الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نادر هدى. لوعة الذاكرة وعبق الحنين

تم نشره في الجمعة 10 حزيران / يونيو 2016. 08:00 صباحاً

نضال القاسم *



-1-

يؤالف نادر هدى في رثائياته من خلال ديوانيه: (كذلك) لوحته الأولى (كأنه هو) إلى والده، وديوانه (سأعدُّ أيامي بموتِكِ) إلى والدته بين اللغة بوصفها حاضنة لمشهدية الألوان في بعدها المكاني، ودلالتها الحسّية والنفسية، وبين حالات النفس في أطوارها وتقلباتها: الطفولة، الحنين، الغربة، الفقد، فيدخل عالم النص الشعري بغرائبية ممتعة مدهشة. «فالنص وسيلة وأداء يأخذ من حيث ما يتحقق فيه وما ينكشف عنه من أنظمة ثقافية، فحسب مفهوم الدراسات الثقافية ليس النص سوى مادة خام، يستخدم لاستكشاف أنماط معينة تقرر أسئلة الدلالة والامتناع والتأثيرات».

وممَّا يجلل البعد النفسي بالبهاء الأثير حضور المفردة اليومية، والتكرار المحبَّب الذي يجيء على قدر من العذوبة والإبداع والمعاني العميقة، التي تعيدنا إلى: الجذور الأولى، والبئر الأولى، والرؤية الأولى التي تبعث فيه ما تبعث من اللوعة والحنين، ودلالات الأمكنة وألوانها التي تبدو وكأنها واحة يفوح منها العطر العتيق، وتتبدى وكأنها أسرار ذواتنا المكنونة، وقد أكساها الاستحضار الخصب، والتكرار والمفارقة أعمق الدلالات، وأنبل الإشارات.



أن البعد النفسي الأثيري التأثيري الذي يسهم به حسن الإتيان بالمفردة، ويرمي بظلاله النفسية بعيداً، من شأنه أن يكسب النص الشعري ثراءً، فيتماهى منشئ النص وقارئه في علاقة تجعل من النص عنواناً مشتركاً، ومُثُلاً عليا جامعة مشتركة، تصل حدِّ الحسِّ والحدس والرُّؤيا. وهذه رسالة الإبداع -على ما نرى- في أن يتنزل النص من عليائه ليكون حال وأحوال الواقع بأشيائه وأناسه وعلائقه، فيخلد من خلال هذا التماهي، الذي يبعث فيه الديمومة والحياة.

لنتأمل هذا النص تدليلاً على رؤيتنا هذه، ونَكِلُ للقارئ حسن تدبره:

«وحيداً/ في الدائرةِ المغلقةِ/ ودوني الهاتفُ والطُّراقْ/ وفي الركنِ الثالثِ مرآةٌ أَنظرُ فيها/ هل ثَمَّةَ آخر؟/ صباحَ مساءِ الآخر/ ليس إلا حركاتُ الصوتِ، عَبْرَتَهُ/ اللفتةُ، مسحةُ الحزنِ، الشعرُ المنثَّر/ وحيداً.../ وكما كلُّ الفصولِ/ عليك أَن تأَتِلفَ/ ليت أَبي يعلمُ ما بي؟».

أن هذا النص من رثائياته إلى والده، فأنظر كيف ترسم الكلمات مشهديتها، فتتشكَّل لوحات لا متناهية تثريها ملاءة الكلمات المعبّرة (الهاتف والطرَّاق)، وكيف يفسِّر لنا لحظة الاستيعاب العقلي لحقيقة موت والده من خلال المرآة التي يحاورها، فيرى نفسه فيها، أي يرى ذاته في والده، وآنئذ تتصيّر اللحظة القاتلة (وحيداً) فلا يستطيع أن يأتلف، إذ تعوزه السنوات،- كما دلّ دارسي رثائياته- حتى «يسكن روعه، وتهدأ فورة الحزن فيه». أو كما قال قائلهم: «حتى لكأن الذات تتهيأ لرثاء نفسها في رثاء الأخر... وهنا يتوحد المرثي والراثي».

«إن مثل هذه الثنائيات الضدية التي يعتمدها نادر هدى، تسهم في تشكيل الخطاب الشعري ودلالاته النفسية والبلاغية، لتصب في حركية إبداعية عمّقها الفكر والتكامل الوظيفي لقواعد الإنجاز والريادة، فالخطاب في شعريته – على  ما نرى– يتحول، يتمرد، تتكلم الضمائر الحيّة فيه، والصفات النبيلة في وصف الحلم، الذي يلائم نصيحة الوالد الراحل في «أن القيم لا تتجزأ».، ومن هذا المنطلق يصوغ نادر هدى الصورة الشعرية للروح الإنسانية، للوطن، للحبيبة، تماماً كما يصوغ لنفسه المجد والتألق والبيان».

لقد « اقترب الشاعر نادر هدى في مرثياته، من الرصد الدقيق للأحاسيس الإنسانية المضطربة، والمزلزلة بفعل الفقد الذي يؤثر على مكامن الشعر، فيفجرها وتسيح القصائد الحزينة والصادقة بعفوية لافتة. وامتاز في تجربته عن هذه الظاهرة على تجارب جيل الثمانينيات والتسعينيات. ولعلّنا لا نبالغ بالقول، بأن تجربة نادر هدى في المرثيات، تشكل في مجملها حوارية طويلة أو أنشودة جنائزية متعدِّدة الوجوه مع الموت».

قدم نادر هدى، فن الرثاء في معنى ورؤيا لم نعهدها على مستو الشكل والمضمون، في وعاء من لغة هي أقرب إلى لغة التفاصيل اليومية المعيشة التي تلامس شغاف القلب والروح في أثيريتهما الحميمة الطيعة المنسابة، فسهولة الكلمة المفيدة «تكسبها صفتي الشاعرية والاستعمال». فارتفع بحس الأحاسيس والمشاعر وحدسها لتكون جامعاً كونياً، لا تقف دونه الحواجز المكانية ولا الأبعاد الزمانية، لأنه يغرف من سرّ الذات وبوحها رؤيا التشكيل الفني الجمالي، وأبعاده الثقافية الإنسانية، التي تقوض السياقات الثابتة في نظرة الراثي للمرثي من كونه موضوعاً تخلده المآثر، إلى كونه موضوعاً تخلده المشاعر، وعليه كان السؤال بيناً جلياً في: مَنْ يرثي مَنْ؟ حدًّ الدهشة في التماهي بين المرثي والراثي، فإذا هما نفس واحدة، وإذا بنا أمام سياق ثقافي مشترك، هو لساننا وضميرنا، فأم نادر المرثية ووالده في رثائياته ليسا حبساً عليه، بقدر ما هما معنىً إنسانياً: أمُّ كل واحد فينا، وأب كل واحد فينا، لأن الشاعر يترجم بمشاعره مشاعرنا، وهنا مكمن شعرية نادر هدى وشاعريته. ومن هنا نفهم: كيف أن الحزن يُجَمَّل، ويشيّد صروحاً، فإذ الشاعر:

«كالسنونو المهاجر/ كالأرض الموات»

وإذ الأب ملاكاً جميلاً، في حضور الابن (قاسم) سميّ جده:

«تبرٌ موشى وخصبٌ كريم»

وإذ يعزف الشاعر على وتر الوقت ليعدِّد فضائل المرثي في حق سميه الحفيد (قاسم) وبعنوان دال معبر هو (كأنه هو) إذ يقول:

«كأّنَّه هو/ نارُ القرى/ آهةُ كلِّ أوّاهٍ/ عرافُ كلِّ راءٍ/ ميلادُ كلِّ آتٍ/ بوصلةُ كلِّ قِبلةٍ/ غيَّاث كلِّ سهلٍ/ ندَّاءُ كلِّ صعبٍ/ أنهرٌ أنْ تفيضْ/ شمعةٌ أنْ تُضيءْ/ قمرٌ أَن يدلهمُّ الظلامْ/ كأّنه هو/ رسول المحبة، نبي المهابة/ رؤوفُ السلامْ».

تماماً كما العزف على فنية المكان المؤثث بالذاكرة وهيامات الطفولة، عندما يصبح مسرحاً تنداح فيه جدلية الحضور والغياب، وكل منهما ينسرب في معنى واحد فقط هو المثل العُليا في سلالة الجنس الإنساني ومعناه كي يبقى قابلا للحياة التي فُطِرَ عليها.

-2-

ارتبطت رثائيات نادر لأمه – كما والده – بأدق التفاصيل والحالات والطقوس والألغاز الأثير والمثيرة: بخابية البيت، وبالحور ومحاجره في (برد الماء) إذ تجلبه الأمهات الصابرات المرابطات، لبناء البيت وترميمه وتكليسه وتشيده وتزيينه، وكأنه الفضة الموشاة إذ يجبل لغايته هذه، كما ارتبطت بالطابون؛ الفرن البدائي في الريف الزراعي الذي يخبز فيه بعد (تزبيله) بمخلفات الحيوانات المعدة لهذه الغاية، وبالزيت والزيتون والزعتر؛ المادة الرئيسة لغذاء الأُسر في ذينك الزمان والواقع:

«أعدّ أيامي بموتكِ/ واذكرُ:- خابيةَ البيت/ حُوَّرَهُ/ محاجرَ (برد الماء) إذ يُنْهل/ بالفضّةِ الموشاةِ بالحناءِ إذ يُجْبل/ وأذكرُ الطابون/ أذكرُ الزيتَ والزعترْ».

كما ارتبطت بالمعجن النحاسي وبجرة الماء وبالثمار المقددة المعلقة على الجدران وبالقهوة والهيل، وأكسب الانزياح أوصاف كل هذه المفردات أبعاداً لتدفع بالنص إلى أقصى طاقة جمالية ممكنة، لأن الانزياح من شأنه أن يعمل على توليد دلالات جديد مبتكرة في المعنى والمبنى، وبالتالي التأمل والتصوير لجوهر المعاناة الإنسانية، فما هذه المآرب التي يُعَبِّرُها المعجن النحاسي؟، وما هذه الأسفار والفيالق التي تُعَبِّرها جرة الماء على رأس الأم؟، ولمَ الأسفار والفيالق؟، وما هي الدلائل التي ترمي إليها بإيحاءاتها المضمرة؟ و.. و.. تنداح الأسئلة بتآويل المقاصد والمعاني التي لا تخرج عن الم الفاقة والحمد والرضاء لأم هي مثال كل أم من أمهاتنا في ذلك الحين، وربما في كل حين تبعاً لسياق الواقع الذي يستدعي محيَّاه البأس والركن الشديد:

«أتذكر المساءات مكنوزك المطمئن/ إذ ألم الفاقة حمد ورضا/ إذ معجنك النحاسي تعبّره المآرب/ إذ جرة الماء على رأسك سِفرٌ وفيالق/ إذا ثمارُ كرومِك بالجدار مقدَّدة/ إذ قهوتُك بالنار والهيل مُعَمَّرة/ إذ محياك البأس والركن الشديد!».

كما جاءت القصيدة حافلة بهم الأمة وأوجاع الوطن التي استبدت بالشاعر على مدى كتابتها، وانسربت إلى القصيدة. حيث نقرأ:

«ستذكر الأيام إنَّا بعنا (الشوم) والهمة/ وتذكرنا الروايات أساطيراً/ فآه من يحفظ الذمة!/ فضاءات من الطين/ طين السحت والخيبات والحمى/ قصائدنا العصماء يا (يمه)/ كأن خالداً لم يفقأ أعين الردة/ كأنه في اليرموك – إذ نحن –/ لم يعلِ راية التاريخ والأمة/... / أنعيك أم أنعي دمي/ وطني/ هداي/ من عبرتها الهام والهمة/ منبتون يا يٌمَّه!».

وهذا ما يسميه غاستون بشلار، بلا شعور النص، إذ إن مدار القراءة ما لا يستطيع النص قوله لاعتبارات سياسية أو أخلاقية.

وكل هذا – وهذا هو المهم – إن كلا اللوحتين جاءتا بلبوس قصيدة النثر، وبهمس أسيان آسر، وكأنا به في فضاء الذات يترجم أحزاناً مقيمة، ليطلقها في فضاء الآخر حرة تعبِّر عن ذاتها، من خلال ذوات الآخرين، ناهيك عن بساطة اللغة، وانحيازها إلى الواقع بثوب صوفي قشيب، فلو أخذناها بعيداً عن مضمونها لكنا أمام (سمفونيات) من العشق تعزف ل (هدى): المعنى والرؤيا والسؤال. وهذا هو سرّ نص نادر ولغزه - حسب أكثر من باحث -.

ومن هنا ندرك أن المراثي هي الأقرب للإنسان وجداً، وتمكناً من صميم أعماقه، حيث يتجلى الصفاء، لأن الإنسان في لحظات انكساره يكون أقرب ما يكون إلى معينه الإنساني الصافي.

سئل أعرابي: لم تعد المراثي من أشرف أشعاركم؟، فقال: لأننا تكتبها وأكبادنا تحترق!

-3-

وثمة نوع من الرثاء نقف عليه، خلافاً للمعنى المعجمي والوصفي للرثاء، أنه نوع من الاستشراف الذي يفرضه طابع الخوف الوجودي من تقلبات الواقع ومتاهاته المضطربة، فيجنح الشاعر بالرؤيا نحو الماوراء الميتافيزيقي، جاعلا من (يوتوبياه) عالماً خاصاً يشكله وفقاً لأهوائه وهواه. فقصيدة (ألفة) للشاعر نادر هدى من ديوان (كذلك) والتي يؤرخها في 10/7/1994 هي في حقيقتها رثاء مبكر لمن يحبّ، وما نراها إلا زوجه الأقرب إلى وجوده ومعناه، أنه العشق المؤله الذي يحنو عليه ويخاف فقده، فتتبدّى عوالم الحبّ هذا ليتصير رثاء؛ والرثاء ضرب من الحب، لأن «الشعر حبٌّ، وكل ضرب منه إلى ينبوع الحبِّ يفضي، فالمادح لا يمدح إلا من يُحِبُّ، أو حُباً في نواله، والراثي لا يرثي إلا من يُحب، أو أملاً في أحياء مآثره وتراثه، والتغني بالوطن والأرض والإنسان غاية الحبّ، هي إذاً روح الشعر ورسالته: الحب ...الحب ... والحب أساس الرُّؤيا».

وأي يكن أمر ما أراد الشاعر أو ما يتصور أنه يريد، فهذا بالنتيجة ليس مهماً بوقعه وواقعه المادي، وهذا سرّ خلود الشعر النابض الجميل في عروق المكان والزمان ليدل ويشير، ويفرض شرائط استحقاقه، وسنورد نص القصيدة كاملة:

«كانتْ تُقاسِمُني الأُلفةَ والحزنَ/ القميصَ الموحَّدَ وزجاجةَ العطرِ/ الند والبخورَ/ والغدَ المستحيلْ/ كانت تُقاسِمُني/ متاعبَ الأَبناءِ/ والأَنباءِ/ الوطنَ المصطفى/ والشهيَّ المشتهى/ لمنفى الذي همَّ ببعضِ دمي/ وانفضَّ كسلالةِ الأَجدادِ/ الخرافةَ، والرواياتِ الاخاذَةَ/ المزخرفةَ كذاكرةِ الطفولِة/ بلا أَلعابٍ/ كانت تُقاسِمُني تاريخَ ميلادي/ وأَعيادي/ اسمي عِقداً، وصورةً مسكونةً/ في القلبِ/ والجدار/ وكانتْ مرآة قلبي/ وكنتُ في قلبِها وردةً/ وكانَتْ كأَسِيَ إن شربتُ/ وكنتُ نهرَها إن تملأْ الجرار/ وكانت الصمتَ والصّوتَ والسؤالْ/ ثوانَي النّبضِ، آناءَ الليلِ، وأطرافَ النهارْ/ وكُنَّا النبضَ في قلبٍ/ وآيتُنَا السِفُرُ المُعَمَّدُ/ للتفاصيلِ الكِثارِ».

يرصد الشاعر في قصيدة (ألفة) كل التفاصيل الحميمة والأثيرة التي تجمعه وزوجه المحبوبة، بإيقاع الماضي «كانت» وكأنه يتصور انقضاء الواقع/الحاضر بأعبائه الجميلة «الأبناء والأنباء، المنفى والوطن، والتفاصيل الكثار» وتشكل القصيدة بدءاً من عنوانها الجامع لمتنها، وصولا إلى مفرداتها وإيحاءاتها الدلالية عالمها السيميائي، بما ترمي إليه من علامات، وما تشكله من فراغات وفجوات ترمي إلى فسيح المعاني المؤولة، ناهيك عن ثراء بصري تشكيلي.

ومثل هذا الاستشراف نراه في قوله:

«أراني مُسَجّى/ وبوح الكلام على شفتي/ هيام موشَى بسرِّ دمي.../ تقول التي ألهمتني من العذب أنس التقى والرِّضا: - لأي العوالم هذا المُعَمَّر يمضي/ وقد أينعت من عروق البروق رؤاه؟ - أقول: لماء الغواية/ أن يتخضَّب إثريَ توقا نبيلاً/ ويقرأني  في الوداع الأخير/ وأعني العشاء الأخير/ وأعني الخلاص.../ لم يعد من مناص!».

فالشاعر هنا يستشرف حاله ميتاً «مُسَجّى»، ويأخذ المشهد إيقاعه من خلال التصور الخيالي في حوارية مع الآخر، مع المباح والمسكوت عنه، الذي نراه شريكاً فيه «أقول..» ويتخصب النص بالتناص الداخلي «ماء الغواية» وبالتناص الخارجي «العشاء الأخير» الذي يحيل إلى السيد المسيح – عليه السلام – وحواريه قبيل قتله أو «صلبه» من قبل أعداءه، وكأني به من خلال هذا الاستحضار يُعَبِّر عن غربته المادية والنفسية في واقعه المعيش، وهي غربة مشروعة لم تكن بعيدة عن عوالم الأنبياء والفلاسفة والشعراء، في واقع يرون أنفسهم فيه منبتون بين صُمٍ وبكمٍ وعميّ لا يفقهون، ولا يعقلون، لتشب صرخة أبي حيان التوحيدي دائمة مدوية: « يا حسرتاه للغريب!»

ومثل هذا في رثاء النفس نجده في قوله:

«راحلٌ في مواكب جنازتي التقيك/ الركب منزلة الجمرات/ أساور للقلب/ جنازتي لا تحطُّ بأرضٍ/ عليَّ السلام».  

ومثله:

«كما أشتهيه يشكِّلنُي/ صَنَماً/ وأُصلي إليهِ/ ولم يُبْقِ مني سوى جسدٍ ناحلٍ/ وعمرٍ أراهُ قصيراً/ يُصَرِّف أيامهُ، ويصرُّ رؤاهُ، المدى حتفُهُ/ لا يحطُّ بأرضٍ/ عليه السلامْ».  

ونراه في موضوعة: (مات عصفوري الجميل) يرثي نفس صراحة، طارحاً رؤيته للموت وفلسفته الخاصة به، وهذا ما تجليه اللازمة: «وبقي قفصه الذهبي» لينفتحعلى فسيح الدلالات من خلالها:

«مات عصفوري الجميل، وبقي قفصه الذهبي/  لكن، ما هو في الخارج بدا لي على حاله/ الشوارع ذاتها الشوارع، مليئة بالمارة والمركبات، وصخب المحال، وقضاء الحاجات/ أشجار الشوارع بقاماتها، وخضرتها، حتى شجر الخابور مورقاً، بكل بهاءِ وجمال وجلال/ دوائر الدولة والمؤسسات مشرعة أبوابها كعادتها، وكأن شيئاً لم يكن/ الشمس طلعت كعادتها، وها هي بدت في كبد السماء، تبعث أشعتها، ويتخلَّلهُ النسيم العليل، والسماء زرقاء صافية/ وفي ذات مكانها تغيب، وحيناً فحيناً بدأ القمر بكامل هيئته، وكأنه يحادثني، ويقول لي:- أكتب على صفحة الماء ما تريد...».

وما هذا ومثله إلا تعبير عن القلق الوجودي الذي يصدم المبدعون فتتوقد أحاسيسهم المرهفة نعياً للذات والواقع والعالم. فصراع الذات مع ذاتها وواقعها وعالمها، علامة سيميائية إنسانية لمعنى الوجود وتشكله وتطوره.

ونص نادر هدى الشعري والسردي طافح بالموت موضوعاً ومعنى، وكذلك حواراته الأدبية، وتدلُّنا مدونة مسيرته الإبداعية على أن غير باحث توقف عن موضوعة الموت عنده.  

ولرثاء النفس مجاله في تاريخ الشعر العربي نجده عند عبد بن يغوث الحارثي، في قصيدته التي يخاطب فيها آسريه، ومطلعها:

«ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا/  فما بكما في اللوم نفع ولا ليا»

وعند بشر بن أبي حازم الأسدي في قصيدة التي يخاطب بها ابنته، ومطلعها:

«أسائلة عميرة عن أبيها/ خلال الجيش تعترف الركابا»

وقصيدة مالك بن الريب التي يخاطب بها صحبه، ومطلعها:

«ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة/ بجنب الغضا أزجي  القلاص النواجيا»

وفي هذا الاطار نقرأ السياب في مجموعاته الشعرية: (منزل الأقنان) و(المعبد الغريق) و(شناشيل أبنة الجلبي) وكذا أمل دنقل: في قصائده الخمس التي كتبها في الغرفة رقم (8) في مشفى السرطان، مضافاً إليها قصيدتي: (الطيور والخيول) لتقارب التاريخ، وهي قصائد يهيمن عليها الكبرياء واستحضار ذاكرة الطفولة والروح الصوفية. وكذلك جدارية محمود درويش، وغيرها الكثير.

-4-

ولما كان الرثاء هو التعبير الأسمى لطبيعة العلاقات الدموية والوجدانية الصادقة، فنجده يخترق حواجز الزمان والمكان فارضاً وجوده وحضور الدائم، نظراً لما يكتنز من طاقات تعبيرية وتأثيرية، وقد سجلت لنا مدونة الشعر العربي: قديماً وحديثاً، ضروباً من الرثاء الخالد الذي يغرف من أعماق النفس أسىً واعتباراً، وينضح من الوجدان هيبة ووقاراً، لأن الإنسان عندما يكون منكسراً يكون الأقرب لفطرة الصفاء الإنساني، التي ترمي بأبعاد الأسرار، وأسرار الأبعاد في الذات والكون والعالم،

وهنا نقف عند رثاء نادر هدى لأخيه في (مشارب الرهبة) سيرته الإبداعية النثرية الفائضة شعراً، أو الشعرية الفائضة نثراً، والتي تدلنا على أنه توفي بحادث سير مؤسف وهو في رعيان الشباب، كما تدلنا على حميمية العلاقة كونه تربى في حجره، فنقرأ:

«الليل أطبق/ والجدار/ مرآةٌ وجهي في غياهب الغبار/ الدِّيكُ لا يصيح/ ولا العصافير على الأشجار/ وجفَّت الأكباد، جفَّت الجذور والعروق/ أوصدت أبوابها الدِّيار/ لا أفق، لا حلم، ولا نهار/ تلبَّد الحوار بالحوار/ والصمت والسكون/ يغلُّهُ القهرُ المكتَّم بالظنون../ موزعاً في سطوة الهول/ بما كان، وما يكون/ أحادث الجنون/ وفي عوالم الخرافات وحيداً بينهم/ ممزق الحذاء والرِّداء/ يقتاني العراء..».

وهي قصيدة دالة ومعبرة، يجليها واقع السرد في السيرة .

وهذ ما نجده في رثاء أبو الحسن التهامي (- 416 ه) لابنه، قوله:

«ومكلف الأيام ضد طباعها/ مُتَطَلَّبٌ في الماء جذوة نارِ. فالعيش نوم والمنية يقظةٌ/ والمرء بينهما خيالٌ ساري».

ومن منا لا يذكر الخنساء، وقتيلة بنت الحارث في رثاء أخيها النظر بن الحارث، الذي ذهب ضحية عدوانه، مخاطبة بها النبي محمد -r-، وكان لمدى أثر القصيدة وتأثيرها قولة -r-: لو سمعتها قبل قتله لعفوت عنه، ومن أبياتها الثمانية الخالدة، قولها:

«ظلت سيوف بني أبيه تنوشهُ/ لله أرحام هناك تشققُ. أمحمد ولأنت ضنءُ نجيبةٍ / من قومها والفحل فحل مُعرِقُ. ما كان ضرك لو مننت، وربما/ من الفتى، وهو المغيط المحنقُ».

ومثل هذه العواطف الجياشة نجدها في رثاء الفارعة لأخيها الوليد بن طريف الشيباني، الذي قتله يزيد بن مزيد الشيباني، قائد الرشيد الذي أرسله لمقاتلة الخوارج، ومنها:

«فيا شجر الخابور مالك مورقاً/ كأنك لم تجزع على ابن طريفِ».

وقد يأخذ الرثاء طابع الجاني للمجني علية، وشوقه وألمه وحنينه على المرثي، ومثل ذلك في رثاء ديك الجن الحمصي(161 هـ - 235 هـ) الذي قاله في زوجته التي قتلها مرتاباً بها:

«ما كان قتليها لأني لم أكنْ/ أبكي إذا سقط الغبار عليها. لكن ضننت على العيون بحسنها/ وأنفت من نظر الغلام إليها.

كما قد يأخذ الرثاء طابع الفخر، كقصيدة أبو الحسن الأنباري المتوفي سنة 328 ه، في أبي طاهر بن بقية لما قتل وصلب، وهي من أهيب المراثي وأجلها، حتى أن عضد الدولة – الذي صلبه - لما سمعها، تمنى لو كان هو المصلوب وهذه مرثاته، ومنها:

«علوٌّ في الحياة وفي الممات/ لحقٌّ أنت إحدى المعجزات».

ومن حسنى هذه القصيدة براعة رسم المشهد وحسن تصويره، والقصيدة هي واحدة الأنباري، وقد أوردها ابن خلكان في واحد وعشرين بيتاً.  

وقد يكون الرثاء للدهر، وتقلبه وسوء الحال فيه، وتقف قصيدة الطغرائي (- 513 هـ)  المعروفة بلامية العجم مثالاً شامخاً على ذلك، وقد أودع القصيدة من العبر والحكم والأمثال الدالة على حاله ونوازعه ما يجعلها درة خالدة حقاً، ومنها:

«فيما الإقامة في الزوراء، لا سكني/ بها، ولا ناقتي فيها ولا جملي. فلا صديق إليه مشتكى حزني/ ولا أنيسٌ إليه منتهى جذلي. أعلل النفس بالآمال أرقبها/ ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل. لم أرتض العيش والأيام مقبلة/ فكيف أرضى وقد ولَّت على عجل. ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني/ حتى أرى دولة الأوغاد والسفل. تقدمني أناس كان شوطهمُ/ وراء خطوي إذ أمشي على مهل».

إنه لألم منكسر في شكوى كئيبة، يذكرنا بقصيدة الشنفرى لامية العرب، في شكواها الأبية وألمها الثائر وعزتها الجسورة، فبقدر اختلاف الرؤيتين، يبقى الهم والحلم واحداً يجسّده اللاشعور في صدق الشعر الحيّ العصيّ على من يطوعه.

 وقد يكون الرثاء للمدن والدول كقصيدة بنى الأفطس:

«الدهر يفجع بعد العين بالأثر/ فما البكاء على الأشباح والصور. كم دولة وُليت بالنصر خدمتها/ لم تبق منها، وسل دنياك عن خبر». ومثل هذا الشعر الكثير، ولولا أن غايتنا هنا الإشارة والإيجاز لأسهبنا.

وأخيراً نقول:

إن قصيدة الرثاء أصبحت من أهم ما يميز القصيدة الحديثة، لأن الرثاء بمفهوم الرؤيا أصبح تعبيراً عن واقع الذات والكون والعالم الذي يعيشه الشاعر المعاصر بنثريات تفاصيله وحالاته المغبرة الموحشة، خاصة عندما يشبُّ غول الذاكرة مستحضراً المكان والزمان والحالة النفسية والوَجْدانية. بكل تداعياتهما وكوائنهما الملتبسة، ومن هنا فإن شعر نادر هدى في مضامينه العميقة هو دفقات متتالية من البكائيات والرثائيات التي ترمي بدلائلها الإيحائية إلى الرفض . وتشكل محطة بارزة في مسيرته الشعرية.

إن نادر هدى – عليه رحمة الله تعالى- يرثي برثاء والديه نفسه، وربما حلمه في بعد استشرافي، وبهذا يرثي واقع الأمة والوطن في عواصف هذا العالم المتجبر، كما يرثي العالم الذي انحازت المثل فيه، أو جعل من المثل منحازة فيه للمصالح المتسيدة، لا للأنفس التي كرمها الله.

وفي كل ذلك تحضر (هدى) في عروق شعره النبيل، في نبضاته وسكناته فلا تكاد تغيب، تحضر مثلاً أعلى وقيماً منشوده، إنها ذاته في تماه صوفي، وكبرياءه النضاح بالشموخ والشكيمة وسمت الوقار وبهاء الكائنات؛... غريبة هذه الـ(هدى)، وأمرها عجيب!



* شاعر وناقد من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش