الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التخطيط والتكامل الاقتصادي العربي

تم نشره في الثلاثاء 26 أيار / مايو 2009. 03:00 مـساءً
التخطيط والتكامل الاقتصادي العربي

 

 
الدكتور المهندس سامي الرشيد

في هذا العصر الذي عرف بعصر الانفجار السكاني ، تزايد اهتمام الدول بوضع خطط التنمية ذات التفرعات الكثيرة بهدف اقامة التوازن ما أمكن بين تزايد عدد السكان وبين بقاء الموارد الطبيعية ثابتة على ما هي عليه ، مما يحدث خللاً كبيراً بين كفتي الميزان يعود بالضرر في النهاية على الانسان وعلى الجنس البشري الذي يعاني من مشقات كبيرة ، مثل انتشار عوامل التصحر في البلاد الزراعية ، والجفاف الذي تعاني منه دول شرق افريقيا بشكل خاص ، والفيضانات ، والزلازل المدمرة ، وانتشار الجراد بشكل وبائي الذي يأتي على البقية الباقية من المحاصيل الزراعية التي لا تكاد تكفي أصحابها.

وفي الأردن تأخذ عملية التنمية أهميتها الكبيرة لكون الأردن بلداً صحراوياً في الأعم الأغلب ، وافتقاره الى الموارد الطبيعية التي تتوفر بكثرة في بعض البلدان كالبترول أو الانتاج الزراعي والثروة الحيوانية التي تسهم بشكل ملحوظ في عملية التنمية لتلك البلدان فترفع من مستوى المعيشة ، وتزيد من دخل الناس ، ويدخلون في دائرة الرفاهية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ، مما يدفع بتلك البلدان أشواطاً كبيرة في مضمار الحضارة التي لا تنمو الا في ظلال اقتصاد مزدهر.

لقد آن الأوان أن نفيق من سباتنا ونصحو من غفوتنا التي طال أمدها ، كي نتبوأ مركزنا اللائق بنا تحت شمس الحضارة التي كان أجدادنا فيها فرساناً مجلّين ورواداً مبدعين ، فان لم نستطع ذلك ، فعلى الأقل أن نكون شعباً منتجاً يأكل مما يزرع ويلبس مما يخيط دون أن نكون عالةً على غيرنا حتى في مأكلنا وفي ملبسنا وفي مشربنا وذلك أضعف الايمان.



تركز السكان في العاصمة

نلاحظ من البيانات المذكورة أعلاه تركز غالبية السكان في العاصمة مما يزيد الضغط عليها ويثقل كاهلها وتصبح بحاجة على بنية تحتية كبيرة وخدمات شاسعة ، لذا يجب الوقوف عند هذه الظاهرة والحد من هجرة الريف للمدينة والدعوة الى هجرة معاكسة والعمل على تطوير الريف باقامة المشاريع الانتاجية والتركيز على الانتاج المحلي الزراعي باقامة الصناعات الزراعية والمشاريع المائية وأن نكثر من السدود على مساقط المياه ونمنع تلوث الينابيع والأنهار ونحافظ على ثروتنا المائية للاهتمام بالأمن الغذائي في محاولة للوصول الى مرحلة الاعتماد على النفس حيث لا خير في أمة تلبس مما لا تخيط وتأكل مما لا تزرع.

كما يجب خلق فرص عمل جديدة وتشجيع السياحة باستقطاب سياح من الخارج والداخل وتوجيه الدراسة للدراسات المهنية للتخفيف من استيراد العمالة الأجنبية والحد من نزيف العملات الصعبة للحد من البطالة ووقف آثارها الاقتصادية والاجتماعية المدمرة.

التكامل الاقتصادي

لقد قامت أوروبا بارساء قواعد وحدة بين دولها على الرغم من الحروب التي قامت بينها والاختلاف الكبير بين الدول الأوروبية من حيث القوميات واللغات والمذاهب ونوع العملات واختلاف الصناعات والتنافس فيما بينها الا أنها استطاعات تأسيس الاتحاد الأوروبي رغم معارضة الولايات المتحدة واعتبرت خطوة صحيحة لحماية الاقتصاد الأوروبي.

كما أننا يجدر بنا نحن العرب ونحن نتشابه في كل شيء تقريباً من حيث اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا أن نفكر بصوت واحد ونسير في الاتجاه الصحيح نحو الوحدة الشاملة التي تأتي بالتكامل الاقتصادي والثقافي والعسكري والسياسي.

ان واجب الجامعة العربية أن تدعو لمنع الازدواجية بالتصنيع وتعطي الأولوية لدولها بالتصدير وتصبح كل دولة متخصصة بنوع معين من الصناعات التي تعتمد على موادها الخام. كما وتوزع أنواع الزراعات حسب توفر التربة الزراعية والمياه ليصبح هناك تكامل حقيقي ليزيد الانتاج ويحسن نوعيته. والتكامل الاقتصادي الموحد لا يعني أبداً أن تبقى بلادنا معزولة. بل أصبح لابد لها من اللحاق بركب التطور العالمي حتى لا يصبح هناك فجوة بين بلادنا وبين العالم المتقدم: بحيث يشدها للخلف وتعود للعالم المتخلف بعد أن قطعت شوطاً كبيراً من التقدم. فتطبيق التكنولوجيا والأسس الحديثة في المجالات الزراعية والصناعية والثقافية والعلمية هو أساس وصول بلادنا ووضعها في مصاف الدول الصناعية.

السياحة

هي سلعة ، ككل سلعة ، بحاجة الى تسويق محلي وخارجي شرط أن تكون المادة جيدة. والمادة السياحية في بلدنا أكثر من جيدة ، فالمقومات السياحية من طبيعية ، وبشرية ، وأثرية ، متوفرة فيه بشكل ممتاز: الخضرة الدائمة ، التضاريس الجميلة التي تساعد في تكوين المزارع الخصبة والجميلة في الأودية ، بالاضافة الى المرتفعات والأشجار التي تضفي جواً لطيفاً ساحراً خاصة في فصل الصيف.

ومن هنا فاذا كان تنوع البيئة وغناها الطبيعي والأثري يشكلان عنصرين رئيسين في الجاذبية والسياحية لبلد ما ، فان البيئة الأردنية ككل تبدو أرضية نموذجية لقيام صناعة سياحية مميزة ، وهي ملاحظة لابد وأن تفكر بها عندما تنتقل من القصور الصحراوية الى الأزرق ، أو عندما تهبط حوالي م300 تحت سطح البحر الى البحر الميت وتعود في اليوم التالي فترتفع على قمم جبال عجلون 1250 مترا فوق سطح البحر ، فاذا كانت خضرة سهول مادبا قادرة على أن تعوضك تعبك في الصحراء ، فان هواء عجلون ينسيك تماماً لهيب الأغوار.

الزراعة

تعتبر الزراعة من أهم الموارد الاقتصادية ، لذلك يجب الاهتمام بها وذلك من خلال: العمل على البحث عن الاكتفاء الذاتي الغذائي حيث ان أزمة الغذاء في الوطن العربي وصلت باعتراف جميع خبراء الأمن الغذائي الى حد حرج باتت تهدد فيه أمن واستقرار المنطقة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. ولم يعد خافياً على أحد أن استمرار هذا الوضع سيفضي الى تعثر جميع المشروعات التنموية التي تستهدف تطوير الانسان العربي اقتصادياً واجتماعياً ، ومشكلة الأمن الغذائي في الوطن العربي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالجهود المتعلقة بالانماء التكاملي والتخطيط على المستوى القومي اللذين يشكلان المدخلين الرئيسين للعمل الاقتصادي العربي المشترك الذي يهدف بدوره الى تحقيق التكامل الاقتصادي العربي ، والبحث عن الاكتفاء الذاتي الغذائي لا يعني المقاطعة الاقتصادية ، بل يعني تنمية الامكانات المتاحة ، حيث انه يوجد احتياطي انتاجية من الممكن تعبئته في الدول المعنية ، فالاكتفاء الذاتي الغذائي هو تعبير عن ارادة وأسلوب أكثر منه تعبيراً عن هدف كمي محدد.

- من الضرورة أن يتم التفكير جدياً بمستقبل الشجرة الحرجية في المناطق الأردنية ، وخصوصاً جرش وعجلون ، وذلك لأن لها عمراً محدوداً ينتهي أجلها اذا ما بلغته ، واذا ما اندثر هذا الكساء الشجري ، فان مناخها وجوها سيتغيران الى حد كبير ، الأمر الذي يستدعي وضع خطة بديلة في الوقت المناسب ، حسبما يقدره خبراء الثروة الحرجية والأشجار.

- العناية بشجرة الزيتون التي تعمر أجيالاً عديدة دون أن تتطلب عناية كبرى ، لذلك فهي تعتبر كنزاً للبلاد يجب المحافظة عليه وكذلك تشجيع المواطنين على زراعة هذه الشجرة ذات الجدوى الاقتصادية والمردود المالي بهدف زيادة الانتاج منه لتغطية حاجة السوق المحلية والتصدير الى الخارج.

- اعطاء الحوافز التشجيعية والتأكد على سياسة الدعم المالي للمزارعين لحفزهم على التعلق بالزراعة وزيادة الانتاج الزراعي.

- زيادة حجم القروض التي تقدمها مؤسسة الاقراض الزراعي لمشاريع الثروة الحيوانية.

- اقامة صندوق لدعم التنمية الزراعية.

- خفض أسعار المحروقات ، والكهرباء والمياه المستعملة في الانتاج الزراعي.

- دراسة الوسائل والسبل الكفيلة لزيادة الاقبال على العمل في الزراعة بما في ذلك دراسة فكرة الحوافز المادية المتمثلة بدعم الحكومة لأجور العمال الزراعيين ، وتفويض الأراضي الحكومية غير المستغلة الى الشباب والعمال الزراعيين غير المالكين والراغبين في العمل بالزراعة.

- تشجيع الأيدي العاملة المحلية للعمل بالزراعة للتخفيف والغاء العمالة الوافدة لحل مشكلة البطالة.

- تشجيع دخول المرأة في عملية الانتاج الزراعي وخاصة في اقامة جمعيات تعاونية زراعية انتاجية.

الصناعة

- الاعتماد على الصناعات المحلية وخاصة الناتجة عن الزراعة للتقليل من الاستيراد ، فمن المؤكد أن النمو الصناعي لا يتحقق بصورة آلية ، بل ينبغي العناية به وتغذيته ، ولا شك أن الاهتمام بالتصنيع في أي بلد ، لا يجب أن يستند فقط الى النظرية القائلة بأن الصناعة تمثل "مرحلة أعلى" من مراحل الانتاج ، تؤدي الى دعم الاستقلال الاقتصادي في ذلك البلد ، بل يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن تساهم الصناعة مساهمة نشطة في حل المشكلات الاقتصادية والمالية التي تواجه ذلك البلد.

والأطراف التي تعتبر جوانب أو أطراف فاعلة في هيكل الاقتصاد الوطني هي ثلاثة أطراف:

- القطاع الصناعي: بايمانه بقدراته وتطويرها وعدم تقديم المصلحة الذاتية الخاصة على المصلحة العامة.

- الدولة: بالدعاية والدعم والتوجيه والتفاعل والحماية وتبديد الصعوبات ، وايجاد أو المشاركة بايجاد الحلول ، وفتح الأسواق.

- المواطن الأردني: بدعمه وتشجيعه لصناعاته الوطنية وتبنيها ، فبتكاثف هذه الأطراف يمكننا أن نساهم مساهمة فعالة في تحقيق النمو الاقتصادي في بلدنا

- تشجيع الصناعات التي يدخل بها الزيت كمادة أساسية مثل الصابون ، الكيماويات ، وأدوات التجميل وما الى ذلك.

- الحد من الهجرة المعاكسة عن طريق تخفيض كلفة الخدمات الأساسية وتوفيرها وايجاد فرص عمل لأبناء البلد.

- تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار من خلال توجيههم نحو مشاريع استثمارية ذات جدوى اقتصادية موافق عليها من الجهات الرسمية ، حيث ان المشاريع الاقتصادية المجدية عديدة ومتنوعة في بلدنا ، وتتوقف أفضليتها على طبيعة المستثمر وأهدافه وخبراته ، وحجم رأس المال المنوي استثماره ، وما اذا كان سيدير مشروعه بنفسه أم أنه يرغب في المشاركة في الأدارة.

بشكل عام فان الاستثمار يمكن أن يكون زراعياً أو صناعياً أو عقارياً أو مالياً ، ففي مجال الزراعة هناك تسمين الخراف والعجول لانتاج اللحوم الحمراء ومنتجات الألبان ، وزراعة الفواكه المروية ، وتـربـيـة الأسـماك ، ويذكر أن الحكومة تملك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والمراعي.

أما في مجال الصناعة فقد دلت الخبرة على أن المشروعات المتوسطة والصغيرة هي الجديرة بعناية المستثمر ، ويستطيع المستثمر أن ينتج للاحلال محل المستوردات أو للتصدير أو كليهما.

أما في مجال السياحة فيستطيع المستثمر اقامة المرافق السياحية ، كمدن الملاهي واقامة القرى السياحية وتعتبر العقبة والبحر الميت وجرش والصحراء الشرقية وجبال عجلون مناطق ذات امكانيات سياحية هائلة لم تستغل بعد لأغراض السياحة الداخلية والخارجية ، حيث يعتبر الاستثمار في مستقبل الأردن أفضل استثمار للمغترب والمقيم.

الخلاصــة

ان التفكير بالتخفيض من الاستيراد وزيادة التصدير هو عصب الاقتصاد القوي ، فاذا نظرنا الى الأعداد المتزايدة من السيارات ودفع ثمنها بالمليارات والصرف على صيانتها ووقودها وتدمير البنية التحتية والتلوث لأصبح لزاماً علينا تشجيع اقامة المواصلات العامة من باصات وقطارات وغيرها لتكون شبكة متكاملة ترضي الجميع وتدعم الاقتصاد وتشجعه.

وبعد انهيار الاقتصاد العالمي متمثلا بالرأسمالية ، فلابد لنا من اعادة النظر بالخصخصة وابقاء الحكومة والقطاع العام في شراكة دائمة مع القطاع الخاص ، لفرض الرقابة والتوجيه وعدم الانزلاق ، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة التي تعكس ايجابياً على جميع طبقات الشعب.

يمكن للأردن أن يستفيد من تجربة البلدان الأخرى ويعمل على الارتقاء بالاقتصاد وتطويره حيث اذا اطلعنا على موازنة الدولة لعام 2009 والتي تبلغ 6,156 مليار دينار بعجز 689 مليونا واطلعنا على موجودات البنوك في بداية عام 2009 فهي 30,1 مليار دينار منها 18 مليار دينار رصيد الودائع.

فلو قامت الحكومة بدراسة مستفيضة لعمل مشاريع يطمئن لها الجميع ، لقاموا بالمساهمة بها دون وضع المبالغ كودائع دون تحريكها. فلابد من عمل التسهيلات والتشريعات اللازمة وتقديم النصح والارشاد للجميع لتنمية البلد واقتصاده.

وأجرت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية دراسة عن النظام الاقتصادي في الاسلام وكيف يتميز عن الرأسمالية والشيوعية. وجاء في التقرير : (ان التعاليم الاسلامية تختلف عن الرأسمالية لمعارضتها تراكم الثروات الفاحش ، وتختلف عن الاشتراكية لأنها تحافظ على حقوق التملك لوسائل الانتاج. ففي مجتمع حقيقي يتبع تعاليم الاسلام يجب الا تتعارض مصالح طبقات المجتمع بل يجب أن تتعايش بالتواصل والتراحم عبر المشاركة والمسؤولية الواعية. كما يجب مراعاة حقوق الفرد ولكن بطريقة عادلة تتوازن مع مصلحة المجتمع بأكمله).

ولكن تعطيل باب الاجتهاد منذ قديم الزمان كان تعطيلاً للعقل ودوره... فبدأت الهوة تتسع بين مبادئ الفكر السامي ووسائل العصر اللازمة لتطبيقه فنشأ عن ذلك شيزوفرانيا بين علو الفكر وانحطاط الأساليب. وبقيت وسائل ذلك الفكر والحضارة العظيمة في ثلاجة الزمن البعيد ، بينما تقود المبادئ المادية العنصرية الخرقاء مركبة فضاء.



Date : 26-05-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش