الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رأي عربي * الجدار الفاصل: الحقائق المباشرة والأهداف غير المباشرة * د. أسعد عبد الرحمن

تم نشره في الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2003. 02:00 مـساءً
رأي عربي * الجدار الفاصل: الحقائق المباشرة والأهداف غير المباشرة * د. أسعد عبد الرحمن

 

 
بعد ثلاثة عشر عاماً على سقوط »جدار برلين« السيئ السمعة والصيت، لا تزال الدولة الصهيونية مصممة على المضي قدماً في بناء »جدارها الخاص« على الأراضي الفلسطينية وكأنها لم تستخلص دروس وعبر سقوط الجدار السابق. فقد بدأت »إسرائيل« في حزيران 2002 بإقامة جدار هدفه المعلن »حماية أمنها« عبر تطويق الضفة الغربية تماماً والفصل الكامل بين سكانها والدولة العبرية. وقد انتهت المرحلة الأولى من بناء الجدار في شهر تموز 2003. والجزء الغربي من الجدار سيمتد مسافة 360 كلم من المناطق الشمالية للضفة الغربية الى أقصى جنوبها. وعند الانتهاء منه سيكون طول الجدار 700 كلم، أي ضعف طول »خط الهدنة« الفاصل بين إسرائيل والضفة الغربية، وضعف طول حائط برلين وثلاثة أضعاف ارتفاعه، وهو مبني من الإسمنت المسلح المقوى والأسلاك الشائكة والحواجز الكهربائية والخنادق ومجسات إلكترونية وأبراج للمراقبة. وسيكلّف بناؤه مليون دولار لكل كيلومتر. وحتى الآن، قامت الجرافات الإسرائيلية بجرف قرابة 11500م. مربع من الأراضي الفلسطينية، واقتلعت أكثر من مئة ألف شجرة زيتون وفواكه، ودمرت شبكات المياه في أكثر من 39 قرية، والجدار من الضخامة بحيث يرى من الفضاء تماماً مثل سور الصين العظيم.
في الأول من تشرين الأول من العام الحالي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على بناء الجزء الثاني من الجدار الذي يمتد مسافة 17 ميلاً داخل الضفة الغربية بهدف إدخال مستعمرتيّ آرييل وكادوميم داخل »الأراضي الإسرائيلية«. ومن المعلوم أنه كان لبناء المرحلة الأولى آثار مدمرة على معيشة أكثر من 210000 من الفلسطينيين في قرابة 67 قرية شمال الضفة. كما أن الجزء الغربي من الجدار سيضم قرابة 10% من الأراضي الفلسطينية الى الدولة العبرية حيث تم للآن مصادرة قرابة 2850 دونماً. ومن أكثر المناطق تضرراً من بناء هذا الجدار مدينة قلقيلية التي عزلت تماماً عن الضفة و »إسرائيل« وأصبح متعذراً الدخول إليها أو الخروج منها إلا من بوابة واحدة يحرسها الجيش الإسرائيلي. وهذه المدينة (مع الأراضي المحيطة بها) والتي تعتبر بحق سلة خبز الضفة الغربية، ستخسر قرابة 19 بئراً مائياً تشكل قرابة 30% من مجمل مياه المنطقة، مما سيشكل ضربة قاصمة للزراعة. وعند انتهاء المرحلة الثانية والتي ووفق عليها سابقاً، سيكون هناك ما مجموعه 400000 فلسطيني على الجانب الغربي من الجدار، كما سيتم مصادرة 25% من الأراضي الفلسطينية، وهذه النسبة الأخيرة تشكل قرابة 80% من الأراضي الخصبة كما تضم قرابة 51% من مصادر الضفة المائية. وعندما يصل العمل في الجدار الى المرحلة الثالثة التي لم تبدأ بعد، فسيتم إغلاق الضفة الغربية تماماً عن العالم الخارجي وستتحكم الدولة الصهيونية بجميع نقاط العبور دخولاً الى، أو خروجاً من، الضفة كما سيكون هناك نحو نصف مليون فلسطيني محشورين ما بين الجدار و »الخط الأخضر« أي الحدود »الرسمية« المعترف بها دولياً بين »إسرائيل« والضفة.
يقول تقرير للبنك الدولي بأن بناء الجدار سيؤدي الى تفشي البطالة والفقر والجوع بشكل واسع بين الفلسطينيين. كما أن جزءاً كبيراً من الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم »محشورين« ما بين الجدار العنصري والخط الذي يقال عنه أنه »الأخضر« لم يحصلوا على حق الإقامة القانونية داخل الدولة الصهيونية، وبالتالي لن يسمح لهم بالسفر إليها أو الاستفادة من خدماتها، في الوقت الذي يتم فيه حرمانهم من ممتلكاتهم في الضفة إما بالمصادرة أو بالهدم من دون أي تعويض. وعند اكتماله، سيضم جدار الفصل العنصري هذا الى »إسرائيل« أخصب المناطق الزراعية الفلسطينية بما في ذلك الحوض المائي الذي يشكل أكثر من 65% من مصادر المياه في الضفة.
كما أن 91% من المستعمرات/ »المستوطنات« الإسرائيلية وأكثر من 98% من المستعمرين/ »المستوطنين« الذين يعيشون بالضفة سيكونون في الجانب الإسرائيلي من الجدار، بالإضافة الى ما سيحمله كل ذلك من تأثير سلبي على العلاقات ما بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني التي ستزداد صعوبة، بل تأزماً قد يكون بلا رجعة، بالإضافة الى تقطيع أوصال الضفة وتحويلها الى بؤر منعزلة.
وعلى الرغم من الانتقادات العالمية لبناء هذا الجدار (سواء من: الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو أمينها العام أو الاتحاد الأوروبي، أو حتى الولايات المتحدة) في زمن تسقط فيه الحواجز حتى الطبيعية منها بين الدول، بل يشهد انفتاح الدول بعضها على بعضها الآخر، نجد »إسرائيل« مصممة على استكمال بناء جدارها العنصري. الجدار سيكون بالنسبة للمقاومين الفلسطينيين بنية تحتية إضافية لليأس والإحباط وفقدان الأمل والكراهية وهي جميعاً أسباب من شأنها أن تزيد من هذه العمليات لأن الفلسطينيين سيشعرون أكثر بأنه لم يعد أمامهم ما يخسرونه. وعندئذ، سيتعمق عند هؤلاء الوعي بأن »السور« قد شيّد بهذه الذريعة شكلياً فقط، إذ أن هدفه الحقيقي مغاير تماماً كونه، ببساطة، يمثل حلقة جديدة في سلسلة حلقات سابقة ضمن مسلسل تشييد »دولة بنتوستانات فلسطينية« طاردة لسكانها عبر تشديد الخناق على الضفة الغربية وسكانها (وأيضاً لفصم الوشائج والعرى مع الأهل في قطاع غزة) متواكبة مع زيادة وتوسيع المستعمرات، والطرق الالتفافية. وهذه جميعاً إجراءات شارونية/ موفازية هدفها خلق حقائق جديدة على الأرض. إذن، يراد لجدار الفصل العنصري أن يصبح المسمار الأخير الذي يدقه شارون وحلفاؤه، من ليكوديين وغيرهم، في نعش الحل الداعي الى إقامة دولتين ثنائيتيّ القومية، ناهيك عن حل الدولة الواحدة ثنائية القومية.
»المستقبل« اللبنانية
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش