الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حين يروق ماؤك العكر

حلمي الأسمر

الجمعة 17 حزيران / يونيو 2016.
عدد المقالات: 2514



أحلام صغيرة جدا تنتابنا أحيانا يعز علينا أن نحققها بسهولة: فنجان قهوة رائق في مكان بلا ضوضاء ولا تداعيات سوداء أو خوف دفين من مفاجأة غير سارة، استرخاء خالٍ من أي كولسترول إخباري على شرفة مشمسة، طبق فول بالفلافل والشطة بدون أي مضاعفات هضمية،

استيقاظ  تلقائي لذيذ من فراش دافىء بدون أي «منبهات» أو أجراس مرعبة، لا تشعر معه برغبة حارقة بالمضي قدما في النوم، مرور يوم واحد دون أي برغبة في بإزالة تجعداته الفجائية أو المخطط لها سواء تخطيطا ذاتيا أو عبر تدخل خارجي، حدث لا يكتنفه موسيقى تصويرية مرعبة تتشكل من خليط عجيب من المحرمات والخوف من العقاب أو المضاعفات المؤجلة أو اللوم المحتمل على خلفية خرق نظام العادات والتقاليد المتبعة!

أحلام صغيرة جدا، تتركز كلها حول نفس سلس يدخل الرئتين ويخرج دون نشيج أو تشنج، مع إغماضة عين لذيذة تأخذك إلى شاطىء بعيد لا يقطعه غير حوار العصافير الذي يضج بالرعونة مع معزوفة الأمواج البحرية الرتيبة، حلم قديم يقفز فجأة إلى الذهن كلما تحولت الأحداث حولك إلى سيول طينية جارفة، تصرخ من خلالها: متى ترتاح؟ فتأتيك أصوات مكتظة بالسخرية لا تميز من بينها إلا ضجيج مبهم أزلي يحول المشهد إلى فيلم رعب يحبس الأنفاس، تتمنى معه أن تخرج من قاعة السينما المفترضة وترتمي في ضجيج الشوارع!

أحلام صغيرة بحجم متناه في الصغر، تتحول إلى مستحيلات قد تبعث على السخرية، كلنا قد يتوق إليها، ولكنه قد لا يبوح بها حتى لنفسه، فنحن أشبه ما نكون ببراغ صغيرة في آلة عظيمة تدور وندور معها، ولا يتوقف هذا الدوران إلا حين نختلي بأنفسنا في لحظات قليلة، «يروق» فيها ماؤنا العكر، فتترسب الشوائب أو تكاد، وتبدو صورتنا المخيفة: لهاث سرمدي مع إيقاع دائم غير منتظم، وسعي حثيث إلى اللامكان!

بعضنا حل المشكلة فاستقال من الوعي، واستسلم للاشيء، ملقيا ذاته في بئر بلا قرار، ولد شعورا دائما بالتيه، وآخرون وجدوا أنفسهم في قلب العاصفة، يدورون معها ويحاولون أن يديرونها وأنى لهم ذلك، فئة ثالثة تسرق لحظات من التأمل والاختلاء بالذات لمراجعة حسابات متراكمة تحتاج لنيوتن كي يفك تشابكها، وآخرون وآخرون لا يدرون أنهم لا يدرون ما الحكاية، بل هم وقود الحكاية ذاتها، وقلة فقط يحاولون التوقف عن الركض لوهلة، فيشعرون أنهم «تأخروا» عن الركب فيواصلون الركض، على أمل أن يجدوا فرصة أخرى للتوقف والتأمل، فيتحول الأمل إلى حلم دائم بذلك النفس الأزلي المأمول!

بعض الشعوب المتقدمة اشتقت طريقة أخرى للحياة: فصل دائم بين فقرات الحياة، ثمة وقت للشغل وآخر للهو والولدنة، وآخر للتخطيط، اللعنة تكمن في التخطيط، من منا يخطط لحياته في هذا الشرق المليء بالغرائب والأساطير والأحلام الصغيرة المستحيلة؟

أشعر أنني دخت  و»دوخت» القارىء معي، إن استمر أصلا في قراءة هذه التداعيات حتى هذه المرحلة، سأقول له (ولي أيضا) قبل أن أتوارى: إفعل ما تشعر أنك بحاجة لفعله، وستجد نفسك!



[email protected]

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش