الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الحاجة «أم العبد» تحلم بـ«لمّة» رمضان أو العيد مع كامل أبنائها

تم نشره في الأربعاء 25 آب / أغسطس 2010. 03:00 مـساءً
الحاجة «أم العبد» تحلم بـ«لمّة» رمضان أو العيد مع كامل أبنائها

 

رام الله - الدستور - محمد الرنتيسي

مع إطلالة شهر رمضان المبارك والأعياد السعيدة في كل عام ، تجتمع مختلف الأسر والعائلات في العالم ، في "لمّة" جميلة ، تحُن إليها بين الحين والآخر ، في محاولة منها لتعيش لحظات من الفرح ، غير أن هذا غالبا لا يتحقق إلا في مناسبات كهذه. ومن فضائل رمضان والعيد ، أنه يجمع الشمل ، ويبقي على أواصر المحبة والتسامح ، فهو مناسبة يلتقي فيها الآباء والأبناء والأمهات والأحباب ، في أعظم صورة للتواصل بين الأرحام.

هكذا يحتفل العالم بالعيد.. أما في فلسطين فالأمر مختلفاً تماماً ، فلم يبق بيت ، إلا وفيه شهيد أو جريح أو أسير.. وبالتالي فإننا عندما نتحدث عن معاناة عائلة هنا أو هناك ، فإننا نقف أمام نموذج ، ليس إلا. في قرية رنتيس 4000( نسمة) والى الشمال الغربي من مدينة رام الله ، وفي بيت متواضع ، تعيش الحاجة تميمة أبو سليم "أم العبد" البالغة من العمر (75) عاما ، والتي لا زالت تحلم بلقاء يجمعها مع كامل أبنائها في مناسبتي رمضان أو العيد ، منذ بداية الانتفاضة الأولى ، أي ما يزيد عن (20) عاما.

تقول الحاجة أبو سليم ، أن معاناتها بدأت خلال الأشهر الأولى للانتفاضة الأولى ، عندما اعتقلت قوات الاحتلال نجلها شاكر أبو سليم ، (إمام مسجد رنتيس ورئيس مجلسها القروي حاليا) في العام (88) وزجت به في الاعتقال الإداري لمدة (6) شهور ، ليقضي أول أعياده في سجون الاحتلال آنذاك. وفي العام (90) اعتقلت قوات الاحتلال نجلها الأصغر أيمن ، الذي لم يكن يبلغ الـ(17) من العمر ، وكان أن صادف اعتقاله في اليوم الثاني من شهر رمضان لذلك العام ، وصدر عليه حكما بالسجن لمدة (5) شهور ، حيث أمضى عيديّ الفطر والأضحى في السجن بعيداً عنها.

وبعد عامين وتحديدا ، بتاريخ 15( ـ 12 ـ )1992 ، اعتقلت قوات الاحتلال نجليها شاكر وراشد ، ضمن حملة اعتقالات واسعة طالت أكثر من (2000) فلسطيني ، حيث حولت راشد للاعتقال الإداري لمدة (3) شهور ، بينما أبعدت الشيخ شاكر مع (415) آخرين إلى مرج الزهور في جنوب لبنان ، ليقضيا عيديّ الفطر والأضحى في سجون الاحتلال ومرج الزهور.

وتوضح الحاجة أم العبد بأنها شعرت في تلك الفترة بالقلق الشديد على نجلها شاكر ، حالها حال أمهات المبعدين جميعاً ، الذين ظنوا أن إبعادهم سيستمر إلى ما لا نهاية. وما أن أفرجت سلطات الاحتلال عن راشد حتى اعتقلت أيمن ثانية أثناء عودته من كلية (الخضوري) في مدينة طولكرم ، وحكمت عليه بالسجن لمدة (3) شهور ، ليأتي رمضان ، ومن بعده عيدا الفطر والأضحى ، وأم العبد تفتقد أولادها الثلاثة في الأسر والإبعاد.

أفرجت سلطات الاحتلال عن أيمن بعد قضاء مدة محكوميته ، ليعتقل بعدها نجلها الآخر وليد الذي خضع للتحقيق في سجن الفارعة لمدة تزيد عن الشهر ، في وقت أمضى فيه شاكر سنة كاملة في الإبعاد ، وما أن عاد إلى أرض الوطن نهاية العام (93) ، وتحديدا في شهر آذار من العام (94) ، أي بعد أقل من ثلاثة شهور على عودته ، حتى تم اعتقاله ثانية ، وحوّل للاعتقال الإداري لمدة (6) شهور ، ليشهد عيد الأضحى في السجن ، وتبقى أم العبد تنتظر اليوم الذي تجتمع فيه مع كامل أبناءها خلال العيد ، غير أن هذا اليوم سيظل بعيداً.

وما أن اقتربت أم العبد من أن ترى أبناءها مجتمعين في بيتها في أحد الأعياد ، حتى أعاد الاحتلال اعتقال وليد ، ليقضي حكماً بالسجن مدته (18) شهرا ، ليشهد شهر رمضان مرتين وأربعة أعياد متنقلاً بين السجون ، وخلال هذه الفترة تم اعتقال شاكر مرة أخرى لمدة (3) شهور قضاها في الاعتقال الإداري. وبعد أن خرج وليد من السجن وأنهى دراسته الجامعية ، وعمل إماماً لمسجد قرية عابود المجاورة ، قامت قوات الاحتلال باعتقاله من منزله في عابود في العام (97) ، لتزج به في السجن مرة أخرى ، وهذه المرة في الاعتقال الإداري لمدة (3) شهور.

وبعد نحو شهر اعتقلت قوات الاحتلال الشيخ شاكر مرة أخرى وحولته للاعتقال الإداري ، ولم يكد يمضي شهر آخر ، حتى أعادت سلطات الاحتلال اعتقال شقيقهم راشد ، ليجتمع ثلاثتهم في العيد في سجن واحد.

خرج الأشقاء الثلاثة من السجن ، وبدأت أم العبد تشعر بالأمان ، وظنت أنها لن تذهب إلى السجن ثانية لتزور أيا من أبنائها فيه ، لكن الاحتلال كعادته خيّب ظنّها ، حيث اعتقل نجلها راشد في الأيام الأولى لانتفاضة الأقصى الحالية أواخر العام (2000) ، وأصدرت حكمها عليه بالسجن لمدة أربعة أعوام قضى خلالها ثمانية أعياد في السجن.

وبينما كان الناس يستعدون لاستقبال شهر رمضان المبارك من العام نفسه ، أقدمت قوات الاحتلال على اعتقال الأخوين شاكر ووليد في ليلة واحدة ، لتصوم الحاجة أم العبد نهار رمضان بعيدة عن أبنائها الثلاثة ، وليشهد شاكر ووليد عيديّ الفطر والأضحى في سجن النقب ، بعيداً عن شقيقهم الثالث "راشد" القابع في سجن مجدّو.

وفي العام الذي يليه ، وفي نفس الموعد ، وفي ظل الاستعداد لاستقبال شهر الصيام ، أقدمت قوات الاحتلال من جديد ، وللمرة السابعة على اعتقال الشيخ شاكر ، لتحوّله مرة أخرى إلى الاعتقال الإداري وهذه المرة لستة أشهر. ومما ضاعف من معاناة الحاجة أم العبد أن اعتقال نجلها شاكر هذه المرة ، جاء بعد فترة قصيرة انتظرت فيها خروج نجلها راشد ضمن صفقة للافراجات آنذاك ، حيث عدلت سلطات الاحتلال حينها عن قرارها بالإفراج عنه ، رغم ورود اسمه ضمن قائمة الإفراجات ، لتشهد أم العبد رمضانا آخر ، وعيدا آخر ، دون أن تجتمع بأبنائها في هاتين المناسبتين منذ زمن بعيد.

وفي خضم انتفاضة الأقصى الحالية ، اعتقلت سلطات الاحتلال مجددا الشيخ شاكر أبو سليم خمس مرات ، ليقضي شهر رمضان للعام الخامس على التوالي ، وعشرة أعياد أخرى "الفطر والأضحى" ، في السجن ، وتبقى أم العبد تعيش على الأمل. قبل عامين ، أفرجت سلطات الاحتلال عن الشيخ شاكر ، لمدة ثلاثة أيام فقط.. ، لتعتقله ثانية ، ولتحرم والدته من احتضانه في العيد للمرة الأولى منذ (20) عاما ، وليأتي رمضان ، ومن بعده عيد الفطر ، وليقضي أعيادا عديدة في الأسر ، في رحلة اعتقال "إدارية" لم تنته حتى رمضان الحالي.

فصول من المعاناة ، تتجدد يوماً بعد يوم ، وليس لها سوى مدلول واحد ، وهو أن أيا من الفلسطينيين لن يهنأ له عيش ، ما دام الاحتلال جاثم على الأرض الفلسطينية ، فكثيرة هي العائلات التي تتشابه في قصصها وحكاياتها مع الحاجة "أم العبد" ، والحديث عن معاناة عائلة هنا أو هناك ، يعتبر نموذجا للمعاناة اليومية الفلسطينية ليس أكثر.







التاريخ : 25-08-2010

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش