الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جربوا ضربة السيف

رمزي الغزوي

الأربعاء 13 نيسان / أبريل 2016.
عدد المقالات: 1992



عندما ضبطني أبي أمصُّ سيجارةً أطولَ مني، كنتُ أختلستُها من علبته بإغراء من شخيره العالي؛ جنَّ جنونه، وهو يرأني مغموراً بسحابة دخاني في ظل السور، فصفعني على ظهر يدي، ووخز أصابعي بزهرة سيجارتي، فهربت مولولاً إلى بيت جدي، بعد أن جمعت ثيابي وألعابي!.

استقبلني جدي بحنانه المُصفَّى؛ فتباكيت على وسادة صدره مُحشرجاً راوياً أفياء قصتي الدخانية، حسب مقتضيات خيالي المُكبِّر؛ فمسح دمعي بطرف كوفيته، ووعدني بأخذ حقي بالصاع الوافي من حضرة أبي حين يراه، ثم أخرج علبة الهيشي (التبغ البلدي) من جيب ديمايته (ثوبه)، وراح يلفُّ لي سيجارةً برؤوس أصابعه المدربة، لفاً يشبهُ تقميط طفل رضيع.

أنت رجل!. هكذا قال لي برزانة وجدية، وأضاف: والرجل يدخنُ!، ويتحملُ ثمن رجولته، فهززت رأسي ناشقاً بواقي دمعتي، ومن بعيد تتوسله جدتي، أن يتركني وشأني، فالسيجارة ستقضي عليَّ!.

لكنه أشعلها بهدوء وقدمها لي، بعد أن سحب منها نفساً طويلاً. تناولتها بزهو، وسحبت نفساً عميقاً، فجحظت عيناي، كحبتي فطر، وإزرق خاتمُ شفتيّ، وحسبتني لن أعود للحياة!. بعدها طبَّل جدي على دفة ظهري، بعدما أخذ السيجارة مني، شاتماً الدخان، ومكتشفه، وزارعه، وعندما عادت لي جذوة حياتي، سألني بطريقة المعلم الحاذق: هل ستدخن ثانية أيها (الزلمة) الصغير؟!.

وربما كانت هزهزة رأسي لجدي تكفي لتردعني عمراً أو عمرين، عن براثن السيجارة وخبثها، لكني ما أن إخضرَّ شاربي وغلظ صوتي، حتى انجرفت إليها مرة أخرى، ضارباً عرض الحائط وعدي لجدي، الا أدخن ثانية!!.

قبل تسع عشرة سنة قررت قراراً بائناً بينونةً كبرى، أن أطلّق هذه العادة (التدخين عادة، وليس حاجة) بعد معاقرة دامت عشرة أعوام، فتوقفت عن التدخين بطريقة (ضربة السيف)!، أي بلا مقدمات والتفافات، ودون تخطيطٍ أو تخفيفٍ أولي من علبتين إلى علبة!، ودون استخدام العلكة والأدوية، ومعاجين الأسنان، لكني أطفأت عادتي بإشعال فتيل إرادتي؛ وإمعاناً بالتحدي أبقيت عنق سيجارة مطلاً من علبته على طاولتي أمام نواظري لأيام عديدة، وكان لي ما أردت!، وإذا كنت سأعتز بشيء فعلته بحياتي يجلب لي فخرا شخصياً، فتركي للسيجارة بهذه الطريقة سيكون هذا الشيء!.

قبل أيام لم يوافق مجلس الأعيان على إدراج الدواوين الشعبية والمضافات ضمن قانون منع التدخين، بإعتبارها أماكن خاصة. ولهذا رد القانون إلى مجلس النواب ليعاد تعريف المكان العام. وهنا يكمن خللنا وقصور فهمنا، فنحن ما زلنا نختلف على المكان العام، في حين كثير من شعوب العام تعتبر البيت مكاناً عاماً، ولا يمارسون التدخين فيه، بل يخرجون للشرفات. ولهذا لن ينجح تطبيق القانون منع التدخين رغم صرامته وأهميته. وسيبقى حبراً على ورق ما لم يجد إرادة سياسية حقيقة، ورغبة شعبية صادقة في تطبيقه.

وهذه مناسبة مواتية أن ننظر إلى فاتورتنا التبغية بعين فاحصة، إلى إين وصلت؟!، وكم نحرق من الملايين؟!. وللنظر إلى أطفال المدارس المدخنين، وإلى الآباء القدوة، الذين لا يتوانون عن التدخين في حضرة أبنائهم، وننظر إلى حجم الأمراض التي تصيبنا، ونسب السرطانات التي تقتلنا. وإلى المدخنين الذين لم يدركوا معنى فرض دخانهم على الآخرين. وهي مناسبة مواتية، أن يكون اليوم فرصةً جديدة لمن أراد أن ينعم بالحياة ومذاقها الحقيقي بلا سجائر. جربوا ضربة السيف!.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش