الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أنا عمّاني

رمزي الغزوي

الأحد 8 أيار / مايو 2016.
عدد المقالات: 1958



أنا لندني، هكذا صدح صديق خان عقب فوزه بمنصب عمدة هذه المدينة ذات الملايين الثمانية. لم يقل: أنا مسلم، رغم فخره بهذا، كما قال غير مرة، ولم ينسَ أيضاً أن لديه أصول باكستانية. ولكنه تمثل النقطة الحاسمة التي جعلته يتسنم هذه المكانة الكبيرة. أنا لندني بريطاني أشجع ليفربول، وأب وزوج.

لم يكن، ولن يكون التنافس على منصب عمدة لندن دينياً أبداً، وإلا لما كان أبرز المرشحين يهودي، وآخر مسلم. الفيصل في هذا الجوهر يبقى خارج إطار الدين والعرق واللون. فالمدينة لا تحتاج لمن يصلي، قدر حاجتها إلى من يصل الليل بالنهار يفكر ويبني. والمدينة ليست بحاجة لعظاميين يبجلون عظام أجدادهم في تربة القرية التي هاجروا منها قبل قرن أو أكثر. المدينة تريد من يحبها، وينتمي إليها.

في عمان التي تمتلك نصف عدد سكان لندن تجد قلة قليلة يبادرون القول إذا ما سألته من هو. إنه عمّاني. لم أسمعها طيلة العشرة سنوات الماضية إلا نادراً. بل سيقول لك ليس على سبيل الحصر: أنا كركي، عجلوني ، ربداوي، سلطي، عراقي، بوسني، يمني مصري. لا أحد منا يفكر في مدينة يعيش خيرها ويتأبط جبالها، وينعم بفجرها الأخّاذ، حينما تمنحنا فضاءها الجديد كل يوم. مسكينة عمان. خبز شعير هي، مأكولة مذمومة.

المدن، كما المَدنية أو الحضارة، لا تقوم على الإنحيازات الدينية، أو العرقية وإلا لما وصل أوباما، إلى ما وصل إليه، ولما كان خان عمدة لأعرق المدن. إنه الولاء المطلق، ليس للماضي حينما يكون معيقاً. بل لمستقبل يُبنى على حاضر لا يؤمن إلا بالعمل، والقدرة عليه.

لن أطرح السؤال الإفتراضي: هل سيتبوأ ذو أصول غير عربية أو غير إسلامية مناصب كبرى في مدننا العربية. فهذا سؤال بلا معنى في ظل ما نحياه من نزوع عظامي ماضوي. ولكني أتمثل أهل لندن حينما لم ينظروا إلى ديانة صديق أو عرقه، بل نظروا إلى ما يملك من مقومات لا تزدهر إلا بها المدن. إنه الولاء بعيدا عن الخطابة والشعارات. فهذه هي الأشياء التي تجعل المدن قابلة للحياة.

لا أعتقد أننا، ولو بعد مائة عام سنسمع شاباً يقول: أنا عمّاني. حتى لو كان أبو جده ولد في جبل التاج، أو في المقابلين، بل ستجده يمد جذره إلى قرية لم يرها ويبني عليها ولاءه. هؤلاء يسكنون عمان يا صديق. يسكنونها كفندق أو شقة مفروشة. ولا يحيونها ولا يتركونها تحياهم. وهنا لا أدعو إلى تجاهل الجذور، بل إلى التفكير أكثر بالأغصان المورق التي ترتفع في سماوات الأكسجين لتنتج عملا وعلا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش