الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حيدر محمود. البساطة ودهشة الشعر

تم نشره في الجمعة 22 نيسان / أبريل 2016. 08:00 صباحاً

د. زياد الزعبي *



حيدر محمود شاعر أطلق ويطلق لروحه العنان لتضرب في آفاق اللغة والخيال والموسيقى والفكر حرّة متمردة جامحة، شاعر ظلّ وفياً لروح الطفولة والشعر، وظلّ وفيّاً للغته وناسه ووطنه، وحافظ بصورة مدهشة على رؤاه وأغانيه الغاضبة الرقيقة التي يرش بها رماد الصمت، فيتوهج في ثناياه جمر الوعي المخبوء. حيدر محمود شاعر يكتب شعراً جذاباً جميلاً، يمتاز بحلاوة اللغة وسلاستها، وبالإيقاعات الموسيقية الأخاذة، وبالرؤى الجامحة المعبرة عن غضب الروح ورضاها، وقلقها وسكينتها، وتمردها وانتمائها، وفرحها وحزنها، وعن الطفل الذي ما زال يسكن فيه، الطفل الذي تجتمع فيه البراءة والسكينة، والتمرد والشغب، وإدمان اللعب بالكلمات وإيقاعاتها، والذهاب بعيداً في عالم الخيال وشطحاته. كل هذا جعل منه شاعراً قريباً من الروح الإنساني، قريباً من الناس الذين كتب لهم بلغتهم، وردد في شعره إيقاعات حياتهم وصورها، وعبر عن فرحهم وغضبهم، وغنى معهم بعض أغانيهم الوطنية الجميلة، بعد أن سكبها في بوتقة الإبداع الشعري:



«ولأن الدم لا يصبح ماءً

صار لو الشجر الميت

أحمر

والثرى الطاهر نوّر.

هبت النيران والبارود غنى

فالفضاء الرحب عطر

والثرى الطاهر حنا».

مثل هذه اللغة الشعرية التي تتشكل من مثل شعبي، وأهزوجة شعبية سائرة تشدّ القارئ إليها مرتين: مرّة لأنها تسمعه لغته أو أغنيته، وأخرى لأنه يرى كيف صارت شعراً، وهذا فعل يعمق إدراكه لدلالاتها التي تنبثق على نحو تلقائي من التفاعل الخلاق بين الصوت الجماعي نحن/ الناس، وصوت الشعر أو الشاعر. «الدم لا يصبح ماءً»، «هبت النيران والبارود غنى»، هذه لغة الجمهور أو إذا شئنا لغة العامة المحملة عندهم، من خلال ارتباطها بسياقات ومواقف اجتماعية وثقافية، بمحمولات وجدانية انفعالية مؤثرة، غير خاضعة للجدل، هذه اللغة تعود إلى الجمهور في إطار شعري فعّال يرسخ لديهم الإحساس بعظمة الاتحاد والنخوة التي تبعث الحياة عبر الفداء والشهادة، عبر الدم الذي يحيل الموت حياة، فيصبح الدم الذي كتب به الأردنيون «كرامتهم» نسغ حياة لا يموت.

المقطع السابق من قصيدة بعنوان: «الكتابة بالدم على نهر الأردن» كتبها الشاعر عام 1968 بعد معركة الكرامة التي مثلت نقطة مضيئة في التاريخ العربي بعد هزيمة عام 1967- يمثل بؤرة محورية في شعر حيدر محمود، أعني الموضوعة الشعرية الوطنية التي لازمته في معظم قصائده بدءاً من الديوان الأول «يمر هذا الليل» الصادر عام 1969، حتى آخر دواوينه ،فلقد دارت قصائده على محور أساس هو الوطن.

***

غنى حيدر محمود لعمّان كما لم يفعل شاعر آخر، موّسق اسمها وجعلها أغنية يعشقها الأردنيون:

«أرخت عمّان جدائلها فوق الكتفين

فاهتز المجد وقبلها بين العينين

بارك يا رب  منازلها والأحـبـابــا

وازرع بالورد مداخلها بابا بابا».

وظلّ يردد اسمها في فرحه وحزنه، في رضاه وغضبه، فأصبحت جزءاً من وجوده الروحي. إن هذه الظاهرة «العمانية» في شعر حيدر محمود تعود إلى «كونها» «الحضن»- كما سماها الدكتور محمد حور في عنوان مقالة له عن شعر حيدر محمود- حضن الحبيبة، حيث الدفء، وتجليات الحياة الوطن النقيض للمنفى، المنفى الذي كان وراء اكتشاف معنى مكان الروح- عمان. وقد كانت تجربة الاغتراب في الخليج في نهاية الستينات نقطة انبثاق واستقرار عمان في الروح الشعري الباحث عن الطمأنينة والأمن والحياة. ولعل قصيدة « أغنية شتائية إلى عمان» المكتوبة عام 1969 تمثل صياغة مبكرة لعلاقة حيدر بعمّان الحضن الحبيب من جانب ،وعلاقته بالأمكنة الأخرى التي تجسد المنفى من جانب آخر.

وقصيدة «بحثاً عن القصيدة بحثاً عن عمان» تجسيد لرؤيا حيدر محمود في البحث عن هوية وجدت تجليها في «الشعر» و «المكان»، ولعل القارئ يلمح أن البحث عنهما:  القصيدة وعمان يمثل بحثاً عن الهوية التي تمنح المرء مغزى وجوده، وتمنحه الإحساس بالأمن والطمأنينة، وهذا فعل يفترض غياب هذه العناصر، فالبحث دائماً هو بحث عما يفتقد. ولعل قارئ شعر حيدر محمود يدرك، ربما من خلال الصورة العامة، أن واقعة الاغتراب المكاني، أو بصورة جوهرية الاغتراب الروحي، هو الذي فجر حالة ملحة في البحث عن الهوية التي  تتجسد في ما ننجز «القصيدة»، وفي مكان «يحمي»، وبالتالي فإن القصيدة بعنوانها الذي تتكرر فيه كلمة «بحثاً عن» مرتين متبوعة بالقصيدة وعمان تعبير عن شعور «بالفقد»، وسعي إلى «الامتلاك» في الوقت نفسه. وهو ما يمكن أن يظهره نصّ القصيدة، الذي يوحد بين القصيدة وعمان ، ويبين عن حالة الضياع والتيه التي عاناها قبل أن  تصبحا ماهية الوجود الحق الذي خلصه من أعبائه وتيهه:

«تظلين أنت الوحيدة/ تظلين أغلى قصيدة/لأني كتبت حروفك بالدم/ فكنت الحقيقة/ وكنت ابتداء حياتي الجديدة/ أنا قبل عينيك / كنت شراعا مضاعا/ يجدف في التيه/......./ تحملت يا ما تحملت / حتى أراك/ وألقي بعينيك أعباء عمري/ وحين رأيتك عانقت فجري/ وأصبحت/ أغلى قصائدي/ وأحلف بالجرح / أنك سوف تظلين أغلى قصيدة/ وسوف تظلين أنت الوحيدة».

وفي قصيدة أخرى تحمل عنوان «أغنية شتائية لعمان» تتجلى علاقة الشاعر بعمان في شكل من أشكال العشق الذي يقود إلى التوحد بينهما، وهو توحد ينبثق من حالة الانفصال والإحساس بالفقد الناجم عن الابتعاد أو الإبعاد عن المكان/ الوطن، يقول حيدر:

«لعينيها شربت دمي/ مشيت على رموشي عاريا في البيد/ ملحا كانت الكثبان/ كبريتا وأحزانا/ صرخت أخافني صوتي/ صمت فسال من عيني/ جرح كان يهتف باسم من أهوى/ وكنت أموت/..../ كان البعد منفى لا يطاق/ حملته كرمى لعينيها/ وقلبي عندها/ فالدرب يقذفني إلى حتفي/ وكان اسم من أهوى / حجابا/ يبعد الأشباح/ كان تميمتي في رحلة الخوف...».

هذه لغة تستحضر المكان الذي يمنح الفرد الشعور بالحماية والدفء والفاعلية، وهي العناصر التي يفتقدها المغتربون الذين يعانون  في الغربة  من وطأة الوحدة وافتقاد العلاقة بالآخر الغريب ، إنه استحضار يتضمن كل العناصر الأساسية في الشعر النوستالجي : الضياع في الغربة، والتشبث بالمكان الذي يمثل الهوية، بكل ما يرتبط بهما من عناصر. ولعل المقطع الأخير من القصيدة نفسها يبين عن هذا:

«وكنت أموت لولا اسم من أهوى

فداني مدّ لي أهداب أحرفه

سلالم عودتي للدار

فاختصر المسافات الخرافية

وعدت إليك يا عمان

يا جرحي/ ويا رمحي/ ويا خبزي/ ويا ملحي

فمدي لي يديك ومرغي وجهي

بتربتك السماوية

وردي لي ولو بعض الهوى

فلقد وقفت عليك هواي

وكنت أصيح من منفاي:

أرفض أن نكون اثنين

.....

لا/ لا تقبل التجزيء/ روحانا».

يتبدى في هذا النص كيف ينشئ الشاعر حالة من التماهي بين الذات والمكان، الذات التي لا يمكنها إدراك وجودها الحق إلا في «مكانها»، مكانها الذي يمنحها هويتها ومغزى حياتها. ويظهر هنا أن عمان لا تحضر في صورة مكان الذكريات الطفلية الجملية التي تمثل بؤرة اشتعال الحنين حسب، ولكنها تتجلى في صورة ذات رداء سياسي تجسد مكانا محددا للهوية، ومانحا الذات القدرة على الفعل والحماية ، في مقابل الأمكنة التي يشعر فيها المرء بالعجز والضياع والاجتثاث ، الأمكنة الغريبة التي تجسد حالة « النفي» وما يتعلق بها من التيه والضياع، يقول حيدر مخاطبا عمان:

«أنا قبل عينيك/ كنت شراعا مضاعا/ يجدف في التيه/...

ويبحر عبر الفيافي/ يفتش عنك/ يصارع كل غيلان المنافي».

وفي قصيدة «رسائل شوق إلى عمان» تتكرر صورة المكان – الوطن الذي يبقى يسكننا حيثما رحلنا:

سنتان/ وعمان تاركتي بين موتين: نفي/ وطول انتظار/ وعمان ساكنتي في القرار/.... أمد إليك يدي/ فامنحيني غدي/ وهبيني تماديت في الهجر/ هل بين إلفين مؤتلفين/ إذا التقت العين بالعين/ إلا العناق....».

وكذلك الحال في قصيدة «السيف والهوية» حيث يقول:

«أتمنى اللحظة/ لو تصبح أهدابي جسرا/ يحملني نحوك/ يرميني في شباكك / أغنية/ لو تخطف طائرتي الورقية/ قلبي / لأقدمه في عيدك يا عمان/ هدية / ..../ أتمنى لو ألقاك الآن/ لأصرخ في وجه الليل الأسفلتي/ ووجه الكثبان الرملية/ ناداني النهر الساكن في رئتي/ نادتني لغتي/ والراية / تلك الراية/ والكوفية....

والملاحظ أن النصوص السابقة جميعها كتبت في الغربة، وكان الشاعر يعبر عن حال من التعلق بعمان والحنين إليها، وهي تتضمن بوضوح البعد السياسي للمكان الذي تتعرف به الذات الشاعرة، وتمتلك وجودها الحيوي الفعال الذي تفتقده في الغربة التي يتحول فيها الإنسان إلى مجرد شخص غريب مجهول، وهو ما يمثل في أبسط الحالات الإحساس بالضياع والتيه، ويكفي المرء معاناة أن يكون مجرد شخص مجهول في مكان غريب:

«وبيني وبينك صحراء/ تأكل صوفية العشق/ .../ وتسألني: من تكون/ تحدق في بعينين فارغتين/ وتسألني : من تكون؟/ أنا؟/ يتمطى السؤال/ أنا ؟».

وهذه الظاهرة، ظاهرة الاغتراب المرتبطة بالشعر المعبر عن الحنين إلى المكان الوطن؛ ظاهرة عامة تاريخيا ومكانيا، وهي تنبثق من كون الإنسان كائنا مكانيا، بمعنى أنه يمتلك هويته من خلال امتلاكه «مكانا» يمنحه الهوية، ومعها الشعور بتحقيق الذات في إطار اجتماعي تنتمي إليه وتعرف فيه، وتتعرف به .

وقد ظلت عمان حاضرة محورا أساسا عند حيدر محمود ، وفي شعره، وقد بلغ هذا الحضور أوجه في ديوانه «عمان تبدأ بالعين» الذي يحمل عنوانه دلالة مركبة من خلال كلمة العين التي تحمل دلالة عين الماء ، وهي العين المعروفة في عمان ( راس العين)، والعين عضو الإبصار، ولا شك أن الترابط الدلالي بعناصره المكانية والبصرية يعمق الأبعاد الإيحائية في النص، وتغدو عمان حاضرة في « العين» و»العين»:

«بدأت بالعين/ وها هي ذي عمان/ تعود « لرأس العين/ تسقي ورد الوطن الغالي/ من ماء القلب/ فإن جف؟/ ومن قال يجف/ ستسقيه من «دمع العين».

وفي سياق الظاهرة المكانية تقع القصائد التي تعاين الوطن المغتصب فلسطين، المنزل الأول لحيدر محمود، وهنا يصبح الحديث عن المكان قضية الإنسان المقتلع من أرضه. وقد حضرت هذه القضية بعمق وكثافة في شعر حيدر،فهو يسترجع صورة المكان الأول، مسقط الرأس ومكان الطفولة «حيفا»:

«توقظني الليلة من نومي/ تلبسني كرملها سيفا / وتعيد إلى عيني اللون/ وتمسح عن عيني الحزن/ وتنسيني ثلج المنفى..».

ويكاد يخلص ديوانه «في انتظار تأبط حجرا» للقضية الفلسطينية، التي تحضر أيضا في كل الدواوين الأخرى،  تحضر قضية أرض وشعب وتاريخ وقداسة، تحضر في غير صورة من الصور التي تعبر عن مواقف ورؤى وأحداث فنقرأ قصائد  مثل : رسالة إلى صلاح الدين، و الطريق إلى القدس، و أيوب الفلسطيني، و يا أيها الحجر النبيل، و لامية الحجر، و اعتذار للأقصى، و وحيفا... وهي قصائد مفعمة بحس التمرد والسخرية والمرارة والأمل، قصائد تعاين واقع الأمة وتاريخها وترى إلى مستقبلها في ضوء حالات الانطفاء المتكررة، وبصيص الأمل الذي يلوح أحيانا مؤشرا على الحياة، فنقرأ:

«يا أيها الحجر النبيل، افتح لنا باب الخليل، واكتب على الحيطان، بعد الآن، ما من مستحيل».

وفي نص آخر: «حجر، ويكتمل البناء، وينتهي أيوب من ثلج المنافي، حجر وتطلع شمس أيوب، التي سرقت جدائلها الفيافي».

وفي المقابل يقول حيدر في قصيدة مخاطبا الأقصى:

«لا تصدقنا، إذا قانا: سنأتيك لنفديك، فلن يأتي أحد... لا يغرنك العدد، فهو يا أقصى، غثاء كغثاء السيل، لا وزن ، وهو زبد».  

لقد ظل حيدر محمود في منجزه الشعري مسكونا بالوطن وناسه وأمكنته، وأدمن معاقرة اللغة وموسقتها وهندستها في سبيل التعبير عن رؤاه وهواجسه ورضاه وغضبه، وهو في هذا كله مخلص لوطنه وفنه كما نهر مخلص لمجراه.

* ناقد من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش