الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

جرة مكسورة

رمزي الغزوي

الخميس 16 حزيران / يونيو 2016.
عدد المقالات: 1974



ستلقي حكاية طريفة، من الأدب الصوفي بظلالها على معنى الصيام، وأبعاده، وفحواه، وستؤشر إلى معنى أن تمتلك وتحوز، ثم تزهد وترتفع بنفسك، فأنت ترى بين يديك طعاماً، ولا تتناوله بملء إرادتك، فقيمة الصوم أن تزهد وترتقي، لا أن تتفاقم شهوتك لمزيد الملذات.

جاء تلميذ إلى شيخه الإسكافي في زحمة السوق، وقد غالبه إقبال نفسه على الدنيا، مع شوق روحه إلى مقامات العلا والزهد، مثل المقامات التي بلغها شيخه، التي تجري على يديه كرامات. الشيخ كان مشغولاً بتصليح ورتق أحذية الناس المنهكة بالسعي في مناكب الرزق. وكان مذهولاً عن متطلبات روح تلميذه، إو مريده، حسب المصطلحات الصوفية.

لكن نظرة صغيرة منه عرفته خلجات نفس هذا المريد، وما يعتصر فيها، فقال له بعد أن أوقف عمل يده: لقد علمتك الطريق إلى الله، وهو طريق لمن صدق، لا لمن سبق، وكما تجتهد الناس في الأسواق، وتلهث وراء الشهوات، عليك أن تجتهد لتصل مقامات العلا، التي تتوق إليها.

فهم المريد مرامي شيخه، فهاجر إلى الله، بعيداً عن زحمة الأسواق، فاغتنت روحه ونافت في السماوات، وتحولت الصحراء في عينه ذهباً. وذات ليلة تمتم مزهواً: من أغنى مني؟!. لماذا يقتلون أنفسهم في السعي وراء الذهب، وكل شيء ثمين موجود في تراب نفوسهم؟!.

في الصباح قرر العودة إلى شيخه، فهو قد بلغ المراد، وعند نبع ماء متدفق خال روحه صافية. فنظر ووجد جرة مكسورة، ذكرته بجسده الذي كان منهكاً، قبل أن ينتصر عليه، فقال في نفسه سأملأ هذه الجرة المكسورة متضرعاً لربي أن يحفظ الماء فيها، ولا يريقه، فكان له ما طلب.

حمل جرته إلى السوق وشعر بالغربة، حين وقف باب دكان شيخه مفتخراً بالجرة، التي تدل إلى مقام ارتقى في هجرته إلى الله، وبعد أن حدث شيخه عن أحواله، كانت عينه على جرته وكأنه يقول: انظر يا شيخي، قد صرت صاحب كرامة. الشيخ يدرك أن التقلب صفة القلوب، وأن الروح كالطير في الأعالي قد تغويه دودة صغيرة على الأرض، فينحدر طمعا فيها. وفي هذه اللحظة دخلت سيدة تريد تصليح حذائها، فشمرت عن بعض ساقها، فيسترق المريد نظرة لزينة وبياض تلك الساق، عندها يسيل الماء من شق الجرة.

لم تعد له كرامة، فبعد هجرة طويلة إلى الله، ها هو يعود لاهثاً في الزحام وراء لذة عابرة، مثله مثل كل من انقطع عنهم. تبسم الشيخ بمرارة وقال: يا ولدي العبادة بين السيقان، وليس بين الوديان!.



[email protected]

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش