الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ميدان طلعت حرب. يا مسافر على بحر النيل. أنا ليه فى مصر خليل

تم نشره في الجمعة 8 نيسان / أبريل 2016. 08:00 صباحاً

 القاهرة- الدستور- محمود كريشان

فعلا.. وكما تقول الأغنية الشهيرة: إللي بنى مصر كان في الأصل حلواني.. وعشان كده مصر يا ولاد حلوة الحلوات..اذا هنا القاهرة.. تمضي دروب «الدستور» في معالمها الخالدة، وتحديدا ميدان طلعت حرب احد اشهر واقدم الميادين العريقة في مصر، هذا الميدان النابض بالحيوية والمكتظ بالمتاجر الانيقة بحثا عن الرزق.. والرزق عاوز خفة كما يقول المصريين بكل ما في الكلمة من طيبة ومحبة وتسامح وبساطة.

في هذا الميدان القاهري الحيوي في مصر.. قلب العروبة النابض.. التي ندخلها بسلام ونلمس ان المحروسة تنهض بحيوية وشباب..تطالع نيلها وصبر اهلها في زمن مختلف شيئا ما..تركب في التاكسي..يبادرك السائق: كل سنة وانت طيب!..من وين حضرتك!..ترد عليه شامخا منتشيا معتزا: من الأردن..يشرق بابتسامة جميلة: الاردن بلد الوفاء والرخاء.. الله يرحم الكابتن «الجوهري» اصل انتم بتحبوه قوي..شكرا يا افندم..هذا واجب علينا.. يأخذك الحديث الشيق والعفوي..ويستدرك السائق الأمر متسائلا عن وجهتك!..فتقول له: «ميدان طلعت حرب».. فيرد بدماثة واخلاق المصريين: حاضر يا أفندم...

في هذا الميدان وقبل ان نسرد ذاكرة المكان والزمان يجب ان نعلم انه يضم فيما يضم «عمارة يعقوبيان» التي شيدها المعماري «جوسيي مازا» و»سينما مترو» و»سينما ميامي»، وعمارة عمر افندي وعمارة صيدناوي وهي متجر فخمة تبيع الادوات المنزلية والالبسة الفخمة ذات الماركات العالمية، ايضا ومن احدى تفرعات الميدان «مكتب الملكية الاردنية» ومسرح وسينما راديو ومقهى ريش الشهير وحانة ستيلا واشهر المكتبات في مصر «مكتبة مدبولي» و»مطعم فلفلة» ومكاتب كبرى شركات الطيران والنادي اليوناني «مطعم وحانة مختص الاطعمة والمشروبات اليونانية».

كما يضم الميدان نخبة من الفنادق التراثية العريقة باسعارها الشعبية والتي يحرص السياح العرب والاجانب على المكوث بها نظرا لاسعارها المناسبها ولكونها موجودة في وسط البلد بعيدا عن الازدحامات المرورية كون الزائر تكون معظم زياراته ومشاوريه في وسط المدينة، بالاضافة لوجود في الميدان ومحيطه وتفرعاته العريقة والطاعنة في القدم، توجد معالم بارزة متنوعة سواء دور السينما والمقاهي والمطاعم ومحال بيع الالبسة والقطنيات وغير ذلك.



ذاكرة المكان

يعود تاريخ انشاء الميدان الى عهد الخديوي إسماعيل عندما أراد ان يجعل من قلب العاصمة المصرية، صورة من ما كان يراه في باريس، الامر الذي جعله يستعين بمهندسين ايطاليا و فرنسا، لتصميم الميدان على النمط الأوروبي وقد تم نصب تمثال سليمان باشا الفرنساوي «مؤسس الجيش المصري في عهد محمد علي» في وسط الميدان، وقد كان اسمه سابقا «ميدان سليمان باشا» وسليمان باشا الفرنساوي.

وبقي تمثال سليمان باشا يتوسط الميدان بهذا الاسم، حتي قيام ثورة يوليو عام 1952م والتي قررت التخلص من جميع الرموز السابقة في العهد البائد، وقامت بنقل تمثال سليمان باشا الي، الى المتحف الحربي المصري واستبداله بتمثال اخر تم تصميمه للزعيم الاقتصادي «طلعت حرب باشا» ومؤسس الإقتصاد المصري، تخليدا لانجازاته المشرقة في الاقتصاد الوطني هناك، ليصبح اسمه حتى يومنا هذا «ميدان طلعت حرب».

وتشير المعلومات ان ميدان طلعت حرب يقع على بعد 400 متر من ميدان التحرير الشهير في وسط القاهرة جنوبا و775 متر من ميدان التوفيقية شمالا و850 متر من ميدان السلام عارف شرقا و 400 متر من ميدان عبدالمنعم رياض غربا، ويمر به شارع طلعت حرب وشارع محمد صبري وشارع قصر النيل وشارع محمد بسيوني.



مقهى جروبي

«مقهى جروبى» وهو المكان المفضل للاثرياء والباشوات والأباطرة والطبقة المخملية من المجتمع المصري في زمن كانت فيه قيمة الجنيه المصري تفوق الجنيه الإسترليني والدولار في زمن كان يعتبر فيه «جروبي» أفخم دار للشاي في العالم قاطبة، وقد أسسه صانع الحلويات والمعجنات السويسري الشهير «جياكومو غروبي» وما يزال جروبى حتى اليوم يحتفظ بسحره وبريقه وعراقته مع تراجع ملحوظ في مستوى الخدمات المتنوعة.

كافيه ريش»

ويعتبر مقهى ريش  الذي يشمخ بعراقته حتى يومنا هذا في قلب القاهرة النابض.. وتحديدا بالقرب من ميدان طلعت حرب هو ليس مقهى عاديا كبقية المقاهي التي تعج بها المدن العربية.. فعلى  ريش  جلس واجتمع المبدعون والمثقفون من عدة أجيال في تاريخ مصر المعاصر بدءا من توفيق الحكيم، ويوسف إدريس، ونجيب محفوظ، وأمل دنقل، ونجيب سرور، والاديب الاردني الراحل غالب هلسا والكاتب والمفكر الكبير خيري منصور، ولويس عوض، إلى جانب الفنانين المصريين: رشدي أباظة، ومحمد عبد القدوس، وفاطمة اليوسف، وعادل إمام.. ومن بين جدران  ريش  وفاعلياته وأنشطته خرج بيان المثقفين عام 1981 عقب الاعتقالات وقرارات سجن الآلاف من مثقفي مصر في عهد الرئيس الأسبق السادات، هذا البيان الذي أدرجه محمد حسنين هيكل في كتابه  خريف الغضب  بتعقيب ورد ممهور باسم  توفيق الحكيم .

ومالك المقهى مجدي عبد الملك ومؤسسه الثاني في التسعينيات وقد توفي منذ اشهر عديدة، حيث أعاد عبد الملك ترميم المكان وافتتاحه، بعد أن ظل مغلقا طوال سنوات سابقة طويلة.

ووثق مجدي عبد الملك، وهو طيار مقاتل متقاعد من الجيش المصري، لتاريخ مقهى ريش منذ أن كان كازينو يضم «تياترو» صغير يمتد إلى ميدان طلعت حرب، غنت فيه أم كلثوم في بداية حياتها الفنية، ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء يوسف باشا وهبة الذي كلفه الانجليز بالوزارة عام 1919 حيث اختار الشاب الوطني عريان يوسف سعد مقهى ريش لتنفيذ عملية الاغتيال وألقى قنبلة يدوية من مكان جلوسه على المقهى باتجاه موكب يوسف وهبة لدى سيره بشارع سليمان باشا.

في «ريش» ايضا يوجد حتى الآن أقدم جارسون فى القاهرة اسمه: محمد حسين صادق وشهرته  «فلفل» هو رجل نوبى، قسمات وجهه محفورة بتقلبات الزمن.. مدججا بملامحه الطيبة بالصبر والهدوء.. فهذا الرجل الأسمر النوبى «فلفل» كما قال لـ»الدستور» انه قد جاء الى القاهرة عام 1942 وهو ابن الثالثة عشرة من عمره، وجاء به خاله الذى كان يعمل طاهيا وطلب من الخواجة صاحب مقهى ريش انذاك، أن يجد عملا لابن شقيقته حيث يعمل عم «فلفل» في المقهى حتى يومنا هذا بكامل رشاقته وحيويته وخفة دمه واخلاقه الطيبة وهو محبا للأردن ويقادته الهاشمية وشعبه الطيب.

حانة ستيلا

كذلك وفي منتصف المنطقة الممتدة من ميدان التحرير إلى ميدان طلعت حرب، بمحاذاة مطعم فلفلة الشهير، تقع حانة  ستيلا  التراثية العريقة، والتي يعود تاريخ إنشائها إلى العام 1950م، من قبل شخص مصري من أصول يونانية.

هذه الحانة التي لا تزال تحتفظ بمقتنياتها التراثية منذ فجر التأسيس وحتى الآن، ومعظم الزبائن فيها هم من المثقفين واليساريين، دون أن يخلو المشهد من وجود الفنانين من عازفي العود والكمنجا الذين وما أن يحلو السهر في ساعات متأخرة من ليل القاهرة الجميل، حتى تبدأ معزوفاتهم تتصاعد لتعطر الحانة الصّغيرة بالغناء القشيب .. للشيخ إمام ..  جيفارا مات  .. و البقرة النطاحة  ويمتد الغناء في ساعات التجلي إلى الغناء البحري ..  شكشك مرزوقة .. تعالي جنبي  إلى الفرقة القومية المصرية وفرقة رضا .. ولأجل الصبايا .. ومصر مش قتالة .. ولأ .. والنبي ويا عبدة .!!.

وعلى صلة .. يُقال أنه وفي هذه الحانة قام الطبيب الشاعر ابراهيم ناجي بكتابة رائعة  أم كلثوم  الخالدة .. الأطلال، حيث أن الدكتور ناجي كان منكباً على  بنت العناقيد  هرباً من خذلان المحبوبة، وكان عرضة لانتقادات زملاء وندماء له، تارة يقولون له أنت طبيب فاشل، وشاعر ناجح .. والعكس صحيح، كما أورد وكيل وزارة الثقافة في السلطة الوطنية الفلسطينية/ شاعر فلسطين الكبير عبدالناصر صالح.. وقد جاء في القصيدة المغناة: (يا فؤادي لا تسل أين الهوى كان صرحا من خيال فهوى/اسقني واشرب على أطلاله واروعني طالما الدمع روى/ كيف ذاك الحب أمسى خبرا وحديثا من أحاديث الهوى/ لست أنساك وقد أغريتني بفم عذب المنادة رقيق ويد/ تمد نحوي كيد من خلال الموج مدت لغريق وبريق يظمأ/ الساري له أين في عينيك نياك البريق ياحبيبا زرت يوما/ أيكه طائر الشوق أغنى ألمي لك إبطاء المذل المنعم وتجني).



مكتبة مدبولي

وعلى نفس الميدان تقع اشهر المكتبات المصرية على الاطلاق «مكتبة مدبولي» وصاحبها المرحوم الحاج محمد مدبولي.. وهو رجل عصامي كان بائع صحف لم يكن يجيد القراءة، أسسها فى ميدان طلعت حرب، سنة 1967 لتحكى قصة كفاح هذا الرجل، الذى ظل مناصراً للفن و الثقافة، ومعادياً الرقابة وقمع الأفكار، منذ مولده عام 1938 وحتى وفاته عام 2008 وقد اصبحت ملتقى للأدباء و الشعراء و المثقفين والسياسيين منذ ستينيات القرن الماضى، الأمر الذى جعل صاحبها يطلق عليها «العتبة المقدسة التى تخطاها الجميع» و زوار المكتبة كانوا من أعضاء مجلس قيادة الثورة، شخصيات سياسية، وجميع الكتاب والأدباء؛ أبرزهم نجيب محفوظ، يوسف السباعى، إحسان عبد القدوس، عباس العقاد، جمال الغيطانى، ويوسف القعيد، إضافة إلى مثقفى العالم العربى، الذين كانوا يدرسون فى مصر، و منهم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والوزير الاردني العريق د. هاني الخصاونة، كما أن عبد الناصر و السادات كانوا يرسلون مندوبين لشراء الكتب من مكتبة مدبولي.



ختاما.. نمضي في لجة العشق ونردد من ارجاء القاهرة الرائعة الغنائية: على بلد المحبوب ودبني.. زاد وجدي والبعد كاويني.. ياحبيبى انا قلبي معاك

طول ليلي سهران وياك.. تتمنى عينى رؤياك.. أشكي لك وأنت تواسيني.. يا مسافر على بحر النيل.. أنا ليه في مصر خليل.. من حبه مابنام الليل.. على بلد المحبوب وديني.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش