الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مائة عام على النهضة وسبعون عاماً من الاستقلال والاستقرار

تم نشره في الأربعاء 1 حزيران / يونيو 2016. 08:00 صباحاً

أ. د. أمين مشاقبة



تحتفل المملكة الأردنية الهاشمية بمرور مئة عام على انطلاق الثورة العربية الكبرى عام 1916 والتي استندت إلى مبادئ الحق والحرية والعدل والوحدة، والحفاظ على العروبة والدين ويبقى الأردن يحمل الراية الهاشمية إيماناً بهذه المبادئ الأساسية والتي تقوم فلسفة وخطاب النظام السياسي عليها من أجل رفع راية العروبة، والدفاع عن القضايا المركزية وبناء التضامن العربي الذي يخدم مصالح الأمة ويحافظ على وجودها بعد التشويه الذي حصل في العقود الأخيرة.

ان احتفالات المملكة بمئوية النهضة يؤشر على التزام الأردن بهذه المبادئ العروبية الأصيلة ويبرز استمرار هذا النهج القويم والإنجازات التي تحققت.

إن حامل لواء الإنجازات لهذه النهضة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين يسير على الدرب واثقا من خطواته، حريصاً على كرامة المواطنين وعزتهم وعزة الوطن ورفعته ومدافعاً عن كرامة الأمة وقضاياها في جميع المحافل الدولية والإقليمية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وعروبة القدس الشريف.

ان استقلال الأردن ومرور سبعين عاماً على تحقيقه يعني انبثاق الإرادة الوطنية الحرة للبلاد وقدرتها الفعلية على اتخاذ قراراتها دون مؤثرات خارجية وتحقيقاً للمصالح الوطنية العليا. إن نشوء الأردن في عام 1921 هو انبثاق من سياق النهضة بقيادة الهاشميين، وان استقلال الأردن عام 1946 نابع من مسار النهضة.

سبعون عاماً مرت على الاستقلال والأردن يحقق باقتدار معادلة النجاح -والاستمرار- والاستقرار، فالأمن والاستقرار السياسي هو ديدن الدولة الأردنية التي تقع في محيط ملتهب تتجاذب أطرافه وقلبه الصراعات والإرهاب والتفكك، ويتحمل الأردن انطلاقاً من عروبته وإنسانية نظامه وأخلاقية شعبه تبعات تلك الصراعات في كل من العراق، وسوريا، وفلسطين وغيرها من البلاد العربية، فالأمن والاستقرار يقوم على عدة عوامل توافرت في بيئة النظام وتاريخه.

إن المجتمع المستقر لا يعني ذلك المجتمع الذي لا نظهر فيه أي تعبير عن شعور التذمر نحو الحكومة أو الأنظمة القائمة والذي لا تنتهك فيه حرمة القانون أبداً إنما الاستقرار هو نسبي وهو عملية انتقال السلطة بطريقة شرعية (قانونية) وسلمية، والاستقرار يرادف غياب العنف السياسي والنظام السياسي المستقر هو ذلك النظام الذي يسوده السلم وطاعة القانون، وتتخذ القرارات فيه بإجراءات مؤسسية والأردن عبر تاريخه السياسي، عانى من حالات عدم استقرار لكن النظام حافظ على استمراريته واستقراره النسبي وبالذات في مرحلة الربيع العربي وما بعدها، وعليه فإن هناك عدة عوامل ساهمت في تعزيز الاستقرار السياسي في الدولة الأردنية وهي، شخصية الملك وسلوكه السياسي، دور المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية الأخرى، البنى الاجتماعية السائدة وحالة الانسجام الاجتماعي، ومركزية النظام أثناء الأزمات ويضاف إلى ذلك عاملان مهمان هما: ارتفاع درجة التكيف السياسي وازدياد درجات الوعي السياسي لدى المواطن الأردني.

إن السلوك السياسي للقيادة الهاشمية ممثلة بالملك عبدالله الثاني التي تتمتع بشرعيات عدة منها الشرعية الدينية، والشرعية القومية (كقيادة للثورة العربية الكبرى) وشرعية تاريخية للعائلة الهاشمية ودورها على مستوى المملكة والوطن العربي، ومن المعروف أن الملك عبدالله الثاني يمتلك إرادة سياسية قوية من الإصلاح السياسي وتطوير بنية النظام السياسي القائم، وعلى الرغم من المحيط الملتهب والأوضاع الاقتصادية السائدة إلا أن الملك يمضي قدماً في إجراءات الإصلاح السياسي في مختلف الجوانب، ويمتاز الملك بالعقلانية والحكمة والوضوح في التعامل مع مفردات الإصلاح وفي هذه العجالة سنتحدث عن عاملين من عوامل الاستقرار السياسي في الدولة الأردنية هما: درجة التكيف السياسي للنظام، وارتفاع درجات الوعي السياسي لدى المواطن الأردن.



درجة التكيف السياسي



التكيف السياسي Political adaptation هو قدرة النظام السياسي على التكيف مع المتغيرات الداخلية والخارجية من أجل الاستمرار، وهو كذلك صيرورة ترسيخ المعتقدات والقيم المتعلقة بالسلطة والانتماء للدولة، ولا يوجد نظام سياسي يكون قابلاً باستمرار الحياة السياسية دون ترسيخ الحد الأدنى من المعتقدات المشتركة المتعلقة بشرعية الحكم وأهمية تطابق قيم النظام مع قيم الناس، وعليه فإن بناء ثقافة سياسية كجزء من الثقافة العامة مرتكزة على الأبعاد المتعلقة بمعرفة مفردات النظام من دستور وقوانين وبنى وهياكل، ومعرفة رموز الدولة وتقديرها واحترامها، والقدرة على نقد أداء الحكومات أو تقييم الأداء، ويسعى التكيف إلى سيرورة تعبئة أو خلق الدعم الإيجابي للنظام والقائمين عليه، والتكيف السليم يقود لبناء الخضوع للقوة المشروعة لدى المحكومين بما يؤدي لاحترام القانون والانصياع له مع توفر حالة الرضاء النفسي، ويعمق هذا قيمة الانتماء للدولة وتعزيز الاعتزاز الوطني.

وبالنظر إلى أنماط التكيف السياسي فهي تتمثل بـ: نظام سياسي يسعى لتحقيق الاستقرار، نظام سياسي خلق الوسائل لحل الصراعات والنزاعات الداخلية بأطر قانونية، نظام يسعى للتطوير والتحديث أو الإصلاح السياسي، ونظام سياسي متجدد نسبياً ضمن حدود معينة، هذا ويتمتع النظام السياسي بتوفر معظم الشروط المتعلقة بالتكيف من بناء دستوري ووجود هياكل وبنى ومؤسسات تستند إلى الدستور والقانون، والقدرة على تلبية الاحتياجات والمطالب المتجددة، والتمسك بالرضاء بهذه المطالب التي يخلقها النظام للحفاظ على الشرعية والتي تقود إلى استمرار النظام السياسي، وإن هذه العوامل تدعم حالة الاستقرار السياسي للدولة، وباعتقادنا أن هناك معادلة ترتبط بالنجاح والإنجاز مما يؤدي إلى الاستقرار السياسي وبالتالي استمرارية النظام.

إن المطلع على التاريخ السياسي للأردن يرى أن النظام القائم يتمتع بدرجة كبيرة من التكيف السياسي الذي أدى إلى الاستقرار السياسي النسبي، وبالتالي فإن عامل التكيف السياسي هو من عوامل الاستقرار السياسي للدولة.

إن عملية الإصلاح السياسي بدأت قبل بدء الربيع العربي بعدة عقود، فمنذ عام 1989 تم تجميد العمل بالأحكام العرفية وإجراء الانتخابات النيابية للبرلمان الحادي عشر وشرع النظام إلى إصدار وثيقة الميثاق الوطني في 9 نيسان 1990، وهو وثيقة سياسية من أجل توضيح للمسيرة السياسية وإرساء قواعد العمل الوطني العام وتحديد مناهجه، وإيجاد نواظم عامة لممارسة التعددية السياسية والأسس الديمقراطية من أجل بناء مجتمع مدني ديمقراطي، وهو كذلك إطار فكري وسياسي شامل ينظم العلاقة بين مؤسسات الحكم والمجتمع بكافة مستوياته.

إن توفر الإرادة للقيادة سعت للتأسيس لمنظومة قانونية جديدة من قانون أحزاب سياسية رقم 32 لسنة 1992، وقانون مطبوعات ونشر رقم 10 لسنة 1992، وغيرها من القوانين التي تشكل جوهر التكيف السياسي مع المتغيرات، وتأسيس هيئة مستقلة لمكافحة الفساد عام 2006، واستمر النظام على هذا النهج بمرونة عالية رغم كل الاختلالات والصعاب.

إن الربيع العربي دفع بالنظام إلى مزيد من التكيف مع المتغيرات المتسارعة بالتأسيس للعديد من الإصلاحات بدءاً بتعديل ما يقارب من 42 مادة في الدستور عام 2011، وإنشاء المحكمة الدستورية استناداً لقانون المحكمة رقم 15 لسنة 2012، وإنشاء الهيئة المستقلة للانتخاب بقانون رقم 11 لسنة 2012، وقانون الأحزاب السياسية رقم 16 لسنة 2012، وعمل منظومة النزاهة الوطنية عام 2012، وتعكف الحكومة اليوم بإرسال مشروع قانون اللامركزية لمجلس النواب في دورته الاستثنائية المنعقدة في 1/6/2015، كذلك تعديل قانون البلديات، ومشروع قانون الأحزاب السياسية لعام 2015.

كل هذا يدفع إلى القول إن حالة التكيف السياسي مع المتسارعة للنظام السياسي الأردني أدت إلى تحقيق درجة عالية من الاستقرار السياسي النسبي، وبالتالي فإن حالة التكيف السياسي هي عامل من عوامل الاستقرار السياسي للدولة الأردنية.



الوعي السياسي لدى المواطن الأردني



ان التغيرات السياسية التي حصلت في المملكة خلال العقدين الماضيين من زيادة في مستوى التعليم العام والتعليم العالي وتخفيض مستويات الأمية بشكل كبير، وازدياد وسائل الاتصال الجماهيري القادم من ثورة تكنولوجيا المعلومات(الإنترنت، وسائل الإعلام المختلفة، الإعلام الإجتماعي، المواقع الإلكترونية، الفضائيات وغيرها).

يضاف إلى ذلك التحول الديمقراطي السلمي وبناء منظومة قانونية ناظمة للحياة الديمقراطية بمختلف جوانبها وتأسيس هياكل جديدة ذات وظائف محددة، وبصورة نسبية ارتفاع مستوى الحرية، والمساواة، والعدالة وسيادة القانون والتي ساهمت في ارتفاع درجة المؤسسية في النظام، وارتفاع قدرته على التكيف والاحتواء، كل ذلك ادى إلى ارتفاع درجة الوعي السياسي لدى المواطن الأردني، اي ان الادراك السياسي بالأحداث والقضايا على كافة الأصعدة ارتفع بدرجات عالية، وبذا اصبح الوعي السياسي لدى المواطن الأردني لديه كل المكونات الأجتماعية عاملاً اساسياً من عوامل الأستقرار السياسي والأمني للدولة.

ان فهم معطيات الواقع السياسي للحالة الأردنية اولاً لدى الفرد على صعيد معرفته التامة بالأوضاع الاقتصادية التي تعيشها الدولة، وتقبله نسبيا ارتفاع كلفة المستوى المعيشي، على الرغم من ادراكه لواقع الغلاء والتضخم وتدني القوى الشرائية للعملة الوطنية مقابل العملات الصعبة، وتحمله وصبره على العديد من الاختلالات البنوية في الإدارة من ضعف وتدني الانجاز الاداري والبيروقراطية بإطارها السلبي، وازدياد الدين العام الخارجي، وتعايشه مع العديد من السلبيات في المجتمع والدولة من اجل الحفاظ على حالة الأمن والاستقرار في كافة ارجاء المملكة.

ان نعمة الأمن والاستقرار السياسي وغياب عوامل عدم الاستقرار من الحالة الأردنية، تقف على وعي الفرد والمواطن بالحالة بكل تجلياتها وابعادها، فبعد احتلال العراق في ابريل 2003 سقطت الدولة العراقية بكل مكوناتها وهياكلها ومؤسساتها ولعبت عوامل خارجية على فرض عملية سياسية فاشلة لغاية اليوم إلى انجراف المجتمع العراقي نحو حرب طائفية عرقية مذهبية تم تغذيتها من العديد من المكونات الداخلية والدول ذات المصلحة في ذلك، فغاب الاستقرار السياسي والأمني عن العراق طيلة الفترة الزمنية الماضي ولا زال ومع ظهور التيارات الجهادية السلفية (داعش) وغيرها ازدادت مستويات العنف، وأصبحت الدولة العراقية فاشلة وتعاني ما تعانيه من قتل، ونهب، وتهجير، ونزوح، وفساد، وصراعات مستمرة ربما يطول اكثر، وهذا كله كان امام عين المواطن الأردني.

وجاء بعدها الربيع العربي الذي بدأ في تونس، وامتد إلى مصر. وليبيا ومن ثم اليمن، وسوريا، والأحداث جميعها اثرت بنسب ودرجات متفاوتة على عقل المواطن الأردني، ومستوى إدراكه السياسي، وعلى الرغم من الاستقرار النسبي الذي حصل في كل من تونس، ومصر، الا ان اكبر الأحداث تأثيرا على الحالة الأردنية ما يجري في سوريا من دمار وقتل وتهجير ونزوح ولجوء وشهد المواطن الأردني بأم عينيه هذا الأثر الماثل امامه وفي عقر داره من اللجوء السوري الذي فاق عدده المليون والنصف المليون في الأردن وحدة، علما بأن دولاً اخرى مجاورة وصلها اللجوء وبالذات لبنان، وتركيا، ومصر، اذ ان عدد المهجرين بسبب الحرب الدائرة هناك وصل ما يزيد عن اربعة ملايين مواطن.

وفي تلك الفترة من الزمن ظهر حراك شعبي اردني في العديد من المحافظات مطالباً بالاصلاح السياسي، ومكافحة الفساد وتحسين المستوى المعيشي، وتحسين الادارة العامة، واحداث تغيرات عامة في بنية الدولة وقابل الحراك السلمي الأردني حالة من التكيف السياسي العالي المستوى في الاستجابة التدريجية لإحداث اصلاح سياسي حقيقي بدأ بالتعديلات الدستورية عام 2011 وغيرها، ناهيك عن ان التعامل السلمي من قبل قوى الأمن والأجهزة ذات العلاقة كان تعاملا يقوم على الاحتواء بعيدا عن استخدامات العنف أو القوة، فالأجهزة الأمنية على مختلف مستوياتها تعاملت بطرق حضارية سلمية مستخدمة اعمال القانون والاتجاه إلى سلطة القضاء لتقول قولها العادل والنزيه في معظم القضايا التي عرضت امامها، وكل هذا ادى إلى تراجع الحراك في كافة مناطق المملكة وتلاشيه وفي هذا الصدد كان للقيادة الحكمية العقلانية، الراشدة الدور الأساسي في احتواء الحراك الأردني والتعامل معه بأرقى المعايير الموضوعية والحضارية والاستجابة لما يمكن تحقيقه ضمن القدرات والامكانات المتاحة.

ان احداث الإقليم في سوريا، العراق، اليمن، ليبيا واستمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي اثرت جميعها على عقل المواطن الأردني الواعي في فهم قيمة الأمن والاستقرار السياسي للدولة، فإن العامل الخارجي وما به من فوضى، وقتل، وخراب، وهجرات، وغياب قيم العدالة والانصاف اسهم اسهاما كبيرا في رشادة عقل المواطن وادارته العقلي بأهمية مفهوم الأمن الشامل لديه، وعزز من قدرته على التعايش رغم ادراكه السياسي بالاختلالات والاخفاقات الداخلية وحالته العامة.

عودة إلى اسباب الوعي والادراك السياسي لدى المواطن والتي من الممكن ايجازها بما يلي:



أولاً: التعليم وازالة الأمية:



تطور التعليم العام بالمملكة بشكل مذهل لأن الموارد البشرية هي ركن اساسي من مكونات الدولة وقدراتها وامام نقص الموارد الطبيعية عمل المواطن على بناء نفسه وسهلت الدولة عليه ذلك في توسيع قاعدة التعليم العام وللمقارنة تشير المصادر التاريخية عن عدد الدارسين على مقاعد الدرس في التعليم العام والخاص عام 1934 وصل إلى 11 الف طالب وطالبة واليوم يجلس على مقاعد الدرس في التعليم العام ما يزيد عن مليون وسبعمائة الف طالب وطالبة، وفي مجال التعليم العالي بدأنا عام 1962 بتأسيس اول جامعة اردنية بدأت بما يقارب 340 طالبا وطالبة وأصبح لدينا الأن ما يزيد عن 33 جامعة حكومية وخاصة يجلس على مقاعد الدرس فيها ما يربو عن 320 الف طالب وطالبة، ناهيك عن وجود ما يقارب 28 الف طالب في التعليم المهني والتقني بالأضافة إلى كليات المجتمع الحكومية والخاصة، ويضاف إلى كل ذلك ان نسبة الأمية في تراجع كبير على المستوى العام اذ تصل إلى 6،8%، وعليه فإن التعليم والمعرفة والقدرة على الكتابة والقرأة عامل مهم في زيادة مستويات الوعي والأدراك العام لدى المواطن الأردني في مختلف ارجاء المملكة وكافة المكونات الاجتماعية والوعي والادراك السياسي للواقع والأحداث هو احد فروع الوعي العام.



ثانياً: وسائل الاتصال الجماهيري



 قبل ثلاثة عقود ظهرت على المستوى العالمي ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات التي ما لبثت ان اكتسحت العالم اجمع، ومنها الأردن فإن التغير في هذا المجال اصبح متسارعاً خصوصاً في العقد الأخير، فقد اثرت على المواطن الأردني هذه التغيرات المتسارعة في مجال تكنولوجيا المعلومات وأصبحت جزءا من النظام التعليمي على كل مستوياته وأصبح من السهولة بمكان التعامل مع هذا التقدم التكنولوجي الاتصالي الذي زاد من مستويات التعليم والمعرفة وتوسيع مدارك الفرد، فظهور الفضائيات والمواقع الالكترونية العامة والمتخصصة، والانترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي ساهمت وسارعت في زيادة درجات الوعي والإدراك لدى المواطن الأردني وخصوصا النشء الجديد، أخذين بعين الاعتبار ان 53% من ابناء المجتمع الأردني دون سن العشرين وحسب الدراسات في هذا المجال هناك 40% من ابناء الشعب يملكون اشتراك في الأنترنت و62% لهم تواصل مع الانترنت من خلال مواقع عملهم، وما يزيد عن 12 مليون اشتراك خلوي وتطور وسائل الاعلام سنويا كل هذا وغيره في هذا المجال زاد من درجات المعرفة والادراك للعديد من القضايا والأحداث على المستويين الداخلي والخارجي وسرع في وصول المعلومة والاطلاع عليها للمواطن ان هذا العامل هو سبب رئيس في زيادة درجات الوعي والادراك العام بما فيها الوعي السياسي.



ثالثاً: موجة الديمقراطية الثالثة

مع بداية الثمانينيات من القرن المنصرم ظهرت على الساحة العالمية موجة ديمقراطية ثالثة تقوم على الحريات العامة، وحقوق الانسان، وقواعد الانصاف والعدالة، ونشر القيم الديمقراطية الأساسية مثل الحرية، والعدالة، والمساواة، وكرامة الانسان، وحقوق المرأة والطفل وهي منظومة متكاملة سعت العديد من الدول والمنظمات الدولية المتخصصة على نشرها عبر وسائل متعددة، وقد تأثر عقل المواطن الأردني بهذه القيم وازدياد درجات الوعي والأدراك السياسي بها وأصبحت نسبياً جزءا من منظومة القيم العامة المتعامل بها يوميا، ناهيك عن دور المناهج التعليمية، ووسائل الاتصال الجماهيري المختلفة والندوات والمؤتمرات والحراك الفكري في هذا السياق أدى لاعلاء شأن وقيمة هذه المضامين التي يسود نسبياً جزء منها في عقل المواطن الأردني، يضاف إلى ذلك التحول الديمقراطي التي تمر بها البلاد منذ عام 1989 وما انجز في هذا المجال في الإطار التشريعي القانوني، وتجديد الهياكل والبنى والمؤسسات، والتغير الطفيف في منظومة القيم الاجتماعية، بالاضافة إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية على المستويين الوطني والمحلي، كل هذا ساهم مساهمة مباشرة في زيادة وارتفاع درجات الوعي والادراك السياسي لدى الفرد الآردني.



رابعاً: الاعتزاز الوطني (الانتماء اولا)



 ان الشعب الأردني عموما لديه اعتزاز عال بوطنه ونظامه السياسي وهذا جزء من الثقافة السياسية العامة التي تعتمد على ثلاثة ابعاد هي البعد المعرفي في النظام ومكوناته، والبعد الشعوري الرمزي في احترام رموز الوطن والمشاركة في الاحتفالات الوطنية، والبعد التقيمي الذي يقوم على قدرة الفرد في تقييم اداء مؤسسات النظام ايجابيا أو سلبيا. أن الانتماء هي عملية انتساب الفرد لوطنه  الموئل والمكان الأول  متفاعلا معه قولا وفعلا وعملا واستعداده للوقوف معه والدفاع عنه في السراء والضراء، والانتماء هو ذلك الشعور والاحساس بالانتساب لوطن وشعب وثقافة وهذا يتم التعبير عنه بالجنسية  المواطنة  ويستدل على ذلك بالمشاركة الايجابية في كافة انشطة المجتمع والدفاع عن مصالح الوطن والشعور بالفخر والاعتزاز بهذا الانتماء والحفاظ على الانجازات والمرافق العامة، اما الولاء فهو ذلك الشعور بالولاء والارتباط بنظام سياسي حيث يشعر الفرد بولائه لفكرة، ويعتقد انه يمثله ويتماثل معه، ان هذا العامل هو جوهر حياة الأردنيين الذي ساهم بزيادة وعيهم السياسي وادراكهم الكامل بالحفاظ على حالة الأمن والاستقرار ومعها مبدأ الوجود والاستمرار تحت مظلة الاعتزاز الوطني العالي، ومن المعروف ان الاعتزاز الوطني يزداد في فترات الأزمات والضيق ولذا فإن وعي المواطن الأردني عال في هذا المجال ناهيك عن أن النظام السياسي يتمتع بشرعية عالية جدا تقوم على عوامل تاريخية، ودينية وقومية وإنجاز متواصل فقيم النظام تتطابق مع قيم الناس. وبناء على ما تقدم يمكن القول إنه تم نحت مفهوم جديد كعوامل من عوامل الاستقرار السياسي في المملكة الأردنية الهاشمية الا وهو الوعي السياسي لدى المواطن الأردني يضاف إلى بقية العوامل الأخرى.

ان ظاهرة الوعي السياسي التي تقوم على الفهم والادراك والرشاد، والحكمة والعقلانية، والمعرفة بالحالة والحدث، والظاهرة تسهم مباشرة في تعزيز حالة الأمن والاستقرار النسبي التي تشهدها المملكة ولا أحد يمكنه اليوم انكار ذلك، وعلى الرغم من وجود اختلالات في الواقع الاجتماعي والسياسي والإداري الا انها تبقى فرعية، وتأثيرها طفيف جدا على الحالة العامة للبلاد، ولا ترقى ان تكون من الظواهر العامة التي تحمل طابع الاستمرارية، والأحداث الفرعية لا يمكن القياس عليها. إن ظاهرة الوعي السياسي العامة لدى أبناء الشعب الأردني على امتداد ساحة الوطن هي ركن اساس ورئيس في حالة الاستقرار السياسي والأمني التي تعيشه البلاد، ونحن اليوم قادرون اكثر مما مضى على حماية الوطن والدفاع عنه نتيجة للوعي الوطني العام بأهمية الحفاظ على معادلة النجاح والإنجاز والاستمرار وجميعها تعود إلى الاستقرار السياسي في الدولة الأردنية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش