الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

محمود فضيل التل الإنسان مركز ومحور الدائرة الأساسية في حركتي الشعرية

تم نشره في الجمعة 6 أيار / مايو 2016. 08:00 صباحاً

حاوره: نضال القاسم *



محمود فضيل التل شاعر يحتل مكاناً مرموقاً في خارطة الشعر الأردني، استطاع منذ ديوانه الأول «أغنيات الصمت والاغتراب» أن يكوّن عالمه الخاص من خلال رؤياه الجديدة وطموحاته الشعرية الكبيرة.

أصدر محمود فضيل التل حتى الآن إحدى عشر مجموعة شعرية، ومختارات شعرية صدرت في عمّان عام 2006 ضمن مجلد أنيق، إضافة إلى العديد من الكتب في مجال الثقافة والإعلام والتنمية والفنون والأدب.

وقد لاقت تجربته الشعرية اهتمام النقاد الأردنيين والعرب وتُرجِمَ شعره إلى العديد من اللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية والإيطالية، وجرى تكريمه من قبل العديد من المؤسسات التعليمية والهيئات الثقافية الأردنية والعربية والأجنبية.

التقيناه مؤخراً والحوار التالي يلقي الضوء على تجربته الشعرية.

]  هل لنا أن نعرف كيف تسلل إليك هاجس الكتابة، وما هي طبيعة التصور الشعري الذي تم على أساسه ديوانك الأول (أغنيات الصمت والاغتراب)، والصادر في عمان عام 1982، وما هي المؤثرات التي شكلَّت وعيك وأسهمت في تكوين تجربتك الابداعية ؟

- علاقتي بالكتابة قديمة. تعود إلى أيام الطفولة. فقد بدأتها بكتابة القصة القصيرة، وكان ذلك عندما كنت في الصف الخامس الابتدائي. وقد نشرت عدداً من هذه القصص في جريدة الرأي ورسالة المعلم وما زلت أحتفظُ بما نُشر منها وما لم ينشر في مكتبتي الخاصة. وتتمثل بواعث هذه الكتابة المبكرة فيما كنت أجده في نفسي من اهتمامات بالإنسان والمجتمع والحياة والقضايا المختلفة التي يعاني منها الانسان. رغم صغري فقد كنت أشعر بالاهتمام بكل شيء وأحس به إحساساً كبيراً منذ ذلك الوقت- رغم أنني لم أكن متميزاً على المستوى الدراسي، وكنت منذ ذلك الحين أحب الأدب وأنجذب إليه وأجده المجال الذي أتفاعل معه وأقدره لما له من اهتمام واعتناء بالإنسان وحياته وقضاياه المختلفة...ولكن تحوّل هذا الاهتمام لدي من كتابة القصة القصيرة إلى كتابة الشعر وأذكر أن هذا قد حدث عندما كنت في الصف الثالث الإعدادي...حيث كتبت أول قصيدة في تلك الفترة وكانت قصيدة نثر كتبتها وأنا في الصف اثناء حصة الدرس. كان ذلك في الخمسينات... وكنت طالباً في مدرسة حسن كامل الصباح في إربد.. فكانت هذه القصيدة وكانت بعنوان «دقّ ناقوس الصلاة- ومن سوء حظي أنها كانت مما فقد من أوراقي وكتاباتي. أما هذا التحول من كتابة القصة القصيرة غلى الشعر فمردّه وسببه فيما أعتقد أنني وجدت الشعر بأسلوبه وطبيعته أقرب إلى نفسي من الكتابة القصية. وسرت بهذه الطريق حتى هذه اللحظة. ولكن ما أود ذكرهُ والإشارة إليه ان الأسلوب القصصي واضح في كتابة الكثير من الشعر الذي أكتبه- وأن العديد من القصائد تأخذ طابع القصيدة والشعر لكنها بحد ذاتها تتحدث عن قصة وجدانية (عاطفية غنائية) أو وطنية أو اجتماعية وانسانية.

أما بالنسبة للديوان الشعري الأول- أغنيات الصمت والاغتراب، فيسعدني أن أوضّح أن الصمت في الديوان المذكور لم يكن بمعنى السكوت، أو المواربة سبب من أسباب الابداع الشعري والفني والنفاد إلى كنه الأشياء ومضامينها العميقة. أما الاغتراب فلم يكن المقصود من الاغتراب المكاني أو الانتقال من الوطن إلى بلد أو وطن آخر...فهذا النوع من الاغتراب - المكاني- يحمّله الحنين إلى الوطن- بل كان يقصد به الاغتراب النفسي.. الاغتراب عن الذات حتى لكأن الانسان يجد فجوة أو هوّة عميقة وواسعة بينه وبين ما يشعر أو يحس وبينه وبين ما هو عليه في الواقع.

أما المؤثرات التي لعبت دوراً أو أسهمت في تشكيل وعيي وأسهمت في تكوين تجربتي الإبداعية.. فحقيقة كانت كثيرة. منها تجربتي الحياتية الخاصة فقد كانت وما زالت مُرّة وعناءً ومكابدة وتضحية وألماً كبيراً دائماً تكلّلت الحزن الذي لم ينقطع حتى هذه اللحظة فأصبح الحزن السمة أو الطابع الذي رسم حياتي بألوانه العديدة.. حتى أن الحياة أصبحت في نظري مأساة في أحلى حالاتها لا تستحق أن تُعاش. يبقى أن أضيف سبباً كان من أهم هذه المؤثرات «وهي قضية فلسطين وتشريد أهلها وضياع هذا الجزء الأجمل عن الوطن والأمة». لهذا احتلت فلسطين مكانة رفيعة وخاصة في كتاباتي الابداعية.. فحبي لها ليس له حدود.. واعتزازي بها وبنضال أهلها جعل لها الحيّز الأول في الكتابة للوطن والأمنيات بعودتها مهما دام الاحتلال، وعودة أهلها مهما طال بعدهم عنها.. فهم أهلها وهم أبناؤها وأصحابها الحقيقيون الأصليون.



] إضافة الى الدواوين التي صدرت لك (أغنيات الصمت والاغتراب) و(نداء للغد الآتي) و(شراع الليل والطوفان) و(وجدتُكِ عالماً آخر) و(جدار الانتظار) و(هامش الطريق) و(آخر الكلمات) و(صحو الطوفان) و(أنشودة المستحيل) و(تحت جنح الليل) هناك ديوان صدر لكم مؤخراً بعنوان (شاطئ من نار)، ماذا عنه، ما الذي أردت أن تقوله من خلال ديوان (شاطئ من نار)؟      

- كما هو واضح.. هذا الديوان الحادي عشر الذي صدر لي. وإن القارىء له ليتبين أنه يضم بين دفتيه (46) قصيدة بين عمودية وحديثة (قصيدة التفعيلة) وتتوزع موضوعاتها بين الطابع الوجداني والوطني والسياسي والاجتماعي والرثاء، كل هذا بطابع إنساني يقوم على احترام الذات الانسانية ومعاناتها الدائمة. وإنني أقدّر سؤالك عمّا أردت قوله من خلال هذا الديوان.

إن اختيار هذا العنوان أو التسمية للديوان لابد وأن يكون وراءها سبب. فالشواطئ كما نعرف لا تكون ناراً، بل تكون مكاناً للاستجمام والراحة والاستمتاع والطمأنينة. ولكن شواطئنا هذه الأيام، أي حياتنا، أصبحت مصدراً للرعب والخوف والموت والقلق والتوتر نتيجة هذه الأحداث اليومية المرعبة من قتل وتشريد وذبح وهدم ودمار، فبعد أن كانت حياتنا آمنة، وبعد أن كانت شواطئنا للاستجمام والاستمتاع أصبحت للموت والخوف والدمار، فالشاطئ فيما خبرناه كان دائماً آمناً وقد أصبح هذه الأيام موتاً ودماراً، لهذا اخترت هذه التسمية وهي عنوان إحدى قصائد الديوان للتعبير عما أصبحنا فيه من البؤس والخوف والقتل والهدم والتشريد، وهو تعبيرٌ شاملٌ لما نحن فيه هذه الأيام، فقد فقدنا الأمن والأمان، وأصبحنا نعيش أجواء الرعب، وكان الأولى أن توجه هذه الجهود لتحرير فلسطين وتحقيق الأمن والأمان لأهلنا فيها بدلاً من أن يُقتل بعضنا بعضا.



] أنت واحد من الأدباء المبدعين الذين أنتجتهم مرحلة الثمانينيات في الحياة الثقافية في الأردن، ما الذي ميَّز تلك المرحلة وجعلها علامة مميزة وبارزة في مسيرة الأدب الأردني؟

- نعم كانت فترة الثمانينات فترة ازدهار في الحياة الثقافية في الأردن، وأنا ظهرت فيها حيث كنت قبل ذلك أكتب القصة والشعر ولا أنشر لأسباب عديدة، وقد امتازت هذه المرحلة بزخم الأنشطة الثقافية من مهرجانات وندوات ومحاضرات وتعاقب إنشاء الأندية والملتقيات (الهيئات الثقافية، وكانت هذه الفترة – الثمانينات مرحلة استقرار عام- انعكست على الواقع الثقافي بأنشطة متنوعة وعديدة على مستوى الأردن والعالم العربي وكان للأردن ممثلاً برابطة الكتاب الأردنيين وإسهامات وزارة الثقافة حضور إيجابي سواء داخل الأردن أم خارجه، حتى أن الأنشطة الثقافية والأدبية التي كانت تقام وتدار في تلك الفترة هي نفسها ما زالت مستمرةً حتى الآن ولكنها كانت في الثمانينات أفضل مما هي عليه الآن، وأهم سبب في رأيي أن تلك الفترة كانت بها شخصيات إبداعية كانت بحد ذاتها من أهم مميزات مرحلة الثمانينات وكانوا في قمة فاعلياتهم ونشاطاتهم الابداعية، بل كانوا في الحقيقة من الروّاد والمؤسسين ومشاركين في مختلف الأنشطة الثقافية والإبداعية، وأحياناً اذا مضى جيل من المبدعين فمن الصعوبة أن يعوّض بسهولة أو خلال فترة زمنية قصيرة، ولا شك بأن أهميتهم كانت نابعة من جذورهم وانتماءاتهم الفكرية، وكانوا مدفوعين بالحماس للقضايا العربية والقومية بمختلف الاتجاهات، أما في الوقت الحاضر فإن السكون والخمول والتراخي ظاهر في الساحتين الثقافية والأدبية إلى حد كبير. ومن الجدير بالذكر أن من أسباب العلامات المميزة في مسيرة العمل الأدبي في الأردن في تلك الفترة هو ميل المثقفين والمبدعين إلى العمل المؤسسي، فكانت الروابط التي تجمعهم قوية ومنها أيضاً إحساسهم بالأمل والطموح لبلوغ الأهداف الإبداعية من جهة وتحقيق الأهداف القومية من جهة ثانية، فوجد المبدعون أنفسهم أمام أسئلة كثيرة، ربما لم يجدوا أجوبة للكثير منها فوجدوا أنفسهم في حيرة من أمرهم ووقفوا مذهولين أمام هذا كله.



] محمود فضيل التل، بصراحة، هل أنصفك النقد؟ وكيف ترى النقد العربي اليوم؟ وماذا يقدم النقد للأدب؟

- أود أن أؤكد هنا بأن النقد لم ينصف سوى أشخاص معينين محدودين لسبب أو آخر. فنجد أن أعمال النقاد في معظمها وأغلبها تنحصر في أعمال إبداعية لأشخاص معينين بسبب اهتمامات وعلاقات خاصة وشخصية، وأخرى عنصرية وإقليمية، ومعظم هذه الجهود النقدية تدور في فلك هذه الأعمال المحدودة.. يتناولها هذا الناقد وما أن ينتهي منها حتى يبدأ ناقد آخر بالعكوف على دراستها في غياب أي اهتمام بمبدعين آخرين لهذا يمكنني القول بأن النقد كرّس نفسه لأعمال محدودة دراسة واشباعاً في حين لم تلق أعمال إبداعية أخرى أي اهتمام يذكر. علماً بأن الجهود النقدية يجب أن توجه إلى جميع الأعمال الابداعية الشعرية لأننا بحاجة إلى أعمال جميع الشعراء لتكتمل لدينا التجربة الابداعية المحلية والعربية، فالنقد – مع شكري واحترامي وتقديري للعديد من النقاد والباحثين والدارسين- الذين بذلوا جهوداً طيبة وجديرة بالاعتزاز بتناولهم لأعمالي الابداعية ولكنها ليست بالقدر الكافي. وهنا أودّ أن أقول بأنه فيما عدا أعمال بعض الشعراء – وللأسباب التي ذكرتها – ما زالت الابداعات الشعرية في الأردن لم تنصف وبحاجة إلى من يكشف عنها الستار وأن يعرّف بها ويمحّصها بل وينقّب عنها ويعطيها حقها من العناية والرعاية وأن يبلور خصائصها من جميع النواحي الفنية ودلالالتها العاطفية والاجتماعية والوطنية باعتبارها جزءاً من التجربة الوطنية الإبداعية وأن يحفز الشعراء على العمل والإبداع والإشارة إلى المواضع التي تميزوا بها أو الإشارة إلى ما كانوا قد قصروا به وحال دون تميزهم وتفوقهم وإبداعهم. وللنقد أهمية ورسالة جليلة في دراسة الأدب وتوجيهه نحو الطريق الصحيح والأخذ بيده لتطوره وتقدمه عن طريق تقديم إضاءات للشعراء وتعريفهم بتجارب غيرهم من المبدعين الشعراء وأسباب نجاحهم والاحاطة بعناصر العمل الابداعي وتحديث إبداعهم حتى لا يبقى متقوقعاً وجامداً وعاجزاً عن مسايرة التطور والنماء الإبداعي.



] تحمل بعض قصائدك همّاً إنسانياً واضحاً، ويحمل بعضها الآخر همّاً قومياً، كيف يتراءى لك مصير البشرية على هذه الأرض؟ وإلى أين يتجه العالم العربي؟

- إن المعطيات التي أمامنا بشأن مصير البشرية فوق حدود ما يبدو سهلاً التحدث عنها وإن الواقع الذي يسود مناطق العالم المختلفة أكثر من مجرد أمر يمكن أن يجاب عنه بانطباع عابر، وإن ما يدور الآن لم يكن في حدود توقعاتنا بأي شكل من الأشكال. وأهم ما يمكن قوله حسب رأيي الشخصي أن العالم العربي يعيش حالة صراع يجني ثماره الدول الكبرى المتصارعة على الهيمنة على دول العالم الثالث لوضع يد هذه الدول كل حسب وزنها السيادي في العالم على المقدرات ومصادر الثروة الموجودة به أقساما وكأنه حق شرعي لها. وإنني حقيقة متشائم مما يجري ويدور علماً بأن كثيرين يظهرون التفاؤل لمجرد أن يقال عنهم أنهم متفائلون، فأنا متشائم إلى أبعد الحدود، وحزين أيضاً مما نراه من قتل وتشريد وهجرات إلى مختلف أقطار العالم، والعالم العربي يسير إلى الضياع، فالمشهد الذي أمامنا يشير إلى عدد من الاحتمالات التي تتردد في مختلف الأوساط، ويتوقعها السواد الأعظم من المعنيين والناس العاديين وهي:

- السعي لإيجاد دويلات طائفية في بعض الدول العربية

- انشاء دويلات إقليمية أو أقاليم عن طريق تقسيم بعض الدول العربية

- اتباع أجزاء من دول عربية إلى دولة أخرى

 -  حل الصراع القائم في بلد عربي ما بتقسيمه وإنشاء دويلة في منطقة محدودة منه لإيقاف هذا الصراع والنزاع الدائر فيه

إن ما يدور في المنطقة كلها يذكرنا بما كان قد تردّد منذ فترة طويلة بما يسمى بشرق أوسط جديد. فمصير البشرية فيما أعتقد لا يبشّر بخير، والعالم العربي يتخبط ويسير على غير هدى وإنه يتجه في طرق مجهولة مسدودة يظن وهماً أن بيديه مفاتيحها، بينما ينسى أنه سيكون ضحية لكل ما يحدث لأنه انغلق على نفسه في غثه وسمينه ولم يوفق أو لم ينجح في إدارة نفسه – ولم يَصْحُ ولم ينتبه لما ينتظره أو يحيط به إلا بعد فوات الأوان، هذا إذا كان فعلاً قد حصل له هذا الانتباه والالتفات لما يحيط به وينتظره من مخاطر، ربما تكون صعبة وقاضية.

 

]  ما هي الدائرة الأساسية في حركتك الشعرية؟

- الإنسان هو مركز ومحور الدائرة الأساسية في حركتي الشعرية، وهو الجامع لكل توجه شعري.. لأن كل الشعر بمختلف ألوانه وأنواعه يصب في دائرة الانسان، فعندما نكتب شعراً وجدانياً عاطفياً غنائياً يكون للإنسان – عقل هذا الكون وقلب هذه الحياة - وعندما ننظم شعراً للوطن ونتغنى به فهذا الوطن هو معقل وبيت الإنسان. وإذا ما تناولنا في شعرنا قضايا اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، فكلها قضايا تتعلق بحياة الإنسان، حتى عندما نجعل الطبيعة بمظاهرها المتنوعة والمتعددة موضوعاً شعرياً فإن المتلقي لذلك هو الإنسان، فهو الذي يحس ويتذوق ويتأمل ويتأثر بهذا الشعر، والحياة كلها بكل ما فيها، سيّدها والشريان النابض فيها هو الإنسان. لهذا فإن مركز ومحور الدائرة الأساسية في حركتي الشعرية هو الإنسان.



] متى بدأ الوعي بأهمية المكان لديك.. وكيف تستلهم الأماكن.. التي كثيراً ما تحضر في قصائدك؟

- إن وجود الإنسان وحضوره لا يكون إلا بالمكان. والمكان إطار حياة الإنسان: فهو البيت والسكن، وهو مكان العبادة والقداسة وهو الوطن والرمز والذكرى وهو الطلل الذي ينتشر في زواياه عبق الحب والعشق والحنين، وهو المستقر وهو الأرض التي تمدّ الانسان بكل ما يحتاج إليه، والمكان إضافة إلى هذا كله هو الانتماء.. وهو أيضاً أكثر من هذا بكثير وأكثر من أن يختصر في كلمات مهما تعددت وتنوعت.. إنه أكثر من مسقط الرأس...إنه الشوق والحنين والذكرى والحبّ، إنه الصدر الحنون الذي نلقي أنفسنا فيه عندما نحتاج إلى الطمأنينة والاستقرار والأمن- إنه الإنسان بكل عوالمه ووجوده وحياته.

ومن خلال هذه التفاصيل مضافاً إليها الزهو والجمال تتفتح آفاق الاستلهام للمكان حسب ما أشعر به، وحاجتي للتعبير عنه، والإحساس به، فيأتي المكان منساباً بلا اختيار مقصود ومباشر. فلكل مكان خصوصية تستدعيها طبيعة الإحساس في لحظة ما، ما الذي يثير أشجانه؟ ما الذي يشتاقه ويحن إليه؟ ما الذي يتوق إليه؟ ما الذي يلحّ عليه ليكتبه وما هو المكان الذي يرتبط بهذا الشعور والوجدان الثائر في نفس الإنسان؟ ما هو المكان الأحب إليه والذي ترك في نفسه أكبر الآثار وأصبح المهيمن على أحاسيسه ومشاعره وذاكرته.

كل ما تقدم، وحسب ما يكون الأقوى في نفسي هو الذي يحدد المكان الذي أختاره أو يفرض نفسه عليّ لحاجتي للتعبير عن حالة أو شعور ما.



] ما هي مشاريعك القادمة، وماذا عن تصورك للمستقبل؟

- أتمنى أن أظل قادراً على الاستمرار في الكتابة خاصة الشعر، وأن أحافظ على حضوري ووجودي في الساحة الأدبية والميدان الثقافي رغبة وإيماناً مني بأنها مساهمة وخدمة جليلة أشارك بها في خدمة الوطن والأمة، خاصة فلسطين التي لم يشهد ولم يُسجّل التاريخ مأساة فوق ما عاشه أهلها من تشرد وعناء واغتصاب إجرامي لوطن له قداسته ومكانته في تاريخ الأمة العربية، ومهما كانت هذه النكبة، ومهما جرّت من ويلات ومصائب وظلم وسجن وقتل يبقى الأمل كبيراً بعودتها إلى أهلها الحقيقيين، أهل فلسطين الذين فاقوا كل الشعوب بصبرهم وكفاحهم ونضالهم ضد الغاصب المحتل، وضربوا أروع وأجمل الأمثلة على التصميم لاستعادة وطنهم المقدس بشتى وسائل الكفاح، وإن الموت لم يعد يعني عندهم سوى الطريق للعودة، ففلسطين أغلى من الحياة وأعز من الأرواح وأجمل وأبهى وأزهى من العيش في ظل الاحتلال والتشرد، إنها عنوان الكرامة، وما قيمة الحياة بلا كرامة وسيادة.

أما بالنسبة لمشروعي القادم فإنني أُعدّ لإصدار ديوان جديد، وفيما يتعلق بتصوري للمستقبل، فإنني رغم ما أحسه في نفسي من تشاؤم بسبب حال الأمة وانقسامها وانشغالها بالمستجدات التي أصبحت تستنزف طاقاتها وإمكاناتها، رغم هذا وأمام تصميم الفلسطينيين وتضحياتهم وإصرارهم على استعادة بلدهم - فلسطين- فإنني أوقظ الأمل في نفسي وأشعله إضاءة حية في طريق تحرير فلسطين وعودتها إلى أهلها، مهما طال زمن الاحتلال ومهما امتدّ وجود اليهود الباطل على ترابها الطهور، فالحق عزيز على أهله والوطن أغلى ما في حياة الإنسان وليس المهم أن نكون أحياء في أي مكان نكون – بل المهم أن نكون أحياء أو شهداء في أوطاننا ليبقى وجه الوطن باسماً ومشرقاً عندما يروّى بدماء أهله ووفائهم، كي يظل القصيدة الأجمل والأنشودة الأحلى كي لا تُستعذب الحياة ولا تطيب إلاّ فيه.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش