الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في رحيل الأديب والشاعر البوسني زلهاد كلوتشانين

تم نشره في الجمعة 17 حزيران / يونيو 2016. 08:00 صباحاً

اسماعيل أبو البندورة *



رحل شاعر البوسنة والهرسك وأديبها الكبير زلهاد كلوتشانين عن الدنيا قبل أيام مخلفا وراءه العديد من القصائد والمسرحيات والروايات والكتابات الأدبية المختلفة، كما ترك حباً وإقبالا على الحياة وتعالقاً أنيساً مع الناس، وكان هذا مما فاقم الحزن وأشعل الأشجان الكثيرة حول غيابه المفاجيء وكيف لا وهو قد ألف الاردن وتوالف معنا (وأوحى لنا مرة «الياس فركوح وأنا» عندما كنا وإياه في أطراف سراييفو الساحرة بأن نشرب ماء البوسنة الزلال لا بل ملأ حفنتيه من ماء تسقسق ونحن نتمشى بين الأشجار وقدمه لنا بيد كريمة وأنيسة ثم في مرة ثانية عندما كنا بضيافته في بيته الريفي «الشاعر محمد مقدادي وأنا» وكان دليلنا للتعرف إلى الورود والأزهار والأشجار الباسقة حول بيته) ولأنه زار بلدنا ووقف على حواف قلعة الربض ذات مساء صيفي متطلعا إلى القدس ومستذكراً صلاح الدين وأشجان وأحزان فلسطين،



 ومن ثم عندما ذهب الى البتراء والبحر الميت، وكتب عن هذه الأمكنة وما حولها أشعارا جميلة مع أن الحزن كان يملأ قلبه عما يجري في العراق وفلسطين. وأحيا أمسية شعرية جميلة في عمان وتشرفت بترجمة هذه القصائد التي استثارت الحضور وأشعلت فيهم الرغبة لسماع المزيد من هذا الصوت الشفيف الأنيس وهذه الروح الشاعرية المتعالية.

أحب زلهاد كلوتشانين أن يترجم أدبه وأشعاره الى اللغة العربية وقال لي بأن والده الذي لجأ الى السويد إثر حرب البوسنة سوف يفرح كثيرا إذا رأى عملا أدبيا لولده ينشر بلغة القرآن العربية، وكان له ذلك عندما ترجمت روايته الشهيرة (الشهيد) إلى اللغة العربية التي تتناول الحرب في البوسنة وصدرت عن وزارة الثقافة الاردنية، كما قمت بنشر بعض أشعاره وقصصه القصيرة في مجلة أفكار وبعض الملاحق الأدبية، وكان دائم السؤال عن الأردن وأهله وكثيرا ما كان يقلق بأن يطال الأردن ما يطال دول الجوار، وكان بكرمه الأصيل يدعوني مرارا للإقامه في أحد البيتين اللذين يملكهما في سراييفو حتى تهدأ الأمور لأنه كان يخاف علي من عاديات وشرارات الحرب وجرائرها بعد أن رأى عندما زار بيتي قرب المسافة من الحدود السورية.

كتب زلهاد أثناء عمره القصير (مواليد 1960) العديد من الروايات الهامة وأصدر العديد من الدواوين الشعرية والمسرحيات وكتب السيناريوهات، وكان عضوا بارزا في اتحاد كتاب البوسنة والهرسك، وترجمت كتبه الى العديد من لغات العالم وحصل على العديد من الجوائز الأدبية، وتفرغ للكتابة مبكرا بعد أن اشتغل بالتدريس في العديد من جامعات البوسنة، ولاذ في بيته «صومعته « الريفية متطلعا إلى الذرى الفاتنة الممتدة أمام ناظرية والثلج الثاوي عليها عبر الفصول  وليقف بين القراءات متأملاً الأزهار والأشجار علّها تعطيه إشارة البدء لقصيدة أو لمعة ذهن لخاطرة، وغابت عنه هواجسه كما احسب بأن يتوقف القلب فجأة وهو لا يزال يكتب أشعارا ويصادق الطبيعة ويبحث عن راحة البال.

الحزن عليك كثير يا صديقي وقد طواك الثرى.. ووعدا بأن أتحسس كتبك وأوراقك واقرأ كلماتك وأشعارك لكي أراك.. موتك قليل ياصديقي وحضورك كثير وتلك هي أمثولتك!

يقول زلهاد كلوتشانين في مقدمة ديوانه: «عام من كتابة الشعر» الذي صدر عام 2009 في سراييفو:

«مرضت نهاية عام 2008 وبين التشخيص انه مرض الشريان الاورطي وأن أمامي عامين إذا استمريت على النظام القديم وعشرون عاما على حياة جديدة، واخترت الامكانية الثانية. تركت العمل وأنا بروفيسور في الجامعة مع اني أحببت ذلك العمل وأحببت طلابي ونال مني التعب قليلاً.

ذهبت للعيش في بيتي الريفي في منطقة «تارتشين» وقطعت العديد من علاقاتي بالناس بعد أن أضنتني مشاكلهم. وبدأت بإقامة أنواع أخرى من العلاقات: مع الطيور والهدأة والأشجار وحيوانات الغابة ومع الريح.. كنت قد نسيت هذا العالم هذا لو أني كنت قد عرفته يوماً. كان عمري 48 عاماً وحان الوقت 24 ساعة لكي أنكب على الأدب، ولم يكن هذا ليعني الكتابة وحسب وإنما التطلع إلى العالم ابتداءً من موقع الأدب، وأنظر الأعجوبة ! فالشكل الذي انبثق من تلقاء ذاته كان الشعر إذ أني منذ عشرة أعوام لم أكتب الشعر وكنت قد عقدت النية بالذهاب الى البيت الريفي لكتابة النثر. ومن أين لي بالشعر ؟ وأعتقد الآن أن ذلك كان منطقي تماما، لقد شعرت ولا أزال أشعر بأن كتابة الشعر كانت دواء بالنسبة لي. بشكل مباشر تماماً وكأنني مع كل قصيدة أتناول حبة دواء. وبدون تردد وجدياً، ظهر الشعر كما قال أحد الشعراء في احدى اللحظات «كطوق النجاة الأخير»، كتبت الشعر طوال عام في كل يوم قصيدة وهكذا ولد هذا الديوان «كتاب العام» المؤلف من 12 كتاب 12 شهر (إذا كان هذا القليل الممكن دواءً للقراء سأكون سعيداً)».



* أديب ومترجم من الأردن



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش