الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

»الدستور« تنقل بالكلمة والصورة مأساة مخيم بلاطة * قهر وحرمان وتدمير وقصص انسانية.. والسبب الاحتلال * »الاونروا« اوقفت برنامج الطوارىء فحرمت

تم نشره في الأحد 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2003. 02:00 مـساءً
»الدستور« تنقل بالكلمة والصورة مأساة مخيم بلاطة * قهر وحرمان وتدمير وقصص انسانية.. والسبب الاحتلال * »الاونروا« اوقفت برنامج الطوارىء فحرمت

 

 
القدس المحتلة - الدستور - جمال جمال :شهر رمضان في المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة صعب وقاسٍ عندما يمتزج بالاجتياحات والعدوان والاغتيالات شبه اليومية وخاصة عندما يسوده الخوف والبعد والحرمان جنبات هذه المخيمات المنسية في زمن اختلفت فيه المفاهيم والتقييمات واصبحت المصالح ولغة المال هي السائدة.
وقد حطت »الدستور« في اكبر المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية مخيم »بلاطة« لتنقل صورة من ذلك الليل الموحش وتلك المعاناة المتجذرة.
نعم بلاطة ذلك المخيم الذي وصفه قادة الجيش الإسرائيلي أكثر من مرة بـ »الشوكة« في خاصرة شمال الضفة والحديث عن مخيم بلاطة متشعب ومعقد لكثرة القصص المأساوية وشدة الدمار الذي لحق بهذا المخيم الصامد المرابط على مدخل مدينة نابلس الشرقي.
وما بين عامي 1948 و2003 رواية مأساوية تسرد فصولها الخمسة والخمسون حكايات البؤس والحرمان.. أبطالها شريحة واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني هجّرت قسرا عن أرضها ومدنها وقراها لتسكن في خيام تفتقر الى ابسط مقومات الحياة الإنسانية، قبل ان »تتطور« تلك الخيام الى بيوت سقوفها من الصفيح الذي لا يقي برد الشتاء ولا لهيب الصيف.
وعلى السهل الشرقي لمدينة نابلس وعلى مقربة من بلدة بلاطة البلد يتربع اكبر مخيمات الضفة الغربية على الاطلاق »مخيم بلاطة« الذي هاجرت اليه عام 48 عدة آلاف من اللاجئين لجأوا اليه من نحو 17 مدينة وبلدة فلسطينية، ويزيد عدد سكان المخيم اليوم على 20 الف نسمة يعيشون على قطعة ارض لا تزيد مساحتها على 1 كيلو متر مربع.
هذا المخيم الذي شكل على مدار عقود من الزمن رمزا لنضال الشعب الفلسطيني عانى،كغيره من مخيمات اللجوء، من الاحتياجات الإسرائيلية المتكررة منذ عامين والتي كانت كافية لتدمير البنية التحتية وعشرات المنازل داخل المخيم مما أعاده سنوات طويلة الى الوراء، وزاد من ثقل العبء الملقى على عاتق سكان المخيم التناقص التدريجي والكبير في الميزانيات التي تخصصها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين »الأونروا« للمخيم بشكل خاص ولكافة المخيمات بشكل عام.

أم مصطفى
وفي شوارع المخيم الضيقة صادفنا أم مصطفى، عجوز في السبعين من عمرها تتكئ على عصا قصيرة استوقفناها وإذا بها تعود بنا الى ايام النكبة الأولى وتقول: »ضحكوا علينا وقالوا اخرجوا من قرية سيدنا علي الى نابلس كلها اكم من يوم و بترجعوا ولليوم وإحنا بنستنا«.
وقالت وهي تختبر معلوماتي انت عارف وين قرية سيدنا علي فأجبت أجل على البحر شمال يافا فقالت: »كنا في ألف نعمة والأحوال كانت مستورة وكان والدي يعمل في التجارة ويذهب الى يافا وكل أسبوع مرة على القدس وكان عنا خيل وغنم اكثير وكنا نزرع في راس البيدر القريب من البلد ليوم ما اجونا اليهود«.
وتابعت وهي تتنهد: »يا رتنا ما ردينا ورحلنا ومتنا في بلدنا اشرفلنا من هالذل والحرمان والقهر شوف على شمالك ويمينك المخيم بيوت مدمرة .... شوارع محفرة... عمدان مكسرة ... واين السلام اللي بيقولوا عنه يا بني«.
وقالت وهي تشير الي بعصاها: »قتلوا اخوتي الثلاثة وجرحوا زوجي واستشهد ابني البكر على مدخل المخيم في الانتفاضة الأولى ويتموا اطفاله الخمسة وكلما بيجتاحوا المخيم بيدمروا البيوت وبيعتقلوا الشباب وفي النهاية بيقولوا إرهابيين وهم أساس الإرهاب«.
وعن رمضان حدثتنا الحاجة ام مصطفى وهي تبتسم ابتسامة خفيفة وقالت عن شو بدي اسولف عن راس البيدر حيث كان اهالي البلدة والقرى المجاورة لها يتجمعون في ليالي رمضان لسماع القصص ونصب الدبكة والمدائح النبوية ويعلقون القناديل للضيوف حتى يصلوا الى الخيمة الكبيرة التي كانت في العادة تنصب في نوادر غرب البلدة ... كانت اياما جميلة.. ياريت ترجع.. ياريت ترجع قالت وهي تفارقنا حيث اختفت في ازقة المخيم.

سعيد وشباب المخيم
سعيد أحمد عبد الله شاب في مقتبل العمر قال لنا: »انه لم يعمل منذ ثلاث سنوات وكان خاطبا وترك خطيبته بسبب عدم قدرته على اتمام متطلبات الزواج«.
منذ بداية الانتفاضة في شهر ايلول 2000 وضعوا الحواجز على مدخل المخيم ومدينة نابلس وكنت اعمل في منطقة ارئيل الصناعية فجاء المسؤول عن العمال وقال انت ورفاقك لا تعودوا غداً الى العمل وطردنا وحتى اليوم لم نحصل على باقي اجرنا من المصنع.
وتابع وهو ينظر الى الأرض: »ضاقت الدنيا في عيني توجهت الى كل مكان للبحث عن عمل لم اجد في نابلس وطولكرم ورام الله عند أولاد عمي.... ماذا افعل نحن ستة في البيت ثلاثة من أشقائي معتقلين اثنين في سجن الرملة والثالث في سجن الدامون في حيفا وكان من المفروض ان أساعد والدي وللأسف انا في البيت عاله عليه اليوم«.
وتابع قائلاً: »انا كباقي شباب المخيم محصورين دون عمل معرضين للاعتقال والضرب.... ماذا نفعل....«؟!
رمضان فيه نوع من التكافل والتراحم بين عوائل وعشائر المخيم الذين يرسلون لبعضهم البعض بعض ما طبخوا في ذلك اليوم ولكن بصفة عامة الجميع يعيش على الكفاف والجميع يعاني من صعوبة الأوضاع الاقتصادية.
وقدر سعيد عدد العاطلين عن العمل في المخيم بأكثر من الفي عامل معظمهم من الشباب وقال ان السجون تضم المئات من شباب المخيم الذين ينتمون الى التنظيمات الإسلامية والوطنية.

تقليصات
ورغم هذه المعاناة التي يواجها اللاجئون إلا ان وكالة الغوث التي اسست لدعمهم وتشغيلهم مع بداية الثمانينيات قامت بتقليص خدمتها من خلال تقليص الميزانية، وبدأ مستوى التقليص يرتفع بشكل كبير في التسعينيات، ففي عام 1993 وصلت نسبة التقليصات إلى أكثر من 35%.
ولم تتوقف هذه التقليصات إلى هذا الحد، فمع انطلاقة انتفاضة الأقصى وفي العام 2001 قلصت الوكالة من حجم ميزانيتها، حيث وصل العجز إلى 20 مليون دولار.
هذه الأرقام وبالمقارنة مع الحقائق التي تقول بأن المخيمات الفلسطينية كانت أكثر الشرائح الفلسطينية تضررًا خلال هذه الانتفاضة، توضح الكارثة التي تتهدد المخيمات.
ففي دراسة أعدها »مركز الميزان« تبين التوزيع النسبي للشهداء حسب التجمعات السكنية، أوضح أن 8.93% من مجموع الشهداء هم من المخيمات، بالإضافة إلى أن 58.9% من أصحاب المنازل التي دمّرها الاحتلال خلال انتفاضة الأقصى هم من اللاجئين.

تراجع مستمر
ومع تضاؤل الأمل بعودة اللاجئين إلى أراضيهم تقلصت المعونات
ومع كل يوم يمر على اللاجئين الفلسطينيين تزداد حاجتهم إلى الخدمات الصحية والتعليمية والتموينية بصورة كبيرة إلا أن وكالة »الأونروا« كانت تسير في الاتجاه المعاكس، وباتت تتدخل في خصوصيات الأسرة اللاجئة، حيث طالبت أولياء الأمور بدفع جزء بسيط كقسط لطلبة المدارس، مع العلم بأن التعليم حتى نهاية المرحلة الأساسية مجاني مع توفير كل المستلزمات المدرسية، صحيح أن المبلغ كان صغيرًا إلا أنه كان يلقي بظله على الآباء وخاصة العاطلين منهم على العمل.
وعلى الصعيد الصحي لا يوجد في مخيم بلاطة كغيره من المخيمات سوى عيادة صحية واحدة لنحو 20 ألف لاجئ، تفتح أبوابها 6 ساعات فقط في اليوم، وهي غير قادرة على معالجة كل الأمراض، ولهذا أبرمت الأونروا اتفاقا مع مستشفى الاتحاد في المدينة على تخصيص 8 أَسرّة لأهالي المخيمات الفلسطينية الأربعة في المدينة على أن يكون العلاج بالمجان، وبعد مدة ليست بالطويلة بات على اللاجئ دفع 25% من قيمة العلاج.

اوضاع صعبة
ويشير محمود حرب مسؤول العلاقات العامة في لجنة خدمات مخيم بلاطة إلى أن غياب المعونات من الأونروا أدى إلى تخفيض حجم المؤن المخصصة لـ 120.000 أسرة لاجئة في غزة، في حين تم الاستغناء عن 1.600 من موظفي الطوارئ في الضفة الغربية، كما توقفت المدفوعات المخصصة لإسعاف اللاجئين.
كما سيتم إلغاء العمليات الإنسانية الضرورية، بما في ذلك إعادة تسكين اللاجئين الذين شردتهم القوات الإسرائيلية في الوقت الذي تتصاعد فيه عمليات الهدم، فقد أوقفت الأونروا منذ 1/4/2003 إعادة أعمار وترميم المنازل التي هدمها الجيش الإسرائيلي في المخيم، كما أن الوكالة لم توافق على بناء أي منزل يعود لناشط فلسطيني سواء كان شهيدا أو معتقلا أو مطاردًا.
ووضعت الوكالة قيودًا تعجيزية في محاولة منها للتملص من الاستمرار في واجباتها، فالمستأجر والمنزل الذي يقطنه شخص واحد والمحال التجارية الملحقة به وأهالي النشطاء جميعهم محرومون من المساعدة.
كما أنه لن يكون من الممكن الاستمرار في تقديم إمدادات الطعام والمخيمات والأموال للمشردين ما لم تصل المعونات، بالاضافة الى وقف العمل في برنامج الطوارئ لتشغيل عمال وموظفين من مخيمات اللاجئين في مراكز تابعة للوكالة مثل العيادات الطبية والمدارس والمراكز النسوية والشبابية وهو البرنامج الذي كانت الأونروا قد بدأت في تنفيذه منذ بداية الانتفاضة، وتوقف العمل في البرنامج يعني حرمان أكثر من 220 ألف عائلة، أي مليون فلسطيني، من الحصول على مساعدات غذائية منتظمة شهريًا تقدمها وكالة الغوث للفئات الأكثر عوزًا في المجتمع الفلسطيني.
ويقول حرب بأن الوكالة قد أوقفت بالفعل 70% من العمال في البرنامج، ويشير إلى أن نسبة البطالة في المخيم تجاوزت 75%، خاصة أن معظم سكان المخيم كانوا يعتمدون على العمل في إسرائيل قبل اندلاع الانتفاضة.

برنامج الطوارئ
وقرار وقف العمل بالبرنامج الطارئ يعني أن معظم عمال النظافة في المخيم سيتوقفون عن العمل، وهذا يؤدي إلى تراكم النفايات في أزقة وشوارع المخيم وهو ما ينتج عنه ظهور الأمراض والأوبئة المعدية.

التعليم
أما على صعيد التعليم فإن توقف المساعدات يعني حرمان نحو 2500 طالب وطالبة من حقهم في التعليم، هذا بالإضافة إلى أن توقف المساعدة أو تقليصها يعني التوقف التام عن بناء غرف صفية للتخفيف من الاكتظاظ الهائل الذي تعاني منه مدراس المخيم الخمس.
ويبدو أن قطاع التعليم من أكثر القطاعات تأثرًا بتوقف المساعدات حيث كانت المدارس التابعة للوكالة تقدم لطلبتها القرطاسية مجانًا، والآن توقفت عن تقديمها، كما أن الكتب المدرسية تتأخر في الوصول في بداية كل سنة دراسية حتى شهور من بدء الدوام.

ذرائع مستهلكة
وتتذرع الاونروا بتوجيه المساعدات الى العراق لتبرير تقليص الميزانيات للمخيمات الفلسطينية، وفي هذا الصدد يقول حرب بأن وقف المساعدات أو تقليصها بحجة إعادة اعمار العراق باتت مستهلكة لأن »الأونروا« كررت ذات الحجة بعد حرب الشيشان وأفغانستان وغيرهما من الحوادث على الصعيد العالمي.
ويشير حرب إلى أنه كلاجئ يشعر تمامًا بما يصيب أي لاجئ آخر في العالم، لكن وكالة »الأونروا« تتشبث بأي حدث لكي تقلص من خدماتها للاجئين الفلسطينيين.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش