الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الثورة العربية الكبرى. للوحدة وليس للانسلاخ

تم نشره في الأربعاء 6 نيسان / أبريل 2016. 08:00 صباحاً







كتب: عمر محارمة

يعتمد الفكر الذي انطلقت الثورة العربية الكبرى منه على فكر وحدوي سعى لانقاذ الأمة من حالة ضياع وتفتت فرضها تقهقر تركيا في الحرب العالمية الأولى وصعود الفكر القومي التركي الى سدة الحكم.

لم يثُر العرب بقيادة الشريف الحسين بن علي على دولة الخلافة، ولم تكن هذه الثورة تسعى الى سلخ العرب عن محيطهم الاسلامي، بل كانت ردة فعل طبيعية لمواجهة الفكر الذي كان يقود الدولة العثمانية والمتمثل بجمعية الاتحاد والترقي التي كانت قد بدأت بالفعل بـ «تتريك» الدولة والتخلي عن أطرافها والانسحاب منها.

ولم يكن أمام الشريف حسين وأحرار العرب من خيار سوى السعي الى منع تفكك المشرق العربي والحفاظ عليه كنواة لوحدة عربية كبرى تضم أقاليم العرب وأراضيهم في مشرق الوطن العربي ومغربه.

وفق هذا التفكير لا يمكن النظر الى الثورة العربية الكبرى الا باعتبارها مشروعا وحدويا سعى الى الحفاظ على الكيان العربي وحدة واحدة وكاد أن ينجح لولا المؤامرات الدولية التي اعتبرت البلاد العربية غنيمة حرب خلفتها وراءها تركيا المهزومة.

ومثّلت الثورة العربية الكبرى القاسم المشترك للقاء أفكار الجمعيات الثقافية، والفكرية، ودعاة التحرر العرب مع انتفاضة الشريف حسين التي كانت بداية انطلاقة لفكرة وحدة بلاد الشام، الا أن الغرب قضى على هذا الحلم عبر اتفاقية سايكس بيكو واقتسام بلاد الشام بين النفوذين الفرنسي والبريطاني.

وتدل الوثيقة التي أصدرها الشريف الحسين بن علي بعد أيام قليلة على انطلاق الثورة على أن تفريط الاتحاديين -جمعية الاتحاد والترقي- بحماية الدولة والحفاظ على ممتلكاتها وخروج مقاليد الدولة من يد سلطانها الشرعي ما مثل اختطافا للخلافة بالاضافة الى اضطهاد العرب والتنكيل بمسلميهم ومسيحييهم وبقصفهم للبيت الحرام بالمدفعية حتى تعذر على العباد القرب من البيت الحرام أوالصلاة فيه.

وقال الشريف رحمه الله في تلك الوثيقه أن أول من اعترف بالدولة العلية من حكام المسلمين وأمرائهم أمراء مكة المكرمة رغبة منهم في جمع كلمة المسلمين وتحكيما لعرى جامعتهم لتمسك سلاطينها من ( آل عثمان) العظام طاب ثراهم وجعل دار الخلد مثواهم بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلوات الله عليه وتفانيهم في انفاذ أحكامها الى أن نشأت في الدولة جمعية الاتحاد وتوصلت الى قبض ادارتها وكافة شؤونها بما كانت نتيجته انتقاصها من الممالك ما قوض عظمتها.

ومما يدل على أن الثورة لم تكن ثورة ضد الخلافة أن الشريف حسين بويع في 4 تشرين الثاني 1916 داخل الحرم ملكا على العرب وذلك بوجود الخليفة.

كما استقبل الملك حسين بن علي السلطان العثماني المخلوع محمد وحيد الدين في مكة استقبالا حافلا بتاريخ 21 كانون الثاني 1923.

وفي 4 آذار 1924 وبعد ان أعلن المجلس الوطني التركي قراره بالغاء الخلافة في مطلع آذار 1924 قامت وفود عربية من مختلف دول بلاد الشام والعراق والحجاز بمبايعة الحسين بن علي بالخلافة في عمان.

وفي الخامس من شعبان 1342 الموافق 11 آذار 1924 صدر منشور باسم الخليفة أمير المؤمنين الحسين بن علي جاء فيه: « ان اقدام حكومة أنقره على الغاء منصب الخلافة الاسلامية هوالذي جعل أولي الرأي والحل والعقد من علماء الدين المبين في الحرمين الشريفين والمسجد الاقصى وما جاورها من البلدان والأمصار يفاجئوننا ويلزموننا ببيعتهم حرصا على اقامة شعائر الدين وصيانة الشرع المبين «.

وفي عيد الاضحى عام 1334 قال الحسين بن علي: « لأني احب قومي وبلادي وديني أكثر من أي شيء في هذا الوجود ولولا هذه المحبة ما نهضت هذه النهضة ولا تخطيت هذه العقبة».

الثورة استجابة طبيعية لتنامي الشعور القومي

وجاءت الثورة العربية الكبرى كاستجابة طبيعية وذكية للشعور القومي العربي الذي كان قد بدأ بالتنامي منذ منتصف القرن التاسع عشر، بفضل العديد من العوامل أهمها تقوقع الدولة العثمانية على نفسها وبروز حركة التتريك داخلها والاهمال التنموي الكبير للأقاليم العربية.

وساعد على تنامي هذا الشعور صعود حركة التجارة خصوصا عن طريق السواحل اللبنانية، مما أتاح الفرصة للعرب للاطلاع على حركات التحرر القومية في مناطق اوروبا، وانتفاضة شعوبها التي اخذت تبحث عن هويتها واستقلالها، وتتحرر من مستعمريها، فكانت هذه الرؤية التي تكونت لدى العرب وهم يراقبون الوضع العالمي، فبدأت تتشكل الجمعيات السرية والمنتديات الادبية التي اسهمت في حركة الوعي العربي، ولكن اخذت الاسباب تظهر وتتراكم، والتي تدعوالعرب للنهوض والثورة.

اسباب كثيرة وضعت العرب امام تحد كبير، ولكن بقيت الحاجة للقيادة الفاعلة القوية التي يمكنها ان تقود الامة نحوالاستقلال، وتوحد جهود العرب جميعا باتجاه السيادة العربية، وبالتالي فان العرب قد توجهوا الى الشريف الحسين بن علي وطلبوا منه ان يكون القائد للثورة خاصة وانه الرجل الذي توفرت فيه خصائص خاصة أهمها أنه من سلالة الشرف العظيم المتحدرة من اطهر بيوت العرب من نسل النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم وأنه كان بالفعل امير مكة وخادمها ويحظى بمكانة خاصة بين قبائل العرب أضافة الى أنه تميز بتوجهه نحوالاستقلال والسيادة، وتوفرت له النزعة الكاملة لذلك منذ ان نفي الى الاستانة عام 1893.

وصف يوم اعلان الثورة العربية الكبرى واطلاق الرصاصة الاولى كان صباح يوم العاشر من حزيران من عام 1916 الموافق التاسع من شعبان 1334هـ يوماً يشهد التاريخ له، وهوصورة التصميم العربي على تحقيق الأمل المنشود.

الرصاصة الاولى

يصف خير الدين الزركلي في مذكراته عن الثورة العربية الكبرى يوم انطلاق الثورة فيقول: الساعة 9 والدقيقة 12 من يوم السبت 9 شعبان سنة 1334هـ بينما الجيش التركي في مكة هادئ في ثكنة جرول والقلعة الحميدية، والناس نيام والحوادث يقظى، خرجت الرصاصة الاولى من قصر الامارة من بندقية الشريف حسين، فلم يبلغ صداها مسامع جيشه الكامن حول حصون الترك وثكنها، حتى اندفع سيل النار من بندقياته، فانتبه الترك مذعورين، واسرع جندهم الى المدافع قبل ان تصل اليهم العرب، فاطلقوا القنابل على مصاعد نيران البندقيات.

ولم ينشقَّ فجر ذلك اليوم الا وجنود الترك محصورون في حصونهم، وقلعة اجياد المشرفة على احياء مكة ودورها، تواصل القاء القذائف على كل مكان يتخيل لها ان فيه قوة من العرب، واستمر بها الامر الى ان طاشت بها قذائفها فارسلتها على غير هدى في كل ناحية من نواحي البلد الامين، واختصت بالعناية دار الامارة فاتخذتها هدفا حتى كانت الساعة الثالثة من الصباح.

نتائج وانجازات الثورة

لعل من النتائج المباشرة للثورة العربية الكبرى في تلك الفترة أنها اوجدت حالة جديدة بين العرب، حيث اثارة الشعوب العربية ضد الدولة العثمانية وحليفتها المانيا، كما أن اعلان الثورة في مكة جرد السلطان محمد رشاد الخليفة من سلاح الجهاد الاسلامي، الذي كان يشكل قوة تعتمد عليها الدولة العثمانية لتجنيد المسلمين من مختلف اقطارهم تحت لواء هذه الدعوة.

وأسهمت الثورة في ابراز القضية العربية الى حيز الوجود وعلى مستوى عالمي وانتزاع اعتراف الدول الكبرى بها , بعث فكرة القومية العربية وتبلورها حتى اصبحت عقيدة حية متطورة تتفاعل مع الاحداث.

كما اعادت الثورة وحدة العرب الروحية وخلق تاريخ قومي لم يكن له وجود منذ سقوط الدولة العباسية في منتصف القرن الثالث عشر وتأسيس الدولة العربية على اساس الشورى حين بويع الحسين بن علي على الملك في 5 11 م1916 فبدأ بانشاء مجلس الشورى (مجلس شورى الخلافة) الذي بدأ مهامه بمجلس نيابي لدولة حديثة نحوالسيادة والاستقلال التام.

الثورة العربية في الميزان العسكري

تناولت دراسات كثيرة تقييم الثورة العربية الكبرى من النواحي المختلفة، ومن الناحية العسكرية فقد تميزت الثورة بأنها كانت قرارا جريئا وحاسما في ظروف صعبة ومعقده، فكان قرار الشريف الحسين حاسما ومناسبا عندما اعلن بدء انطلاقة الثورة العربية الكبرى.

كما أظهرت الثورة الشجاعة الفائقة والثبات الذي لا يتزعزع الذي ابداه الشريف الحسين بن علي بفضل الروح المعنوية التي تحلى بها ايام المعركة، حيث اثرت هذه الروح المعنوية تأثيرا كبيرا على قادة قواته والمتطوعين في صفوف الثورة فالهبت حماسهم، واصبحوا لا يهابون الموت طالما ان قائدهم يتصرف بكل هدوء واتزان غير عابئ بالاخطار التي تحيق به.

خذلان القوى العظمى للعرب ونكثهم لتعهداتهم

وأتاحت الثورة فتح ملف القضية العربية أمام المجتمع الدولي حيث قدم الامير فيصل امام مجلس الدول العشره، ومنها الخمسة الكبار بريطانيا وفرنسا وامريكا وايطاليا واليابان شرحاً عام 1919 عن اوضاع البلاد العربية موضحا عناصر الوحده العربية وهي اللغة والمنبت والجنس والتاريخ الواحد والمصير والمصالح الاقتصادية وطالب باستقلال البلاد التي تحررت من حكم تركيا، في حين بقي الشريف الحسين يراسل بريطانيا مطالبا اياها بتنفيذ تعهداتها للعرب واستمر الامير فيصل طيلة سنة ونصف السنة يعمل جاهدا لتحقيق مطالب الامة العربية، واخفقت جميع المساعي المبذولة لاقناع فرنسا وبريطانيا بالتخلي عن مشروعها والاعتراف باستقلال البلاد العربية.

وفي عام 1920 في الثامن من اذار اعلن المؤتمر العربي في دمشق استقلال سوريا ونودي بالملك فيصل ملكا دستوريا ورفضت الدول الاستعمارية قرارات المؤتمر القومي العربي وقررت تقسيم اقطار المشرق وبذلك انتقل المشرق الى مرحلة جديدة تميزت بالصراع مع الاستعمار والصهيونية التي دخلت فلسطين وفي عام 1920 في شهر تموز احتلت فرنسا سوريا بعد معركة ميسلون.

الأردن والثورة.. رسالة مستمرة

والاردن بموقعه الجغرافي يشكل منطقة استراتيجية هامة في الشرق الادنى، فقد شارك في دعم الثورة السورية في جبل الدروز ضد فرنسا وكذلك بالنسبة للصراع الدامي في فلسطين فكان للامير عبدالله الموقف الحازم حيث طالب الحكومة البريطانية وقف الهجرة اليهودية التي تفاقم خطرها وازداد، ومطالبته بحماية مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه.

وكان الامير عبدالله بن الحسين وصل الى معان في 21 تشرين الثاني عام م1920، وهويحمل علم الثورة العربية الكبرى، ويرفع ايضا علم دولة سوريا وهويدعوالى حشد الجهود لقتال الفرنسيين، واسترداد عرش فيصل ولكن اختلفت الاحوال واخذ الملك عبدالله الاول –الامير آنذاك- يفاوض الانجليز حول مستقبل المنطقة، وشرع بتأسيس الدولة الاردنية التي ابتدأت يوم 2 اذار م1921 ولتنال استقلالها الاول في 25 ايار م1923، ومن ثم تحقق الاستقلال التام يوم 25 ايار 1946م. وتبدأ الدولة الاردنية عربية هاشمية مستقلة ارسى قواعدها جلالة المغفور له الملك عبدالله الاول، ووضع دستورها الملك طلال طيب الله ثراه، وبنى نهضتها القائد الباني المغفور له الملك الحسين بن طلال، ويقود جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم الدولة الاردنية كدولة ذات عمق واصالة، وحضور عالمي وقيادة تتسم بالعقلانية والعزم تتطلع نحوالمستقبل المشرق، وفق قواعد وتراث الاجداد، واصول النهضة الشاملة الاصيلة، ورؤى المستقبل المشرق الذي يحقق الدولة المتقدمة المتحضرة التي تتطلع نحوالمستقبل بأمل مشرق.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش