة عن نوع المسحوق المستخدم في الأموال المغسولة. وهل تبقى منشورة طويلاً على الحبال مثل غسيل الفقراء؟!، وهل (تكرمش) عقب الغسيل أو تكش وتشرب؟!، أم تحتاج إلى حفلة كوي على البخار لتعود سابلة مهندسة قابلة للتداول؟!.

نتذكر بسطاء الناس ونتذكر كيف كانت التقرحات حليفة أيادي النساء عندما كان الغسيل يدوياً، ابتداء من جلب الماء بالجرار من النبعة البعيدة، وتسخينها على نار الحطب الممزوجة بالأدخنة الدامعة، ثم غلي الغسيل ليدلك ويفرك باللقن (وعاء معدني واسع)، قبل أن ينشر على حبال منصوبة تحت عين الشمس!.

غسيل هذه الأيام لا يسبب إرهاقاً بعد دخولنا عصر الآلة، فما عليك إلا أن تلقم الثياب الوسخة لفم الغسالة، وتضيف قليلاً من المنظفات الكيماوية، لتحصل على ثياب ناصع النظافة، في برهة من الزمن!!.

الأموال هي أكثر الاشياء عرضة للوسخ، لأنها قد تولد قذرة نتنة كجيفة، وتُجنى من حرام خاصة لمتنفذين أو قادة أو وزراء، دون أن تمتزج بعرق الجبين، أو بكد اليدين، وعملية غسلها تحتاج مجهودات ذكية، وطرق ملتوية التفافية، فقديماً كان الناس أكثر حساسية وتوجساً تجاه كل مال لا يعرف نسبه الحقيقي!، أما الآن، ومع شيوع شركات غسيل الأموال العالمية، فليس أسهل من تبيضها وتنظيفها، وجعلها تدخل معترك التداول الاجتماعي بيسر وسلاسة ودون ريبة وشك!.

أولى طرق غسل الأموال ظهرت مع بزوغ نجم عصابات المافيا وسعيها إلى استثمار هذه الأموال في مشاريع يعترف بها المجتمع، لتكون الأرباح الكبيرة الخيالية وكأنها جاءت من رحم الحلال!، ورغم تضافر الجهود العالمية، للتضييق على لصوص ومبيضي الأموال، إلا أن الكثير منهم قد أفلح في الوصول إلى رتبة المليارديرية، بعد أن زج بأمواله إلى السوق المشروعة، عبر غسالات عابرة للأنفاق، لا تكلف إلا عناء قليلا!، ولكن العالم للآن، ما زال يعاني من ثقل الأموال المغسولة التي تصل نسبتها إلى ما يقارب الخمسة بالمائة من أجمالي الدخل العالمي. وهو بالطبع رقم فلكي وخيالي، سيما إذا عرفنا حجم الجهد المبذول في مكافحة هذه الظاهرة!!.

فضيحة أوراق بناما لن تكون الأخيرة، حتى ولو كانت الأكبر في تاريخ فسادنا الإنساني، الذي اثبت أنه في صبغتنا الوراثية وجيناتنا مثل لون العيون، أو ملمس الشعر. وأظن أنه مهما كشف من خوابي الفساد وأنفاقه، فلن يطفو على إلا ما بمقدار ما يكشف الجبل الجليدي العائم من حجمه. اي أقل من خمسه. هكذا تعلمنا من فيزياء هذا العالم.

ما يلفت في أوراق بنما، سؤال حائر يدور أعمى في حياتنا الأرضية. لماذا يتورد الاثرياء والزعماء والرؤساء في هذه القذارات مع أن بطونهم ملأى. ربما سيكون الجواب الصادم أن عيونهم فارغة، ولا يملأها إلا التراب.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش