الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عبد الله الحامدي سرّ القصيدة في عبورها الخفيف وسط المصائب الكبرى

تم نشره في الاثنين 20 حزيران / يونيو 2016. 08:00 صباحاً

 عمان - الدستور - عمر أبوالهيجاء



«هذه الحرب القذرة لا تليق بنا، أعتقد أن على الدول العظمى، إن أرادت إيقاف هذه الكارثة، أن تتخذ قرارًا حاسمًا وفوريًا بتحويل سورية إلى محميّة سلام، يحظر على كل من يعيش على أرضها حمل السلاح، باستثناء من تجاوز المائة عام!»، هذا ما ذهب إليه الشاعر السوري عبد الله الحامدي، مشيرا إلى أن الشعر لغة أخرى فوق اللغة العادية أو تحتها، لذا فهو ذو حساسية مختلفة، ومؤكدا أن سورية أنجبت شعراء لا تتسع الدنيا لأرواحهم المتمردة على الوزن وعلى الواقع.

«الدستور» التقت الشاعر الحامدي أثناء مشاركته في مهرجان الزرقاء الدولي للشعر في دورته الأولى العام الماضي، وحاورته تجربته الشعرية وحول قضايا تتعلق بالمنتج الإبداعي والقضية السورية، والشاعر الحامدي صحفي مقيم بقطر، مدير تحرير مجلة «أعناب»، الثقافية، حاصل على ماجستير في الأدب والنقد، ومنتج ومخرج فيلم «ماردين»، له من المؤلفات في الشعر:»وردة الرمل، نشرة غياب، والرهوان»، و كتب أخرى له: «ملامح تشكيلية قطرية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث.



] المطّلع على مجموعتك الشعرية الجديدة «الرهوان»، يلحظ مشاكسات شاعر في عالم الطفولة والحنين إليه على حافة وطن يحترق؟

- القصيدة والطفولة – إذا جازالتعبير –وجهان لبراءة واحدة، ولكن لا تصدق أن هناك براءة مطلقة، ثمة حيلة ما دائمًا يلجأ إليها الطفل، وكذلك الشاعر، لتجاوز المحن الكبرى.. وطني الآن يحترق بلا حيلة، ولو كان الأطفال يتولون زمامه لأخمدوا حرائقه، قبل مجيء سيارات الإطفاء التي صبّت الزيت على النار!

] برأيك هل المأساة السورية حرّكت الساكن لدى المبدع السوري، ليبوح بما يعتمل في داخله من وجع دفين؟

- الإنسان السوري يوشك أن ينقرض مثل «الباندا»، لن تجد في هذا العالم كائنا مشحونًا بالأمل مثل هذا الإنسان، رغم كل ما حدث ويحدث له، لا أقول كلامًا إنشائيًا ولا أبتدع نظريات جديدة، وإنما هي تراكمات «أنثروبولوجية»، موغلة في القدم، ونضجت على نار العصور والويلات.. السوري في هذه البقعة – الجنّة من الأرض، كان يستطيع أن يعيش ويتعايش مع القرود والثعابين والنمور عشرة آلاف سنة أخرى، ومع ذلك وبسبب جرعة الأمل الزائدة لديه نفضيديه من كل شيء، واتجه مثل الفراشة بسرعة الضوء،ودون أدنى تفكير بالرجوع إلى الخلف، إلى بريقٍ لامع اسمه «الثورة».. أنا لا أتحدث في «السياسة» ولا أحبّها،فلها أهلُها المملّون جدًا، ولكن،وبما أنك ورطتني بهذا السؤال وإنصافًا للتاريخ، لا بد لي من القول:إن ردّ السوري على المأساة التي ألمّت به، ومن كلا الطرفين المتنازعين كان واحدًا: القفز في نار الحرب أو في ماء البحر.. إنه الأمل بلا حساب، وليس الخوف، الخوف لم يعد له معنى على الأرض السورية منذ زمن، وإلا فكيف تفسّر هروب أسر بكامل أفرادها، الأب والأم والجد والأحفاد، على زوارق مطاطية لا تصمد حتى في مدن الملاهي والألعاب المائية؟! السوري وهو يحزم حقائبه على عجل متذكّرا أجدادَه الفينيقيين الذين ملاؤوا حوض البحر الأبيض المتوسط بالسفن والمدن المزدهرة، راح ينظر في عيون الجلادين والمتآمرين والمتاجرين بفجيعته على حين غرة، ليقول لهم جميعًا: وماذا تريدونبعد؟! بموت السوريين سينتهي الأمل، وتنتظم حركة المرور، وتسود حقبة باردة في الكون، يقف فيها «الحب على الضوء الأحمر»، وينهار كل ذلك المشروع الجميل الذي أسس له الشاعر نزار قباني لإقامة دولة عاصمتها النساء، كما فعلت الملكة زنوبيا في تدمر، و»يحكمها الأمل»، كما تخيّلها الكاتب المسرحي سعد الله ونوس.. هذه الحرب القذرة لا تليق بنا، أعتقد أن على الدول العظمى،إن أرادت إيقاف هذه الكارثة، أن تتخذ قرارًا حاسمًا وفوريًا بتحويل سورية إلى محميّة سلام، يحظر على كل من يعيش على أرضها حمل السلاح، باستثناء من تجاوز المائة عام!

] كتبت المسرح، والنقد التشكيلي، وأخرجت أفلام وثائقية، بالإضافة إلى كتابة الشعر، أين تجد نفسك بين هذه الأشكال الإبداعية؟

- هي أشكال اضطررت للخوض فيها، مثلما يضطر الأب في البيت لتركيب «لمبة» الكهرباء، أو إصلاح «حنفية»، الماء، أو وضع لوحة في مكانها الأنسب على الحائط، أمّا أين أجد نفسي؟ فإنني لم أجدها بعد، بل لعل الشعر هو الذي وجدني وضبطني متلبسًا بالقصيدة.

] للقصيدة النثرية حضور في المشهد العربي السوري، إلى أي مدى استفدت من إرث هذه القصيدة، جمالياتها،وتأريخها للإنسان والمكان؟

- أنجبت سورية شعراء لا تتسع الدنيا لأرواحهم المتمردة على الوزن وعلى الواقع، يأتي في الواجهة محمد الماغوط بعنفوانه الجارح، سنية صالح بحنانها الموجع، حامد بدر خان بعشقه الشاسع، ورياض الصالح الحسين بشبابه المهدور كزهرة برية.. لكن خلف كل هؤلاء ثمة شعراء ظلّوا في الظل، أمثال: سليمان عواد وخليل شيبوب وأورخان ميسر..ولكن إذا ما اقتربت منهم فسوف يشتعلون مثل نجوم باهرة.

] تكتب الشعر الموزون، إلى جانب قصيدة النثر، هل هو نوع من التصالح، أو المزاوجة بين نمطين مختلفين، كيف ترى الأمر؟

- الشعر لغة أخرى فوق اللغة العادية أو تحتها، لذا فهو ذو حساسية مختلفة، مشتقة من الفضاء الذي يتنفس ويسبح فيه، والشاعر الحقيقي يغرّد خارج السرب، أما إذا انضمّ إلى السرب فلا يعود شاعرًا، بل منشدًا يردّد مع الآخرين ما يُملى عليه، هكذا أفهم الشعر.. أما بخصوص الوزن فلا أفهم لماذا يصرّ النقاد العرب منذ قدامة بن جعفر على أن «الشعر كلامٌ موزون مقفى» فحسب، ويسقطون تتمة العبارة «دالٌ على معنى»، ناسين أو متناسين أن المعنى هو الأصل، وأنه يسبق الكلام موزونًا كان أو مقفى، وأن الدلالة في حد ذاتها لعبةٌ شديدة التعقيد، ولكي أبسّط الأمر، أقول: إن الوزن والقافية والبحر، كل ذلك هو جزء من الموسيقى «الإيقاع»، الذي هو أحد المكونات الثلاثة الأساسية للشعر، إلى جانب الصورة «الدلالة»، والفكرة «المعنى»، وثمة تفصيل كثير يتعلق بالإيقاع وتجلياته الموسيقية والتصويرية والنفسية، ومن الخطل حشر الشعر بكليته في تلك الزاوية الإيقاعية الضيقة،ولكن يبدو أن التشدّد القائم على مبدأ الفرز وإلغاء المخالف قد تسرّب إلى الشعر أيضًا، وهكذا يمكن للناقد الكسول أن يستبعد أجمل القصائد من حديقة الشعر العربي بدعوى أنها لا تتبع منهج الخليل بن أحمد الفراهيدي بأبحره الخمسة عشر، ويمكن لناقد آخر أكثر «إخلاصًا»، أن يطرد كل من كتب شعره على البحر السادس عشر، الذي اكتشفه الأخفش الأوسط بعد الفراهيدي، أي المتدارك المحدث.. ناهيك عن الموشحات الأندلسية، وقصائد رواد الحداثة الشعرية العربية: السياب والملائكة والبياتي وأدونيس وصلاح عبد الصبور.. القصيدة تتجدّد دائما، ومن البداهة أن يتجدّد إيقاعُها، ومن حق الشاعر أن يمزج بين الإيقاعات المختلفة حسب الضرورة أو المزاج، وهو ضرورة ملحة أيضا.

] قلت ذات مرة إن «القصيدة أصبحت المنفذ الوحيد لنا من العتمة»، برأيك هل استطاعت القصيدة حاليًا أن تقاوم كما ينبغي لها في زمن التوحش الإنساني؟

- سرّ القصيدة في ضعفها وعبورها الخفيف وسط الأحزان والمصائب الكبرى، إن التوحش المعاصر الذي أشرتَ إليه أشد من كل قصص التوحش البشري التي سمعنا عنها في كتب التاريخ، ذلك لأنه يقوم على منظومة فكرية وأخلاقية وإعلامية متكاملة، ترتكب الجريمة بقسوة وتبرّرها بلطف، وحدها القصيدة تسير حافيةعارية بكامل نبلها ودمعها، تاركة آثار قدميها على البلاط الدامي في هذا العصر المخيف.

] برأيك، وأنت الشاعر والناقد، هل أنتج ما يسمى «الربيع العربي»، أدبًا يعبّر عن المرحلة التي نعيشها الآن؟

- الربيع العربي، أو الخريف العربي، كلاهما سيّان، فلا الذين استبشروا ببراعمه، ولا الذين أنذروا فراشاته متوعدين بحرقها، نالوا ما يصبون إليه.. الدائرة دارت على الجميع، والعرب كلهم خسروا، وعليهم أن يعترفوا، ويعودوا حالًا إلى رشدهم وشعرهم.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش