الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فصل من رواية أصوات تشيرنوبل لسفيتلانا اليكسيفيتش

تم نشره في الجمعة 29 نيسان / أبريل 2016. 08:00 صباحاً

ترجمة: عاصف الخالدي *



صوت إنسان بعيد، من العزلة:

لا أعرف ما الذي يتوجب الحديث عنه، عن الحب، أو الموت. أو أن كليهما الشيء ذاته، عن أيهما أتحدث؟

كنا في شهر العسل، لم نزل نمشي في الأنحاء ويدانا متشابكتان، حتى لو كنا فقط ذاهبين للمتجر، أو إلى أي مكان. كنت أود أن أقول له: أحبك، لكنني في ذلك الحين لم أكن أعرف كم أحبه، لم تكن لدي أدنى فكرة. لقد عشت وإياه في المهجع التابع لمقر الإطفائية الرئيسة للبلدة حيث كان يعمل هناك. وكان يشاركنا ثلاثة أزواج آخرين في المكان والمطبخ، في الطابق الأول احتفظوا بالآليات، والثاني كان لنا. كانت هذه وظيفته، لذا كنت دائما أعرف أين هو في لحظة ما، أو أين كان، أو أين سيذهب بعد حين.



في إحدى الليالي سمعت ضجة كبيرة، تطلعت من النافذة لأرى ما يحصل، ما لبث أن رآني، فصاح بي من الأسفل: أغلقي النافذة وعودي إلى النوم، هنالك حريق في المفاعل، سوف أعود قريباً.

لم أشاهد الانفجار فعلاً، فقط اللهب المتصاعد من البعيد، كانت الأشياء مشعة وترى من تلك المسافة. السماء نفسها تشع، دخان، أما الحرارة فبدت مخيفة، أما هو فلم يكن قد عاد حتى اللحظة.

الدخان الذي نتج عن القار غطى السقف، قال لي لاحقاً: كأننا كنا نمشي على نهر من الإسفلت! حاولنا قهر اللهيب المتصاعد، لكن دونما طائل، كنا نمشي على الإسفلت الذائب مباشرة، ولم نكن نرتدي سوى أحذيتنا ذاتها. في ذلك الوقت تعاملوا مع الوضع على أنه حريق عادي، ولم يكلف أحد نفسه أي عناء لإخبارهم بالحقيقة، أو أن ذلك كان متعمداً، كانوا يرتدون ثيابهم العادية المضادة للنار، دونما أقنعة أو إجراءات واقية، ولم يخبرهم أحد أبداً، عن الإشعاع، والتسرب النووي الذي حصل.

الساعة صارت الرابعة، الخامسة، ثم السادسة، ونحن ننتظر. والنساء ينتظرن. بعد السادسة أخذت أفكر، كنا سنذهب إلى مزرعة والديه لنزرع البطاطا، المزرعة تقع على بعد أربعين كيلومترا بين بربيات وسبيرغي. كان يحب أن يقوم بالزراعة والشواء، وقضاء وقت ممتع. كانت أمه تقول لي دوماً: إننا لا نريده أن يرحل إلى المدينة، لقد بنينا له منزلا جديداً هنا. كان قد جند للجيش وخدم في موسكو، وعندما سرح من الجيش أراد أن يعمل كرجل إطفاء، ولا شيء آخر.

أحياناً أشعر بأنني أسمع صوته، حياً! حتى صوره لا تؤثر بي مثلما يفعل صوته، لكنه لم ينادني أبداً، ولا حتى لمرة واحدة، ولا حتى في أحلامي، أنا هي التي تناديه أولا، ودائماً.

في الساعة السابعة تقريباً، تم إخباري أنه في المشفى. ركضت إلى هناك، لكن رجال البوليس كانوا قد أحاطوا بالمشفى مانعين أي شخص من العبور سوى سيارات الإسعاف، كانوا يصرخون فينا: سيارات الإسعاف ملوثة بالإشعاع أيضاً، ابقوا بعيدين. عندها بدأت في البحث عن صديقة كنت أعرفها، وهي طبيبة تعمل في المشفى. وما هي إلا لحظات حتى حضرت في إحدى سيارات الإسعاف، استوقفتها وطلبت إليها أن تصعدني وتعطيني أحد معاطف الأطباء أو الممرضين، قلت لها: الآن، زوجي في الداخل، إنهم يمنعوننا من العبور أو الزيارة. ردت من دون أن تتطلع إلى وجهي: لا أستطيع، حالته سيئة جداً، جميعهم كذلك. رجوتها هذه المرة: أريد أن أراه فقط، ولا شيء آخر؟ حسناً، وافقت في الأخير وقالت: لعشرين دقيقة فقط ربما أقل. وجذبتني لأصعد.

عندما تمكنت من رؤيته، كانت عيناه جاحظتين، بالكاد استطعت النظر إليهما، كان متورماً ومنتفخاً، قطعت صديقتي الطبيبة صمتي وقالت: أحضري له الحليب، إنه يحتاج إلى الحليب الآن. بما لا يقل عن ليترين أو ثلاث إن استطعت، سيخفف هذا من التسمم. تطلعت إليه مرة أخرى، ثم عدت ونظرت إليها قائلة: إنه لا يحب الحليب في الواقع.

عادت لتأكد: بل عليه أن يشربه.

بعد زمن، سأتذكر أن عديداً من أطباء وطاقم هذا المشفى، سوف يموتون بالتسمم الإشعاعي بعد تعاملهم مع المرضى في هذه الكارثة، لم ننتبه حينها إليهم، لم ينتبه أحد، فكل كان يعاني كارثته الخاصة أيضاً.

في التاسعة من صباح اليوم التالي، مات السيد شيشنوك المصور، كان أول المتوفين، في أول صباح يلي الكارثة، ستصير الصباحات ناقوساً للجنازات من اليوم فصاعداً! كان هنالك رجل آخر ظل بعيداً عنا، لم يتمكن أحد من الوصل إليه، إنه فاليريا كودمشك، كان الأقرب إلى منطقة التسمم، تركوه مدفوناً هناك، ولم نكن نعرف مصيره حينها.

قلت لزوجي: فازيا، ماذا يتعين علي أن أفعل؟

رد مباشرة: أخرجي من هنا، ابتعدي عن هذا المكان، أنت تحملين طفلا في أحشائك.

لم أكن لأتركه وحيداً. كان يرجع فيقول: اذهبي الآن، أنقذي حياة الطفل على الأقل.

حسنا يا عزيزي، اتركني فقط لأحضر بعض الحليب لك.

لم أكمل حديثي، فوجئت بصديقتي تانيا تأتي راكضة عبر الممر، كان زوجها في ذات القسم، أهلها كانوا يتبعونها كذلك، كانوا يملكون سيارة، تركنا كل شيء وقمنا باستقلالها مسرعين، اتجهنا إلى أقرب قرية لنحصل على الحليب. تمكنا من ذلك بعد ابتعادنا لثلاثة كيلومترات عن تشيرنوبل. اشترينا ما يكفي. لكن ذلك لم يكن مجدياً حقاً، كان الرجال المصابون يتقيئون الحليب بمجرد شربه، استمروا بالرحيل، واحداً تلو الآخر. ظل الأطباء يخبرونهم بأنهم تسمموا بفعل الغاز! لم يتطرق أحد إلى الحقيقة. لم تحظ البلدة بفرصة للكلام، أغرقوها بالمركبات العسكرية، أغلقوا كل الطرق، أوقفوا المواصلات، وقطعوا خطوط القطارات، كما بدأت فرق منهم برش مسحوق أبيض غريب في الشوارع. وكنت قلقة فقط بشأن إحضار مزيد من الحليب. لم يتحدث أحد إلينا بشأن الإشعاع، رجال الجيش فقط هم من كانوا يرتدون الأقنعة، أما الناس فكانوا يضعون أكياس الخبز الورقية على وجوههم فقط!

بعدها، لم أستطع دخول المشفى في ذلك المساء، كان محاطاً ببحر من البشر. لذا فقد وقفت خارج نافذته، إلى أن حضر ومن ثم قام بالصراخ والحديث عن شيء لم استطع سماعه جيداً. كل شيء كان محبطاً، شخص من الحشد استطاع أن يسمع ما قاله. أخيراً، إنهم سوف يأخذون المصابين إلى موسكو، هذه الليلة.

عندما انتشر الخبر، تجمعت الزوجات ومعظم النساء، صرنا كتلة واحدة. وقررنا بإصرار: أينما يذهب رجالنا، نذهب معهم، بدأنا بالصراخ، سنذهب معهم. الحرس صاحوا بالمقابل: ليس لديكن الحق، تم دفعونا وضربونا، كان لدينا الحق بالتأكيد.

في النهاية، ووسط هذه المعمعة، خرج الطبيب إلينا ملوحاً بيده حتى نتوقف، نظر إلينا وصاح: نعم، سوف نأخذهم جميعاً إلى موسكو، لكنهم يحتاجون إلى أغراضهم الشخصية وملابسهم، نظرنا إلى بعضنا وفكرنا: نعم ملابسهم احترقت أثناء مقاومة الحريق. كانت المواصلات قد توقفت بكل حال، افترقنا وركضنا مثل مجنونات في كل اتجاه من المدينة. هرعنا نحو البيوت بلا هوادة، حتى استطعنا العودة أخيراً وبأسرع وقت، حاملات الحقائب معنا، لاهثات. في الواقع، كانت الطائرة قد رحلت وانتهى الأمر، لقد قاموا بخداعنا، حتى أنهم لم يتركونا لنبقى لحظة مغادرتهم، لم يعطونا حتى الفرصة للعويل أو البكاء، في اللحظة التي كان أزواجنا فيها يبتعدون.

ها هو الليل يحُل، فجأة وفي الشوارع، اصطفت الحافلات، عدد كبير منها كان في انتظارنا، صار من الواضح أنهم أعدوا كل شيء مسبقاً لإخلاء البلدة. كانت الشوارع ممتلئة بالسيارات الكبيرة التي ترش المساحيق البيضاء ذاتها، كان يبدو أنهم سيأخذوننا نحن فقط، ولا شيء آخر، سوف نتحلل من ذكرياتنا، ملابسنا، قطع الأثاث، حيواناتنا الأليفة التي قاموا بقنص معظمها، والبيوت، حتماً ستظل خاوية، كان الناس معتادين على الخروج في رحلات، في هذه المرة، لن تكون هنالك عودة، أما في موسكو فسيتحلل زوجي ببطء، سأزوره هناك وأظل أعتني به وأراقبه وهو يختفي شيئاً فشيئاً، يأخذه الموت قطعة قطعة، فيما الممرضات يكررن صراخهن علي: ابتعدي عنه، صار مجرد قنبلة إشعاعية الآن، انجي بنفسك قبل أن يلوثك، لم أكن أستمع إليهن، كان صوته يتردد دوماً في مخيلتي.

في أجنحة المشفى، صرت أتحرك تماماً مثل شبح، من قلة النوم وجهي أصفر، وثيابي فضفاضة، خطواتي بطيئة، لكنها دوماً كانت تقودني إليه. في أحد الصباحات الباردة، كان النعاس قد التهمني، فابتعدت عن فازيا، تركته للحظات غفوت فيها كما أظن، بعد حين أيقظتني يد الطبيب، ليخبرني أن فازيا توفي أخيراً. أربعة عشر يوماً، هي تلك المدة التي يحتاجها الإشعاع لينال من المرء، عندما حان موعد دفنه منعنا  كذلك من إلقاء نظرة أخيرة، هذا الإشعاع يمنعنا من كل شيء، أخذ حبيبي على حين غرة، سمم الذكريات، ومنعنا من المضي إلى المستقبل، عن ماذا أخبرك؟ عن الحب، أم عن الموت، إنهما بكل حال صارا شيئاً واحداً.



* روائي من الأردن

* سفيتلانا أليكسيفيتش: كاتبة وصحفية من بيلاروسيا، حاصلة على نوبل للآداب في العام 2015.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش