الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

احمد ابو حليمة لا لزنا لاجئين تسكننا ذكريات الطفولة وننتظر العودة

تم نشره في الأحد 15 أيار / مايو 2016. 08:00 صباحاً

مع ان عمره لم يتجاوز الأربع سنوات عندما وقعت نكبة فلسطين 1948، الا ان ذاكرته لم تنس تفاصيل صغيرة ودقيقة عن قريته والهجرة واللّجوء بعد 71 عاما، وفيما يلي توثيقه لذلك:» مسقط رأسي عام 1944مكان اسمه قرية العباسية قضاء يافا/فلسطين والاسم الثاني لمدينة يافا هو عروس البحر الابيض المتوسط، والعباسية قريبة جدا منه، تشتهر بالزراعة بجميع انواعها؛ بيارات الحمضيات بانواعها وانواع اخرى من الاشجار وتشتهر ايضا بزراعة الذرة بنوعيها الابيض والاصفر كما وتشتهر بكثرة المقاثي وزراعة السمسم والبقوليات بانواعها. وبخصوص المواصلات: يمر من العباسية الشارع الرئيسي الدولي الذي يبدأ من مدينة القدس مارا بمدينة اللد مارا بقرية العباسية وينتهي بمدينة يافا. وايضا يمر بقرية العباسية سكة حديد تأتي من اوروبا وتنتهي بمدينة بورسعيد على قناة السويس في مصر ويتخلل قرية العباسية عدة شوارع وازقة غير معبدة وفيها محلات تجارية تخدم متطلبات القرية.

كما ويوجد فيها مقام النبي هود عليه السلام وفيها مدارس بنين وبنات، ومدرسو خاصة ايضا، وفيها مدرسة زراعية ثانوية. ويتكون نسيج اهالي العباسية من خمس حمايل والحمولة اصغر من العشيرة والآن يوجد مقر لقرية العباسية يسمى رابطة اهالي العباسية في مدينة عمان العاصمة.

والان استطيع فرز الفترة من قبل عام 1948م وما بعد عام 1948م الى فترتين واطلق على الفترة قبل عام 1948م فترة التذكر والفترة الثانية او الاخرى الى فترة الرحيل من العباسية.

1- الفترة الاولى/فترة الذاكرة والتذكر

يقع بيتنا في العباسية (ومفتاحه معنا حتى الآن) على الشارع الرئيسي والذي ذكرته آنفا وما زال موجودا الى الآن في العباسية ولا زالت البيارات موجودة، ويسكن في بيتنا الآن يهود من اليمن، ويقع مقابل بيتنا في العباسية مسجد كبير ولا زال موجودا وكنت اذهب اليه مع ابي و جدي لوالدي الى البيارات الشمالية والبيارات الجنوبية (القبلية)، وكنت اذهب مع ابي الى مدينة يافا عندما يقوم بتصدير منتوجات بيارات الحمضيات عن طريق ميناء يافا الى اوروبا.

بعد العام 1945 تشكلت هيئة الامم المتحدة بعد زوال عصبة الامم التي وقعت في فترتها الحرب العالمية الاولى، ونتيجتها انهزمت المانيا وتركيا ومن المعروف ان تركيا كانت تحكم المشرق العربي ومصر والسودان ومن المشرق العربي كانت فلسطين بكاملها ونتيجة انهزام تركيا فان عصبة الامم اتخذت قرارا بانتداب بريطاني وصية على فلسطين، وكان موجودا في فلسطين آنذاك مطار اللد ، رأت بريطانيا ان هذا المطار صغير ولا يفي بمتطلبات الحرب ومخططات اسرائيل المستقبلية ، فقررت توسعته كي يكون مستعدا لاستقبال أكبر عدد من الطائرات. والتوسعة هذه تحتاج الى ارض، وعن طريق سؤال الحاكم العسكري البريطاني لدائرة تسجيل الاراضي في مدينة القدس عن البيارات المجاورة للمطار ومن يملكها، عرف الحاكم ان هذه الاراضي تعود لعائلة ابو حليمة ، فارسل  اليهم طالبا منهم ان يختارو من بينهم رجلين او ثلاثة للحضور الى مقر الحاكم في القدس، وفعلا ذهبوا الى هناك، فعرض عليهم ثلاثة عروض كي يعطوه الارض: «1- ان نشتري ما يلزمنا من الارض لغرض التوسعة. 2- استئجار هذه الارض لفترة زمنية طويلة . 3- او اخذها بالقوة اذا لزم الامر . فما هو رأيكم؟». فاخبروه برفضهم الحلول الثلاثة، لانهم هم من يملكونها وسندات باسمهم من عهد الدولة العثمانية وانهم لن يكترثوا.  وبالفعل اقتطع الحاكم البريطاني شريطا من البيارات على طول المطار (مطار اللد) ، وهذه المعلومات موثقة شفويا وكتابيا وظل رجال العائلة يتداولونها ويقصونها على ابنائهم كي لا ينسوا .

ومما اذكره تماما ولا انساه لحتى الان حادثة استشهاد ابن عم ابي الحاج حسين ابو حليمة اثر عملية قتالية حصلت بين المجاهدين من العباسية وبين المستوطنين اليهود في مكان اسمه (تلة فنكسي) وهذه مستوطنة موجودة قرب العباسية وحصلت المعركة عام 1948م ، خرجنا لعدة ايام ، كما قيل لنا، وتنقلنا في عدة قرى مجاورة لحين ان يهدأ الوضع، واذكر ايضا عندما توقف القتال واعلنت الهدنة المؤقتة عدت مع ابي الى العباسية اثناء هذه الهدنة ودخلنا بيتنا، وقام ابي باطعام الدجاج والذي كان لا يزال موجودا وقتها ويقدر عدده بحوالي (500) طير دجاج بلدي، حيث قام باخذ بعض اكياس القمح والطحين بما يكفينا قوتنا لعدة اسابيع( على اساس ان طلعتنا منها لن تطول)، واخذ بعض جرار الفخار المطلي مليئة بزيت الزيتون من مزارعنا في العباسية وذهبت معه الى البيارات الشمالية والقبلية وقام بتشعيل الموتورات التي تسحب الماء من باطن الارض وتعبئتها في البرك الموجودة في البيارات الشمالية والقبلية، وكان موجود عندنا بقرتين نوع هولندي وحصانين وسيارة ترك نوع شفرلية امريكي وكان لدى عائلة ابو حليمة في العباسية قبل عام 1948م تركتورات عدد (2) D6 امريكي لخدمة اراضي العائلة في العباسية.

 وحصلت الهجرة عام 1948م.

وهناك ذكريات من طفولتي في فلسطين احب ان اقصها دوما، حيث كان في بياراتنا برك ماء مستديرة ضخمة ويتبع لها ماتورات لسحب المياه من باطن الارض وتصبه في البركة، وايضا ارتباطي بالبقرتين الهولنديتين ، ومطاعم يافا حيث كان يصطحبني ابي معه لنأكل هناك. واذكر جيدا انه عندما يكون مشغولا يذهب ويشتري شاندويش كباب. واذكر جيدا ميناء يافا، واذكر جيدا عندما عدنا الى بيتنا في الهدنة وجدنا غرفة واحدة من بيتنا منسوفة اذ قصفه اليهود بالمدفعية، وباقي البيت سليم، واذكر آنذاك انني اثناء وقوفي على انقاض غرفة الضيوف وجدت صحن طعام صيني حجم كبير فاخذته واعطيته لابي ، وهاجر معنا هذا لصحن واستخدمناه حتى اواخر السبعينات. واذكر عندما كان يصطحبني الى سوق العباسية ويشتري معلبات سمك كبيرة اسمها « نكيردة» والاخرى «بلميضا» والفلافل المحشي المقلي بزيت السيرج. واذكر العمال المصريين الذين كانوا يعملون في بياراتنا ويتناولون معنا الطعام يوميا. كل ذلك اذكره تماما كانه اليوم ولم تمر عليه السنوات، عشت طفولة حقيقية واذكر شيئا جميلا  في موسم البرتقال حيث كانت زوجة عمي اخو والدي تمد يها من الشباك وتقطف لي حبة برتقال ، فهل ياترى سيتكرر هذا الموقف الجميل ونعود وتتجدد ذكريات طفولتي وتتعانق مع شيخوختي.  كما واريد ان اشير الى مقهى عائلةابو حليمة في العباسية والذي كان يقع على الطريق الرئيسي الدولي الذي يبدأ من القدس مارا بمدينة اللد وبالعباسية وينتهي بمدينة يافا وهذا المقهى لا يبعد عن بيتنا، وكان عمي الحاج محمد ياخذني معه الى المقهى ، وكان لعمي الحاج محمد ولدان ، البكر يونس والاصغر عيسى ، ام يونس فاذكر قصة موته المفجعة حيث كان يدرس في مدينة اللد في المدرسة الثانوية، وفي احد الايام كان واقفا على الشارع الرئيسي المذكور آنفا بانتظار الباص الذي سيوصله الى المدرسة، بمجيء سيارة مسرعة للجيش البريطاني ودهسته ومات على الفور.

واذكر حذّاء الخيل الذي كان يحذو لنا زوج الخيل . واذكر طوابين الخبز والحصيدة وقطف الزيتون والحمضيات.

ومن أهم المعالم التي اذكرها في طفولتي في العباسية، مبني ديوان عائلة ابو حليمة. وهو مقام على ارض مساحتها خمسة دونمات، وعلى مدخل الديوان حجر كبير مستطيل الشكل منقوش عليه كلمات مازلت اذكرها: «مشرّعات ابوابها والمجد فوق عتابها هالدار عاطول الزمان والله محسوب حسابها». وكان هذا النظام مبنيا على نظام القبب والاقواس القديمة ( العقدة) .

2- الفترة الثانية وهي فترة الهجرة والرحيل من العباسية عام 1948م.

رحلنا من العباسية واول محطة لنا كانت بلدة رنتيس فجلسنا فيها بعض الوقت ثم رحلنا الى مزارع النوباني فجلسنا بعض الوقت ثم رحلنا الى مدينة رام الله، فجلسنا بعض الوقت ثم رحلنا الى مادبا في شرق الاردن، فجلسنا عند عائلة الحمارنة في مادبا ولنا (اي عائلة ابو حليمة) مع عائلة الحمارنة معرفة وصداقة حميمة تمتد منذ عام 1920م وحتى عام 1951م اي علاقة قوية امتدت اربة عقود من الزمن فجلسنا عندهم بعض الوقت ثم رحلنا الى عمان وما زلنا ننتظر العودة الى العباسية وما زلنا نسمى لاجئين.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش