الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أمين عودة يتأمل «فلسفة الحرفِ والمحروفِ والكلمةِ بين النِّفَّريّ وابنِ عربيّ»

تم نشره في الأربعاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2016. 08:11 مـساءً
عمان - الدستور - عمر أبو الهيجاء

نطمت رابطة الكتاب الأردنيين بالتعاون مع مركز تعلم واعلم، مساء أول أمس، محاضرة للقاص والناقد الدكتور أمين يوسف عودة تحدث فيها عن «فلسفة الحرفِ والمحروفِ والكلمةِ بين النِّفَّريّ وابنِ عربيّ»، أدارها الدكتور أحمد ماضي وسط حضور من المثقفين والمهتمين.

د. عودة أستهل محاضرته بقوله: يكشف النّفّريّ في مواقفه عن لغة جديدة، يسميها «لغةَ العزّ» وتبدو هذه اللغة، من اسمها، لغةً متعالية عزيزة المنال نادرة المثال فائقة الخطر، وأنّ بُدُوَّها وظهورها في محيط المعرفة الإنسانية المحكومة للغاتها الطبيعية كفيلٌ بمحوها، بل طمسِ ما عداها من فكر ولغة وعارف ومعروف ومعرفة، أيَّا كان شأنها ما دامت منوطةً بالعقل الإنساني المحدود، مبينا أن العلاقة بين الفكر واللغة علاقةٌ حتمية وجدلية تزامنية. ولمّا كان ظهورُ لغة العزّ يعصف بالفكر الإنساني وأنساقه وعلاماته اللغوية ويذرها قاعًا صفصفًا، كان ذلك دليلاً على انطواء لغة العزّ على نظام معرفي فائق ومتعالٍ ومضادٍّ لنسق الفكر واللغة الإنسانيين، وما يصدر عنهما من تصوّرات ومعارفَ، يقول النّفّريّ في وصف لغة العزّ: «وقال لي: لو أبديت لغةَ العزّ لخطفَتِ الأفهامَ خطف المناجل، ودرسَتِ المعارفَ درس الرمال عصفت عليها الرياح العواصف. وقال لي: لو نطق ناطق العزّ لصمَتَتْ نواطق كلّ وصف، ورجعت إلى العدم مبالغ كلّ حرف».
وعن «معالم لغة الحرف بإزاء لغة العزِّ»، أكد د.عودة أن لغة العز تتّخذ في خطابات النّفّريّ تسمياتٍ عديدةً، تتأسّس على كونها وسائطَ معرفيةً إلهية، فإذا تجلّى بها الحقّ على الخلق، أفنَتْ ما سواها من معارفَ مُضْمَرةٍ في اللغات البشرية. من هذه التسميات: ناطق العزّ، ولسان الجبروت، وأنوار عزّتي، وتعرّفي الذي لم أُبْدِهِ، وبُدُوُّ الحقّ، ورؤية الحقّ؛ دالًّا بذلك على أنّ لغة العزّ لا يتقيّد معناها بالحرف والصوت والإشارة كما هو المعهود في اللغة البشرية؛ لأنّها لو تقيّدت لغدت مثلَ اللغة البشرية تتقبّل معرفة المطلق في مراتب تعيّناته لا في مرتبة إطلاقه أو لا تعيّناته؛ وممّا يؤكد ذلك أنّ النّفّريّ نفسه، أفاض في وصف لغة الحرف والصوت أو ما يندرج في حيّز ما يسمى بالعلامة اللغوية، وفي ذلك يقول: «وقال لي: الحرف يعجز عن أن يخبر عن نفسه، فكيف يخبر عني !؟»، «وقال لي: اجعل الحرف وراءك وإلا ما تفلح، وأَخَذَك إليه. وقال لي: الحرف حجاب، وكُلِّيَّة الحرف حجاب، وفرعيَّة الحرف حجاب.
يبيّن د. عودة أن النّفّريّ في عباراته التي لا تنتمي- في شعرية خطابها ومعناها ولغتها وعمق تبصّرها بالموجودات وعلاقتها بالحقّ المطلق، إلا له- يحدّد مفهوم الحرف والمحروف بما يحيل إلى الدال والمدلول باعتبار الموجودات كلّها، لا باعتبار اللغة والخطاب من حيث هما حروف وأصوات وكلمات وتراكيبُ دالّهٌ فحسب، وإنّما تغدو الحروف عنده دالّةً على كلّ ما سوى الحقّ تعالى، سواء المرقومة منها أو أعيانها الموجودة، مشيرا إلى أن النّفّريّ يسوق في مقولاته السابقة ما يؤكّد أنّ مفهوم الحرف عنده يتّسع ليشمل كلّ ما سوى الحقّ تعالى من مُحدثات، وبعبارته هو:» السِّوى كلّه حرف، والحرف كلّه سِوى» فلا فرق بين الحرف والسوى ما دام الواحد يحلّ محلّ الآخر في سياق تعريفه، أما التلمساني يقول:» والرسوم إنّما هي في الحرف والوصف، ويعني الحرفُ عالمَ الخلق، وهو عالم الصور، فكلّ صورة حرف سواء كانت صورة حسّيّة أو خيالية أو مثالية أو روحانية أو معنوية أو حقّيّة، وأمّا حقيقته فلا؛ فإنّ عالم الحقيقة من حيث أحدية جَمْعِها هي حضرة العزّ نفسُها الماحية للحرف، وذلك لأنّه إذا ظهر من لم يزل فَنِيَ من لم يكن».
ويرى د. عودة أن الوقوف في الرؤية عند النّفّريّ، يقتضي أن يشهد الواقفُ اجتماعَ الضدّين في معرفة الحقّ تعالى، واجتماعهما يقتضي نفيَهما، بمعنى أنّه ليس ثمّة قرب أو بعد، وفوق أو تحت، وعلم أو جهل، وإنّما ثمّة وجود محض مطلق تنعدم فيه الضدّيّة والإثنينية. وفي هذا المعنى يقول النّفّريّ:» وقال لي: إن لم تَرَني من وراء الضدّين رؤية واحدة لم تعرفني»، لافتا النظر إلى أن رؤية النفري التي تبدو سلبية للحرف والمحروف أو للسوى، من حيث عدم قدرته على معرفة الحقّ من حيث هو لا من حيث تصوّرات السوى عنه، تعارضها رؤية أخرى تقف من الحرف موقفًا إيجابيًّا.
ويقول د. عودة، بأن ابن عربي يرى أنّ الكلمة من حيث هي وسيط معرفي بين الحقّ والخلق، كادت تكون مقدّسةً، أو هي كذلك وإن لم نستشعرْ قدسيّتَها في ذواتنا، فالكلمة قادرة على تمثيل العالَمَيْن المرئيِّ والغائب تمثيلاً رمزيًّا يمكّننا من أدراكهما، بهذه الرؤيةِ الاستبطانيةِ الكاشفة، يرقى ابنُ عربي بالكلمة إلى منبعها القدسي الأسنى، ليكشف عن حقيقتها الباطنية، وموقعِها العزيز من ذات الحقِّ تعالى، وفعلِها البرزخيِّ الخلاق في الإحالة إلى هذه الذات والتعريف بها، وفي الآن ذاته في الإحالة إلى الخلق، وتعريفهم حقائقَ أنفسِهم.
ويختم د. عودة بالقول: خلاصة الأمر أنّ اللغة/ الكون تنطوي على أفقين دلاليين ضدّين، أفقٍ أوَّلَ يتمثّل في ظاهرها، وأفقٍ آخرَ ثاوٍ في باطنها. فمَنْ وقف على ظاهرها فحسب، فمبلغة من العلم ما يعطيه نظره العقلي وتجربته الحسيّة لا غير، وينطبق عليه قول الحقّ عزّ وجلّ:»يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون».
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش