الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فطاير: الوصول لمجتمع خال من الجريمة والعنف والتطرف يتطلب يقظة وشراكة بين كل الجهات

تم نشره في الثلاثاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2016. 11:46 مـساءً
عمان- الدستور- اجرت الحوار : نيفين عبد الهادي
الوصول لمساحة صدق مع الذات والمحيط من حولنا ، والظروف مهما كانت قاسية أو مريحة، وتشكيل خط دفاع نفسي ذاتي، مسألة لم تعد في هذه المرحلة سهلة، بل باتت تقود كثيرين للسلوكيات التي تميل للخطورة، لتكبر دائرة الخطأ والخطر، نظرا لغياب ثقافة ووعي الحماية من ضغوطات الحياة وتحدياتها.
اليوم، لم يعد التعامل مع ظروف الحياة كما كان قبل سنوات، فهناك اضطرابات أمنية وسياسية تحيط بوطننا، وظروف اقتصادية صعبة عند غالبية المواطنين، وفقر ثقافي لحد كبير، وسيطرة أشكال التطور التكنولوجي المختلفة على تفاصيل الحياة .. كل ذلك يضعنا أمام سؤال في مدى انتشار الأمراض النفسية، أو الاضطرابات النفسية، ونسبتها، ومدى تأثير هذه الاضطرابات على انتشار السلوكيات السلبية كالإدمان بأشكاله وأنواعه المختلفة سواء كانت على المخدرات، أو الكحول، أو على سلوك معين عالانترنت أو بعض أنواع الموسيقى أو غير ذلك من أنواع الإدمان والتي هي بالمحصلة مهما تعددت مسألة خطيرة.
ووسط هذه الاضطرابات أيضا يبرز للسطح قضية هامة في مدى تأثيرها على انتشار العنف، والتطرف، وحتى الإرهاب، الذي بات في مجمله يدخل في طيات وصفات وكتب الطب النفسي، التي تحتاج بالغالب لعلاج ومتابعة، إذا ما تجاوزنا ثقافة العيب في الوصول لعيادة الطبيب النفسي، في ظل اعتراف أطباء علم النفس أن هذا الأمر ما يزال غير مقبول اجتماعيا وأن المرأة أكثر جرأة من الرجل في مراجعة الطبيب النفسي.
البروفيسور الدكتور جواد فطاير، خبير التنمية البشرية والعلاج النفسي، والحاصل على البورد الأمريكي لعلاج الإدمان، يشرح واقع ما نعيش من وضع نفسي بقالب واحد، يعود بمجمله لحالة من عدم الاستقرار تستدعي اللجوء لطبيب نفسي خروجا من أي ضغوطات نمر بها أيا كان نوعها، مع التركيز على عدم اغفال ما نمر به من سلبيات مجتمعية بل على العكس ضرورة الحديث عنها بوضوح منعا لتضخمها، إلى جانب أهمية التركيز على الخطاب الاعلامي الذي يقدم خلال المرحلة جاعله في مقدمة أدوات التأثير على المجتمع، وأن رسالته باتت تسبق الأسرة والمدرسة.
الدكتور فطاير، وفي حوار خاص مع «الدستور» كشف تفاصيل هامة عن واقع الإدمان في المجتمع المحلي، منبها لأنواع لا يعيرها أحد أهمية، وهي مسألة خطيرة، إذ يجب التنبه لها وإيلاؤها أهمية وعناية كبرى، سيما وأنها تستهدف فئة الشباب، سواء كانت تلك المتعلقة بالمخدرات، أو ما يفوقها خطورة الجوكر، وكذلك الإدمان على سلوكيات كسماع نوع محدد من الموسيقى معدّه لغايات الإدمان، والإدمان على الانترنت، وغيرها من أشكال الإدمان التي باتت تتطلب حوارا وطنيا بين الجهات الرسمية والخاصة وأثرها على السلامة الاجتماعية.
واعتبر فطاير أن الوصول لمجتمع آمن من الجريمة والعنف والتطرف وحتى الإرهاب، أيضا يتطلب يقظة من نوع خاص، تستدعي شراكة بين الجهات كافة بما فيها الإعلام لتشكيل وعي سليم، ومجتمع خال من أشكال الخطأ السلوكي الناتج عن أمراض أو سلوكيات نفسية خاطئة.
وأكد على وجود مكملات للعلاج النفسي، من أبرزها اللجوء للصلاة وقراءة القرآن، والتوجه للكنسية، وتغيير نمط الحياة، بالأكل، فهناك مشروبات ونوعيات أطعمة تؤدي لسلبيات نفسية والمأكولات الدسمة أيضا تضر بالنفسية، مقدما نصائح بمكملات العلاج النفسي من طعام وشراب وممارسة الرياضة، وسماع الموسيقى، والتواصل الاجتماعي وتحقيق قيمة للشخص والتفاعل الاجتماعي يساوي الأوكسجين للجسم.
معلومات هامة، تناولها الدكتور فطاير في حديثه مع «الدستور» حول الأمراض النفسية، وسبل الوقاية منها، والعلاج، والفرق بين أدوية العلاج النفسي والمخدرات، وثقافة اللجوء للطبيب النفسي، ونصائح هامة للأهل لوقاية أبنائهم من الإدمان بكل أشكاله، أو اكتشاف المدمن منهم، والخطاب الإعلامي المطلوب خلال الفترة الحساسة التي نمر بها تجنبا لأن يكون احدى أدوات الهدم المجتمعي، وتفاصيل أخرى نقرأ تفاصيلها في الحوار التالي نصه:

لا يوجد مسمى مرضى نفسيين

الدستور: بداية، هل يمكن استخدام وصف مرضى نفسيين، أم هناك مسمى علمي آخر لهم ؟.

ــ لا يمكن تصنيفهم مرضى، إنما هم أشخاص يعانون من اشكاليات نفسية، وهذا أفضل، لأنهم غير مصنفين مرضى، وجميعنا معرضون لهذا الأمر نتيجة لضغوطات مختلفة، سواء كان من العمل أو المنزل، أو حتى السلوكيات في المجتمع.

الدستور: تتعاملون مع الإشكاليات النفسية بطريقة مختلفة، وتحديدا تلك التي تظهر في سلوكنا، تأملنا في الحياة، أو حتى حالات الاكتئاب؟.

ـ كل هذه ضغوطات بالفعل تقود للجوء للطبيب النفسي، حيث يلجأ لنا الأشخاص نتيجة للتعرض لها، أو لطول مدة ما يعانون منه، أو لتناولهم أدوية نفسية لمدة زمنية طويلة دون الوصول لنتيجة.
ما يميز عملنا عندما بدأنا ندرس، حتما تتلمذنا على نظريات فرويد، لكن في اميركا حيث درست الماجستير والدكتوراة، وجدت ان النماذج مفتوحة ومتعددة أكثر، حيث يربط التشخيص والرؤية للمشكلة بواقعها الاجتماعي وليس انها شيء عضوي أو مستقل، وهذا بطبيعة الحال خطوة هامة، فهناك من يعيش طفولته لفترات طويلة وانا كمعالج نفسي اصر على ارجاعه لطفولته فانا اثبته هناك عندها تتفاقم المشكلة، لذا فقد تجاوزنا فرويد، واصبحنا نربط رؤية الشخص بواقعه الاجتماعي لنفسه ، شخصيته لأحلامه التي يمكن أن تكون خيالية بالتالي يمكن أن تكون متعبة، لعلاقاته مع الآخرين وادارته لها، والبيئة الاجتماعية له، ومن ثم ننتقل لجانب آخر من حياته المتعلق بالعمل والانجاز ونرى كيف يمكن أن يدير الجانبين وأين مصدر المعاناة الأساسية.
وبالغالب تكون الصورة العامة للإضطرابات، اكتئاب، حيث يأتي بقرارات أنه لا يريد الحديث مع أحد، لا يريد الذهاب للعمل، لا يريد اكمال علاقة معينة، لا يريد الزواج أو حتى الطلاق، كل هذه الأمور تؤثر على حالة الشخص النفسية التي تكون في بعض الأحيان خطيرة جدا لأنه يصل لمرحلة لا يملك قدرة التحمل.

الدستور: هل يمكن القول أن من لديهم مشاكل نفسية يقودهم ذلك لإيذاء النفس والحاق الضرر بها ؟.

ــ بالطبع، حالة اليأس التي يصلها الإنسان، حيث يستسلم العقل ويصف حلولا للمشاكل والمعاناة التي يعانيها الشخص، فحالة اليأس ليست حالة جسدية، فالجسد مرهون بالحالة النفسية، فهناك الكثيرون يعانون من أمراض خطيرة، في حال كانت حالته النفسية سيئة يقود ذلك لتدهور حالته الصحية بشكل عام كمرضى السرطان على سبيل المثال، لحالته النفسية أثر كبير جدا على تقبله للعلاج وتجاوزه المرض من عدمه.

الدستور: ما مدى تأثير أحداث المرحلة على زيادة نسبة الأمراض أو الاضطرابات النفسية؟.

ــ بشكل كبير جدا، وحالتنا النفسية مشبكة بالأوضاع العامة الإقتصادية والسياسية، خاصة السنوات الأخيرة، حتما جميعنا مضطربين، وإن لم نكن كذلك فنحن لا نحس أو أننا مفصومين، وهذا أمر ليس منطقيا، فما نراه على شاشات التلفزيون، والأحداث التي نراها كل ذلك خلق جوا نفسيا مسمما لدرجة ان لم ننتبه لها ستخلق مشاكل خطيرة، تحديدا عند الأطفال، و ما يشاهدوه من أحداث دامية، وهذا الأمر كنت قد حذرت منه في وقت سابق ويجب التعامل مع الأمر بمسؤولية أكثر وعدم المرور عليها مرور الكرام.
كل ما يشاهده الأطفال يعتبر وقفة تؤثر على كل كيانه النفسي، ومشاكله النفسية، بالتالي على الإعلام والأسرة، والمدرسة، وكل المؤسسات المعنية عندما تقدم هذه الأحداث يجب أن توضع على طاولة الحوار وتناقش، لأنها ليست أمورا عابرة، فكما الجسم يتنفس الأوكسجين، نفسيتنا تتنفس العلاقات والأحداث اللي في واقعنا الاجتماعي، فلا خيار لأنه لا يوجد أحد يمكنه العيش بمعزل عن كل ما يدور من حوله، فالانسان الطبيعي على تواصل دائم مع واقعه يتأثر ويؤثر به.

الدستور: لنتوقف عند وضع الأطفال في واقع حالنا اليوم، هل هناك أطفال يعانون من اضطرابات أو مشاكل نفسية؟ وكيف يتم التعامل معهم؟.

ــ نعم ، هناك أطفال يعانون من أمراض نفسية، والغالبية منهم لا يعبرون عما يجول بنفوسهم خوفا أو عجزا عن التعبير، وللأسف تكون النتيجة تخزين هذه السموم العاطفية والسلوكية وتجارب مؤلمة تسير معهم فتكبر.. وتجاوز هذه الاشكاليات مع الأطفال يحتاج لتوفير مناخ ايجابي ، بيئة ايجابية حاضنة ، نسمع لهم بكل هدوء ولا نسكتهم، أو نخيفهم أو حتى نهددهم وهذا يحتاج الى وعي الآباء والمدرسة أيضا.

الدستور: يقودنا حديثكم بهذا السياق، للإشارة لما يتم تداوله اليوم من ايجاد سبل تعليم ايجابية، تخلق شخصية مختلفة قوية متعلمة تجيد التواصل، كيف يمكن تحقيق ذلك من رؤية الطب النفسي؟.

ــ بالفعل وهذه مسألة غاية في الأهمية، سيما ونحن نتحدث عن دور المدرسة في التعامل مع الأطفال، وحمايتهم من أي مشاكل أو اضطرابات نفسية، وهنا يجب التأكيد أن التعليم اليوم يتم من غير حالة نفسية، ولا بد من التأكيد على ضرورة الاعتناء بالكيان النفسي، فالطالب ليس «سي دي» يتم سكب المعلومات به فقط.
نحن بحاجة لإعادة النظر في فلسفتنا للتعليم والتعلّم وماذا نفعل بأطفالنا ومستقبلنا، فالتعليم بجودته وطريقته وماذا ننشئ فقط أشخاص تدرس وتحفظ وتلقّن لتفريغ ذلك بالامتحان، أم أننا ننشئ جيلا يفكّر ويناقش ، حتما إذا ما تمكنا من تحقيق هذه المعادلة سيكون وضع التعليم جيدا ومميزا.

الدستور: كيف يمكن للإعلام مع أحداث المرحلة والاضطرابات الأمنية والسياسية دون أن يكون سببا بإحداث اضطرابات نفسية؟.

ــ الاعلام المطلوب هو الذي له صلة وتعامل مع الواقع وبنفس الوقت يملك خطة لكيفية التعامل مع الإشكاليات الموجودة مع هذا الواقع، فالاعلام ليس فقط ايصال معلومة، إنما أيضا المساهمة بحث الجمهور على التفكير الايجابي الذي يقود للتغير الأفضل وايجابية في الانخراط مع الجمهور.
عندما تحدث مشاكل بطبيعة الحال على الإعلام نقلها، أيا كانت، لكن بالمقابل عليه أن يوضح وجهات نظر الجمهور بشأنها، وتلتقي السلطة مع الإعلام مع الجمهور والحوار على أمور هامة والتي تستحق البحث بايجابية وفتح المجال لكافة الأطراف والآراء.
نحن اليوم في عصر ثورة إعلام، بالتالي يجب أن نعي مدى تأثيرها، وبالمقابل يجب أن نعي ضرورة توجيهها للمصلحة العامة، بخلق وعي أفضل من الموجود، وعند حدوث اشكاليات معينة، نخلق حولها حوارا وتفاعلا حتى لا تؤثر ونحن لا ندرك ما نمر به، أو ننكر ونتغاضى عما يحدث من اشكاليات ولا نحسب أن هذا يخزن سموما وكبتا ستظهر سلبياته مستقبلا.
للاعلام دور كبير أيضا في خلق روح التسامح والمحبة، والخروج من التفكير النمطي من خلال التغيير والفلسفة في رؤية الأمور، للإعلام دور كبير جدا به، فالإعلام من أكثر أدوات صناعة الإنسان في عصرنا الحالي، وينافس الإعلام اليوم البيت والمدرسة في التأثير، بالتالي يجب أن يراعي الدقة في توصيف الحالات والاعتراف بالمشكلة.

الدستور: هل هناك أثر لوسائل التواصل الاجتماعي على نشر الاضطرابات الاجتماعية والنفسية؟.

ــ بالطبع، لأكثر من سبب أولها أنها باتت تساهم بنشر أخبار غير دقيقة وصور الإعلام لا يقدم على نشرها بالمطلق، لالتزامه بمعايير مهنية، لكنها لا ترعى ذلك سعيا للشهرة، كما أنها تعمل على منافسة وسائل الإعلام بسلبية وسلوكيات غير محمودة بعيدة عن الدقة، على الرغم من أثرها الكبير على الشباب.
وهذا الأمر يجب أن يتابع من الأسرة والمدرسة، حتى لا يلجأ أطفالنا لأمور سلبية، وقد يكونوا ضحية نتيجة لغياب الأم والأب والمدرسة لا علاقة لها، والاعلام لا ينبه، حتما ستتكون الضحايا ويكثر عددها وهذا للأسف يحدث نتيجة لخلط الأمور بين الايجابيات والسلبيات على وسائل التواصل الاجتماعي الأمر الذي يتطلب متابعة جادة.

الدستور: بعد الحديث عن كل هذه المخاطر، نصل لنقطة غاية في الأهمية وأهميتها تكمن بخطورتها، وهي الإدمان، الذي هو أحد نتائج اضطرابات ومشاكل نفسية أو اجتماعية، نود معرفة أنواع الإدمان وهل هي مشكلة عابرة؟.

ــ نعم ، هناك مشكلة نعاني منها في الإدمان، وموقعنا الجغرافي يجعلنا على تواصل مع كل الجيران متقبلين للجميع وأبوابنا مفتوحة، متقبلين للآخر، لدينا مسؤوليات، بالتالي معرضين لانتشاره.. والإدمان يأتي بأن يعرض على الشخص أي حبة تحت مسميات مختلفة «حبة سعادة، نوم، راحة....).
وأكثر أنواع الإدمان انتشارا هو ادمان الخمر وشربه بطريقة غير سليمة بما يؤثر على حالته الاجتماعية، وعلى أدائه وصحته، يليه المخدرات ، الحشيش والجوكر الذي بات ينتشر بطريقة مقلقة وخطيرة.

الدستور: لماذا الجوكر الآن، وهل يشكل خطرا حقيقيا؟.

ــ هو رخيص وسريع وقوي جدا ومدمر، وهو أسوأ من كل أنواع المخدرات التي عرفناها كونه خليطا منها جميعا، اضافة لمواد كيماوية و يسبب نوعا من الجنون عند الشخص بحيث ينفصم عن الواقع ويخلق لديه نزعات عنيفة وتغيرات بشخصيته، ولعل الخطير في الأمر أنه متوفر ورخيص جدا بالسوق.

الدستور: ما هي رسالتك للأهل في مثل هذه الحالات لغايات الوقاية ؟.

ــ رسالتي تتلخص بالتقرب من الأبناء والتواصل الايجابي معهم ، وعدم التعامل مع الأمور على أنها مسلمات، بأن الشاب في المنزل وبغرفته، بل يجب متابعتهم حتى في هذه الأحوال، خوفا من أنواع ادمان متعددة ، كالادمان على موسيقى ادمانية، وهو نوع خطير مركب على أساس اعطاء موجات صوتية تخلق حالة تأثير على الدماغ ادمانية، حتى أن نشرات ترافق هذه الموسيقى تحذّر من سماعها أثناء القيادة دلالة على أنها تؤثر على التفكير.
هذه المواد ، التعلق بها يؤثر على سامعها، وسحبها يؤدي لأعراض انسحابية سلبية، بالتالي يجب التنبه لأبنائنا ليس فقط من أنواع ادمان نعرفها، كالادمان على الموسيقى أو الانترنت، أو مواقع ادمانية، وهو ادمان صامت لكنه خطير جدا، قربنا وتفاعلنا والبيئة التي نوجدها لأبنائنا كلها تدفع باتجاه حمايتهم من مخاطر الإدمان.
يجب التعامل مع هذه الحالات بدون عنف، فالحل أن يكون قريبا من أبنائه، أن يكون عالمنا واحدا، وأن تكون مشاركة ثرية بين الأهل والأبناء هو خط الدفاع الحقيقي للحماية من ظروف المرحلة وأي تبعات سلبية لها وفي مقدمتها الادمان بطبيعة الحال.

الدستور: ما هو الفرق بين أنواع الأدوية التي يتم تعاطيها للعلاجات النفسية وبين تلك التي تستخدم لغايات الراحة، والتي تؤدي بالنتيجة لشكل من أشكال الإدمان؟.

ــ مسألة هامة، بالطبع هناك فرق بين الدواء العلاجي والآخر الخطر، لكن العلاجي هو الذي يكتبه الطبيب النفسي ويصفه ويحضره المريض من الصيدلية من خلال وصفة طبية، لفترة معينة وتحت اشراف الطبيب ، لأنه بمجرد رؤية الطبيب أي انحرافات بسلوك الشخص فورا يغير أو يبدل أو يلغي الدواء، فاشراف الطبيب يضع حدا لجعل الدواء خطيرا.

الدستور: بتنا نشهد زيادة ملحوظة بالعنف، ولعل ذلك متوقع نتيجة للأحداث التي تمر بها المنطقة، هل هناك علميا ربط بين العنف والأحداث المضطربة؟ وكيف يمكن تجاوز ذلك؟.

ــ هذا الأمر خطير جدا، وهذه حرب صامتة موجودة بالمجتمع الحديث للأسف، موجودة بكل دول العالم بلا استثناء، السنوات الأخيرة والأحداث خلقت جوا ونمطا من التفكير يرى العنف ويتقبله وينظر له كوسيلة للوصول لهدف معين، عنف مرضي لا تقبله كتب سماوية ولا أخلاق، لكنه خلق جيلا لا يملك الحساسية من الأحداث .
الأحداث خلقت أجيالا تتقبل العنف، بالتالي نسبته تزيد ، والحروب عندما تبقى مستمرة حتما تخلق الكثير من العنف، وتوجد شخصيات سلبية، فكل ما يحدث يكون الجزء العميق وغير الانساني في داخل الأجيال، نحن نعيش بمسرح خطير به الكثير من التوتر وهو جو مسموم له تأثير على أطفالنا.
الانسان لا يولد متطرفا ولكن نتيجة التغيرات الاجتماعية وبحكم أن بلادنا معمل للتجارب بكل أنواعها ندفع ثمن ذلك حيث نشأت شخصيات مختلفة، قادتها الظروف للتطرف والعنف بسلبيات خطيرة، علينا الاعتراف بضرورة التنبه لها والوقاية من تبعاتها.

الدستور: سبل العلاج من الإدمان أو الاضطرابات النفسية، هل تشهد تحديثا، هل ما زلتم تلجأون للأساليب التقليدية، سيما وأن الظروف تغيرت وحتما الأساليب التقليدية لم تعد مجدية؟.

ــ مطلقا، لم نعد نستخدم أي من أشكال العلاج القديم التقليدي، وما نتبعه اليوم يعتمد على البرنامج المعرفي العاطفي السلوكي، فنحن لا نعالج جسم، كحال الطبيب العادي، فلا بد أن أسمع من المريض وتفكيره وسلوكه، ومدى تأثيرها على نفسيته وسلوكه، ونقوم باعادة برمجة في التفكير بعقل الانسان، بطرق ايجابية، وما يقود التغيير هو الشخص نفسه، لأنه آمن أن يرى الأمور بطريقة مختلفة.
وهذه الأمور تختلف بين الأعمار، وبطبيعة الحال الجانب الجندري بين الذكر والانثى أيضا تختلف الأمور، وهناك أيضا العلاج الذي يعتمد على دمج نقاط الضعف والقوة بالشخص وصدمهما ببعض للخروج بعلاج سليم وشخصية سليمة.
حتى احضار نظريات علاج أجنبية وتطبيقها محليا هي خطوة فاشلة، ذلك أن لكل مجتمع وشعب خصوصيته، واخراجها من سياقها الطبيعي ستكون النتائج مدمرة ، فإذا خرجت من سياقها الطبيعي لن تعطي أي نتائج ايجابية مطلقا.

الدستور: هل ما زلنا نرى في مجتمعنا المحلي، أن اللجوء للطبيب النفسي عيب؟.

ــ ثقافة زيارة الطبيب النفسي في تحسن، وعلينا أن ندرك أننا جميعا معرضون لأزمات نفسية سلوكية، وليس عيبا اللجوء للطبيب النفسي، ونحن الآن نأخذ طابع «المدرب النفسي» وليس طبيبا، لمجرد الجلوس مع المريض جلستين أو تؤدي لسلامة الشخص وعودته لحياته الطبيعية، فالمسألة عادية وطبيعية.
والإناث أشجع واكثر جرأة من الرجل في زيارة الطبيب النفسي، ليس لكونهن أضعف ولكن لشجاعة أكثر، ويمكن القول أن (70%) من المراجعين لعيادتي من الاناث.

الدستور: هل هناك مكملات للعلاج النفسي، كالرياضة على سبيل المثال؟.

ـ هناك مكملات للعلاج النفسي، وأنا أدعو دوما للتغير في نمط الحياة، بالأكل، فهناك مشروبات ونوعيات أطعمة تؤدي للتوتر و لسلبيات نفسية مثل كثرة شرب القهوة، والمأكولات الدسمة أيضا تضر بالنفسية، وعليه فأنا أنصح دوما بمكملات العلاج النفسي من طعام وشراب وممارسة الرياضة، وسماع وقراءة القرآن الكريم، الصلاة، وزيارة الكنيسة، وحتى سماع الموسيقى، والأهم التواصل الإجتماعي وتحقيق قيمة للشخص والتفاعل الاجتماعي يساوي الأوكسجين للجسم.

الدستور: هل هناك فرق بالعلاج بين الذكر والأنثى؟.

ــ نعم هناك فرق، وهناك اختلاف حتى بين الأشقاء رغم أنهم نشأوا في أسرة واحدة، لكن كون الشخص ذكرا أو أنثى هناك خصوصية يجب أن تؤخذ بالاعتبار، وللأسف تأخر الرجل باللجوء للطبيب النفسي بالغالب يعقد من وضعه، ويؤخر من حالته وعلاجه.

الدستور: هل ترى ان عليكم كأطباء نفسيين مسؤولية حيال ما يشهده المجتمع من اضطرابات اجتماعية ونفسية، وما هي الكلمة التي تطلقها بهذا الشأن؟.

ــ بداية يجب التأكيد أن اللجوء للطبيب النفسي لا يعيب أي شخص، إنما هو ضرورة صحية وقد يكون منقذا لكثير من الآلام والمشاكل والمعاناة النفسية، كون ذلك ليس شيئا بسيطا، بل يقود لأن تسود رؤيتنا للحياة ويختل توازننا، فعلينا أن ندرك جيدا أن رؤيتنا لواقع الحال مرهونة بحالتنا النفسية، فالمرض الجسدي يظهر بأعراض محتلفة، إنما الأزمة النفسية تحتاج لدراسة ووقوف طبي عليها ونحتاج لمتخصص.
وما من شك أننا كأطباء نفسيين علينا مسؤولية لمواجهة ما يحدث من خلل نفسي بالمجتمع، وكذلك دارسي علم النفس والاجتماعي، ذلك أن دورهم بسيط جدا لضرورة الوجود بفاعلية، فلا بد أن تكون هناك صلة بين هذه الجهات كافة للخروج بواقع ايجابي، وقيمة العلم باستخدامه.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش