الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رأي عربي * العالم يستخلص الدروس من مغامرة حرب العراق * د. عبدالهادي بو طالب

تم نشره في الاثنين 19 كانون الثاني / يناير 2004. 02:00 مـساءً
رأي عربي * العالم يستخلص الدروس من مغامرة حرب العراق * د. عبدالهادي بو طالب

 

 
كان مخاض حرب العراق عسيرا، وحرب قوات التحالف عالمية الى حد ما، لكنها انفردت عن الحروب العالمية التاريخية بخصائص مميزة جعلت منها حربا غير عادية، بما حفلت به من مفاجآت وتطورات وتعقيدات لم يحسب لها حسابها، كانت تلك الحرب تطبيقا نموذجيا للحرب الاستباقية الوقائية التي خططت لها »استراتيجية الامن القومي الامريكي« واعلن عنها البيت الابيض يوم 20 ايلول 2002 كان ضمن اهدافها تغيير خريطة منطقة الشرق الاوسط واخضاعها للتبعية الامريكية، وحددت للحرب على العراق مدة اربعة ايام لا تسقط خلالها ضحايا امريكية لتنتهي بانتصار ساحق على شعب العراق على ان تكون الخطوة التالية »او التجربة الثانية« غزو »دولة مارقة« شرق اوسيطة قيل انها ستكون المملكة السعودية او جمهورية ايران اوالجمهورية السورية، او الثلاث معا.
كل ذلك تبخر تبخر الاحلام، اذ جاءت رياح الولايات المتحدة بما لم تشته سفنها: فسواء على صعيد مجلس الامن الذي عجزت وزارة الخارجية الامريكية عن ان تنتزع منه في مداولات مضنية قرارا بشرعية الحرب او على صعيد جمع اكبر عدد من الدول في التحالف الدولي لحرب العراق ولم تلتحق به الا اقلية دولية، وامام ظاهرة الحرب المقاومة العراقية الشرسة التي ارتفع تحت ضرباتها عدد الضحايا الامريكيين او في ظهور معارضة الحرب من اقطاب مجلس الامن، ومن بينهم حلفاء تقليديون للولايات المتحدة كفرنسا والمانيا، في ذلك كله وغيره من التطورات المفاجئة وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة للقيام بمراجعة لسياستها التي منيت بالاحباط واستخلاص دروسها القاسية، بدءا من تجميد العمل بالاستراتيجية الامريكية التي ظهر انها غير واقعية الى اعداد استراتيجية بديلة لا تتحقق بعنف القوة العسكرية التي اظهرت عجزها عن تحقيق اهدافها، ولكن بأسلوب الحوار مع الاخر، وحسن التفاهم، ومد يد المصالحة الى الخصوم وتخليق اسلوب التعامل في التعاطي مع العلاقات الدولية. وهذا هو الدرس الاساسي الذي استخلصه البيت الابيض من قسوة المعاناة التي تحملها منذ مرحلة الاعداد للحرب الى تطورها الحاضر المكتنف بالغموض.
اما الدرس الثاني الذي فرض ضرورة استخلاصه وأخذه بالاعتبار من لدن الولايات المتحدة، فهو ضرورة تراجعها عن محاولة تهميش منظمة الامم المتحدة، وسياسة الاستغناء عن الحلفاء، والتفرد بالشأن الدولي، والتصرف مع العالم كما لو كان اجمع على اسلام رقبته لنفوذها، والاعتقاد بانه يكفي ان يقرر البيت الابيض فلا يبقى للعالم من ادناه الى اقصاه الا الانصياع لقراره.
انعكست حصيلة هذه المراجعة على السلوك الجديد للولايات المتحدة ومواقفها الايجابية من الدول التي كانت صنفتها في الدول المارقة، لقد دخلت هي وحليفتها الاستراتيجية البريطانية في مفاوضات احيطت بالكتمان مع العقيد القذافي، ومارست فيها عليه دبلوماسية الردع بالمثال »العراقي« لحمله على تغيير الذات، ونجحت في ذلك موفرة على نفسها الدخول في حرب غير مجدية مكرسة بذلك مبدأ »انه يؤخذ باللطف ما لا يؤخذ بالعنف«.
وتصالحت من جهة اخرى مع المملكة العربية السعودية، وطوت معها صفحة سوء التفاهم مكتفية منها بمشاركتها في الحرب على الارهاب ومعترفة لها بأنها لا تألو في هذا المجال جهدا.
وعندما نزل بالجمهورية الاسلامية الايرانية زلزال »بم« الفظيع سطت الولايات المتحدة الامريكية على المأساة الروعة، ووفرت لايران اسعافات سخية، نازعة بذلك فتيل التوتر المنذر بالحرب والذي تفاقم واستعصى قبل الزلزال، ومارست مع ايران »دبلوماسية الكوارث« على غرار »دبلوماسية المباريات الرياضية« التي افرزت عودة العلاقات بينها وبين الصين، في عهد الرئيس الامريكي »ريتشارد نيكسون« وذهبت الى ابعد فعرضت على ايران ان تبعث اليها وفدا امريكيا رفيع المستوى للتداول حول »ترطيب الاجواء السياسية« و»رفع الازبال والاشواك« عن طريق التفاوض، لكن ايران فضلت الانتظار متعللة بانها منشغلة في اللحظة الراهنة بـ »رفع الانقاض« عن ضحايا الزلزال ولن تتأخر المفاوضات بين الجانبين طويلا: فإيران استخلصت درسا من حرب العراق يقضي بتجنب الدخول في حرب مع الولايات المتحدة، مثلما تبين للولايات المتحدة ان الحل العسكري، ليس لعبة كما كان سماه الرئيس »بوش« عندما ان يعد لحرب العراق.
بعض الدول العربية التي هددتها الولايات المتحدة بالتدخل في منطقة الشرق الاوسط لفرض ادخال صلاحات على نظمها، عارضت في البداية تدخل الولايات المتحدة في شؤونها الداخلية، لكنها استخلصت من حرب العراق درسا فرض عليها المبادرة الى تحقيق الاصلاح استجابة لرغبة الولايات المتحدة بما يحفظ ماء الوجه، وورشات العمل تعقد اليوم في بعض هذه الدول لتسريع حركة الاصلاح »التلقائي«.
كوريا الشمالية هي ايضا لينت موقفها المتصلب من الولايات المتحدة بعد حرب العراق وقبلت التفاوض بدون شروط مسبقة للوصول الى تسوية مشرفة بخصوص ترسانتها النووية،وسمحت لوفد امريكي بالقدوم اليها للاطلاع على منشآتها النووية، كذلك عرفت علاقات الولايات المتحدة مع بعض دول الاتحاد الاوروبي انفراجا ملحوظا كان وراءه استخلاص الطرفين دروسا من حرب العراق، اذ يبدو ان الاتحاد الاوروبي يتدرج ليسلم زمام قيادة العالم للولايات المتحدة لا عن طريق التبعية كما كانت تريد الولايات المتحدة ولكن عن طريق الشراكة والاحترام المتبادل، ايمانا من الجانبين بانهما مفروض عليهما التساكن والتعايش السلمي، واكتفت الولايات المتحدة بالالتقاء مع الاتحاد الاوروبي على هذا الجامع المشترك الذي يحفظ لكل طرف مصالحه، ولا يقذف بهما في اتون حرب باردة قد تتحول الى حرب ساخنة تعصف بمصالح الطرفين.
ينطبق على موقف كوريا الشمالية الموقف السوري الذي يتميز بالتعاون مع الولايات المتحدة في محاربة الارهاب، واغلاق الحدود في وجه النازحين العراقيين الى سوريا، وربط علاقات تعاون مع مجلس الحكم الانتقالي العراقي، وتوالي صدور التصريحات عن كبار المسؤولين السوريين بدعوة الولايات المتحدة الى فتح باب مفاوضات معها، وصفها هؤلاء المسؤولون بأنها لن تكون عقيمة، لانه لا توجد لسوريا مع الولايات المتحدة مشكلات مستعصية على الحل، وقد حضر الى دمشق الاسبوع الماضي عضو مجلس الشيوخ السيناتور »بيل نيلسون« واستقبله الرئيس السوري وتدارسا ملف اقامة علاقات جديدة بين البلدين.
يمكن القول ان الدرس الاعظم الذي استخلصته الولايات المتحدة من حرب العراق هو عجزها عن فرض هيمنتها الاحادية على العالم بالقوة العسكرية والغزو والاحتلال، واقتناعها بان وسيلة الحرب لا تمكنها من بسط سيادتها عليه.
ان حروب مطاردة الارهاب عبر العالم، والعجز عن تحقيق الانتصار عليه، وحرب افغانستان وحرب العراق لم تنته بعد، ولا ينتظر لها نهاية في المدى المنظور، وتجاربها لا تساعد على مواصلة هذه المغامرات في نقطة ساخنة اخرى، لذا يبدو ان الولايات المتحدة استبعدت على الاقل خلال السنة الجارية »سنة الانتخابات الرئاسية« ان تتورط مرة اخرى في حرب جديدة قد تضاف الى مسلسل الحروب التي لا تنتهي، اما المجتمع الدولي، فالدرس الذي استخلصه من مغامرات الولايات التحدة العسكرية هو السماح لها بامساك زمام قيادة العالم طوعا وبالشراكة، ورفض سيادتها عليه كرها وبالحديد والنار، وهذا يكفي الرئيس »بوش« لخوض غمار الانتخابات المقبلة بالتركيز على انه لم يخسر الحروب التي خاضها، وان لم ينتصر الانتصار الحاسم كما توقع، وعلى انها عادت على الولايات المتحدة بنتائج ملموسة تتمظهر في قبول العالم مبدئيا بقيادتها.
ستعرف سنة 2004 لا محالة انفراجا في العلاقات الدولية، وبكل تأكيد لن تنشب فيها حرب رابعة، كما كنت كتبت وستنصب جهود الولايات المتحدة على ابتلاع وهضم الحروب التي خاضتها وتقديمها على انها كانت حروبا ناجحة.
جبهة واحدة تشكل الشذوذ عن هذه القاعدة، وتظل موضوع تساؤل، هي جبهة حرب شارون على فلسطين، ترى هل يستخلص شارون الدرس بدوره، ويتأكد انه لا يمكن ان ينجح فيما عجزت عن تحقيقه الولايات المتحدة الامريكية في محاولتها لبسط هيمنتها على العالم بالقوة العسكرية؟ هذا هو السؤال.
يبدو ان شارون ليس من طينة القادة الذين يستخلصون الدروس من الاحداث، ويستفيدون من عبرها، فالرجل ليست له رؤية سياسية، وقد نشأ وشب وشاب على نزوعاته الحربية ومبادئة العنصرية. ولن يتحول عما تعود عليه، و»لكل امرىء من دهره ما تعودا« كما يقول المتنبي، لكن »اسرائيل« ما بعد شارون ستستخلص حتما ولزوما الدروس التي تفرضها مغامرة حرب العراق.

»الخليج«
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش