الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سيّد زيّان

كامل النصيرات

الاثنين 18 نيسان / أبريل 2016.
عدد المقالات: 892

كنّا في مخيّم البقعة ؛ في غرفتنا الطوب (اللفّ) و المسقوفة زينكو ..تجمّعنا حول الملوخيّة غداءً (أبي و أمّي وكلّ أخوتي) ..لم يكن عمري تجاوز الثانية أو الثالثة عشر سنة ..كان تلفزيوننا (14 بوصة/ ميتسوبيشي) أبيض و أسود ..ومع الملوخيّة العائلية كان التلفزيون الأردني يبثّ مسرحيّة (الفهلوي) ولأوّل مرّة اعرف الفنان سيد زيان ..والمشهد الذي ما زال راسخاً بذاكرتي لأنه أضحكني بشدّة وتسبب لي (برشوطة ) مدمّرة على ملابسي و كل جسمي من الملوخيّة هو عندما كان يؤدي دور الأمّ المريضة (أم خميس) واللازمة في ذلك المشهد (إنتِ زعلتي؟؟) بأداء سيد زيان المميز في طريقة لفظ الحروف في المطمطة و المدّ..!!

من لحظتها الطفوليّة ..بدأت علاقتي بسيد زيّان ..بهرني أداءً و نقداً و سخريةً ..أضحكني (آلاف) المرّات و أبكاني (آلافاً) أخرى ..طاردتُ أخباره ..تتبعتُ أعماله ..شحدتُ لأجله (أجهزة فيديو) عشرات المرات ..ما كنتُ أترك محل تأجير أشرطة فيديو أراه أمامي إلا وأدخله و أسأله :شو عندك مسرحيات لسيّد زيان ..؟ حضرتُ مسرحياته بلا تقطيع ولا منتجة و أحفظ المقاطع الممنوعة و التي اختفت الآن من كل النسخ الحديثة ..كان بالنسبة لي : سيّد المسرح بلا منازع ..تعجبني وقفته على المسرح ..تعجبني دخلته ..يعجبني خروجه عن النص ..وأكثر ما كان يعجبني هو طريقته في النقد و التي أعترف بأن بداية مسيرتي الساخرة كنتُ أستحضرها كثيراً وأستحضر معها طريقة أدائه فأحوّلها إلى كلمات على الورق ..!

ومنذ عصر اليوتيوب إلى الآن ..لا يكاد يمرّ شهر دون أن أشاهد له شيئاً ..وغالبية المرات في السنوات الأخيرة افتح على مسرحياته لا لأضحك فقط..بل لأتذكّر ما كان يحدث معي حين كنتُ أحضر أي شيء له لأوّل مرّة ..كنتُ أستعيد باستعادته شيئاً من ذاكرتي ..!!

رحل سيّد زيان قبل أيّام ..فناناً ملتزماً ازداد خوفه من الله في سنواته الأخيرة وقبل مرضه الكبير بنى لنفسه قبراً كان يدخل فيه كل حين وحينٍ ويغلقه على نفسه ليعيش إحساس الموت ..وحفظ بعدها القرآن كاملاً..!

قد لا يعني لكم (سيّد زيان) قيمةً كما عنى لي ..وقد لا يكون بنظركم (سيّد) المسرح ..وقد لا يشكّل عندكم ما شكّل لديّ..وقد وقد ..لكنّني وفيٌّ لذاكرتي ولأشيائي التي كانت تشكّل فيّ نضوجي ..وما زلتُ للآن كلّما أكلتُ ملوخيّة تذكرتُ سيد زيّان و ابتسم و آكل دون تفسير لسرّ ابتسامتي ..!

رحم الله سيّد زيّان ..فإن رحل عنكم فإنه باقٍ معي..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش