الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بساط الريح. دعوة لتوطيد العلاقة مع التراث

تم نشره في الجمعة 8 نيسان / أبريل 2016. 08:00 صباحاً

* د. عمر فارس الكفاوين



صدرت الطبعة الأولى من كتاب (بساط الريح/ دراسات تطبيقية في أدب الرحلات) للناقد د. غسان عبدالخالق سنة 2015م، ضمن منشورات وزارة الثقافة الأردنية، ويصنف الكتاب ضمن قائمة الكتب الفكرية التي تسعى لإبراز ملامح لون من ألوان الأدب العربي القديم والحديث، الذي يتمثل بأدب الرحلات، ذلك الأدب الذي شغل العرب قديماً وحديثاً فكتبوه، ودرسوه، ولعله من أكثر فنون النثر إمتاعاً وإلذاذاً، كونه يعاين عبر مسيرته الكثير من الجوانب الحضارية والثقافية التي تجذب المتلقي فتجعله مشدوهاً أمام تلك الآفاق الرحبة التي تشي ببراعة الإنسان وقدرته على تشكيل الأزمنة والأمكنة عبر وسائل متعددة تمنحه القدرة على الإسهام في بناء الحياة.

أمام هذا كله ينبهر الرحالة لما يشاهده ويسمعه ويعاينه، فلا يملك وسيلة إلا الكتابة والتوثيق لكل ذلك، مستخدماً أساليب الوصف لكافة المشاهد سواء المسموعة أو المرئية، بلغة شعرية تقوم على أساس دمج الواقع بالخيال وتقريب الصور للمتلقي.



وبناء عليه تتجلى وظيفة هذا الأدب وفق مسارين: الأول وظيفي يُعنى بتصوير مشاهد الحياة والمجتمع والناس وعاداتهم وتقاليدهم وفنونهم وأديانهم وثقافاتهم وآدابهم وغير ذلك، والثاني جمالي يتجلى من خلال اللغة وتشكيلها لتلك النصوص الرحلية التي تجعل من هذه اللغة ورموزها والصور وفنونها تقنيات تشكيلية تضفي على الخطاب جمالاً وشاعرية.

لقد انتظم (بساط الريح) في مقدمة وتمهيد وخمسة فصول وخاتمة، أشار مؤلفه في المقدمة إلى أهمية دراسة أدب الرحلات دراسة تقوم على مبدأ التطبيق والتأويل بعيداً عن التاريخ ومعطياته، وفي التمهيد تحدث عبدالخالق عن أبرز العوامل التي دفعت الرحالة للقيام برحلاتهم كأداء مناسك الحج والعمرة وطلب العلم والتجارة، والارتحال طلباً لعلوم العربية كالشعر واللغة والنحو، فضلاً عن حب الاستطلاع وجوب الآفاق وغيرها.

وقد جسد الفصل الأول الذات والآخر بين ابن جبير ونجيب محفوظ في رحلة ابن فطومة، من خلال نظرة كل منهما إلى الذات العربية الإسلامية، والآخر غير العربي، التي تشي برؤية شمولية متقاربة تجسد ذلك النقد الحضاري القائم على المفارقة بين نحن وهم.

وفي الفصل الثاني يلتقط عبدالخالق صورة القدس من رحلة ابن بطوطة بكل ملامحها، فبيت المقدس مدينة جميلة كبيرة، والمسجد الأقصى فائق الحسن بالغ الاتساع، وقبة الصخرة عجيبة متقنة وافرة الحظ من الحسن، وكنيستا المهد والقيامة معلمان بارزان فائقا الحسن والإتقان، وعلماء القدس كثيرون وعلى درجة كبيرة من العلم وسعة الاطلاع .

وقد حدد الكاتب سمات الوصف عند ابن بطوطة، فجعله يتسم بالدقة والإيجاز والقدرة على إبراز التنوع المذهبي والطرق الصوفية، والتنوع في الأصول وإغفال وصف خطبة صلاة الجمعة، وتضمين المقدسات المسيحية والتمييز بين الأقصى والصخرة.

أما الفصل الثالث فقد جاء ليبرز ملاحظات ابن بطوطة حول الصين، التي جعلها أعجوبة الزمان،لما فيها من أماكن تثير الدهشة وتمتع النظر، فضلاً عن مجتمعها الزراعي الذي ينتج أجود الثمار، ومجتمعها الحرفي والفني الذي يصنع كثيراً من الأدوات والزخارف، ومجتمعها التجاري والمالي والعملات المتداولة من الذهب والفضة، إضافة إلى الحياة الاجتماعية والدينية والعادات والتقاليد .

وجعل المؤلف الفصل الرابع تحت عنوان (المهزوم منتصراً في قنديل أم هاشم)، مجسداً إشكالية التقابل بين الشرق والغرب التي كانت ولا تزال في طور التبلور والتشكل في أذهان المفكرين والأدباء والمثقفين العرب والمسلمين، ولم تستوِ على سوقها الفكرية والحضارية والفنية بعد، وهذا التشرخ الفكري والنفسي الذي بدا مهيمناً على شخصية إسماعيل في (القنديل) هو خلاصة ما كان يحيى حقّي مقتنعاً به فعلاً، أي أنه كان مقتنعاً بانعدام أية إمكانية لتجاوز هذا الانفصام الحضاري أو هذا التسليم السلبي بجبروت الواقع.

وفي الفصل الخامس أدرج المؤلف مقتطفات من أدب الرحلات، فأخذ نصوصاً من رحلة ابن فضلان ورحلة ابن جبير ورحلة ابن بطوطة ورحلة ابن فطومة، ونصاً من قنديل أم هاشم . وفي الخاتمة حث عبدالخالق الباحثين على الإقبال على أدب الرحلات بالدراسة والتمحيص، كونه يمثل إحدى المرجعيات الحضارية والثقافية للعرب والمسلمين.

لقد سعى المؤلف من خلال هذه المقاربات، إلى توطيد علاقتنا بتراثنا المتمثل بأدب الرحلات من جهة، وتأويل تلك النصوص الرحلية القديمة وربطها بالحاضر من جهة أخرى، مع محاولة إثبات أن بساط ريح الرحلات ما زال يحلق حتى وصل إلى حاضرنا، فظهرت رحلة ابن فطومة وقنديل أم هاشم كي تكونا شاهدتين على استمرارية البساط في الجوب في الآفاق، وأنه لن يتوقف، فما زال هناك الكثير لمن أراد أن يصعد على هذا البساط، فيطوّف في المساحات الشاسعة من هذه البسيطة، فيضم رحلته بأدبها إلى تلك الرحلات العظيمة التي تشكلت عبر الأزمان لتنقل مشاهد الحياة والناس من خلال عيون أصحابها.

وختاماً أقول: إننا اليوم بأمس الحاجة إلى مثل هذه الكتب والدراسات التي تُعنى بتسليط الضوء على إرثنا الحضاري، فمال زال ذلك التراث زاخراً بالفنون والآداب التي تتطلب إخراجها من سباتها وإبرازها إلى حيز الوجود بدراسات ومقاربات حديثة تقوم على أساس المقارنة والتأويل والتطبيق والربط بالحداثة الأدبية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش