الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الخمسين إسماعيل الشريف

تم نشره في الأحد 26 حزيران / يونيو 2016. 08:00 صباحاً

الرجل الخمسيني الذي يرى العالم كما رآه عندما كان في العشرين، يكون قد أهدر الثلاثين سنة الماضية من حياته – محمد علي كلاي

ها قد بلغت الخمسين من عمري، هنّأني أحد الأصدقاء لا أدري من باب المجاملة أو المواساة، فقال: الأربعين هي ثلاثين جديدة، فلا تقلق فالخمسين هي أربعين جديدة، قلت له: يا دجّال لم أسمع أحدا يقول أن التسعين هي ثمانون جديدة، فعندما تبلغ التسعين ستكون تسعيني لا زيادة ولا نقصان، أعدك سأحاول الوصول للتسعين فقط لأبرهن وجهة نظري! مع أنني أعرف الآن أن الزمن هو من يتحكم بنا وليس العكس.

جاملتني زوجتي فقالت لي تبدو أصغر من سنّك، عرفت حينها فقط أنني كبرت،قالت لي لا تقلق فالرياضة والحمية والفيتامينات والأدوية والابتعاد عن التوتر تطيل العمر، ولكنها لم تقل لي أنني مع هذا قد أموت فجأة أثناء نشرة أخبار مليئة بصور الدماء، أو بشظية من حزام ناسف فجره معتوه.

عندما كنت طفلا كنت أحلم كثيرا، أرسم الصورة التي سأكون عليها بعد عشرة سنوات، في فترات رأيت نفسي بيليه وفترات أخرى أوناسيس وفترات صلاح الدين فاتحا القدس على صهوة حصان أبيض، ولكن قررت اعتبارا من الآن أن لا أحلم ليس فقط بسبب فشلي في تحقيق أحلامي ولكن لأنني مع هذا العمر قد لا أكون موجودا بعد عشرة سنين، ولكن مع هذا نصيحتي لك احلم كثيرا طالما أن هنالك سنوات كثيرة قادمة، وحدث الناس بها واجعلهم يضحكون من المبالغة في أحلامك، احلم أن تكون قائدا في جيش المهدي، احلم أن تغير العالم للأفضل، احلم أن تجعله مكانا أفضل، وتذكر فأحيانا قد تتفوق حياتك على أحلامك!

تعلمت متأخرا أننا لا نتحكم متى سنأتي ومتى سنذهب وغالبا لن نتحكم في حياتنا. لن أصل إلى ما قاله الجبرية «أن الإنسان لا يقدر على شيء فهو كريشة في مهب الريح لا يوصف بأي قدرة» ولا قول المعتزلة بأن «الإنسان خالق لأفعاله وأنه حر» ولكنني أؤمن أننا نستطيع التحكم بطريقة عيشنا، فكرس هدفا لحياتك ولا تخجل من أن يكون هدفك بسيطا، فقد يكون إدخال البهجة في قلوب الآخرين، ولماذا لا يكون هدفك أن تجعل كل لحظة من حياتك هي لحظة ثمينة.

بعد هذه السنين الكثيرة ما زلت أخطيء، وما زلت أفشل وما زلت أتعلم من أخطائي، وما زلت أتعثر وأتخبط، وما زلت أبحث عن الحقيقة، وما زلت أقدر نعمة الحياة، وأعرف أن الفرق الوحيد الذي منحته لي سنواتي الخمسين أنني أستطيع تطبيق دروس الماضي على مستقبلي وأحاول أن تكون حياتي ذات معنى وقيمة.

أعرف الآن أن عبارة «ليتني كنت أعرف ما أعرفه الآن» هي عبارة غير واقعية، فلا سبيل لي لمعرفة ما وجب معرفته آنذاك لأن ما أعرفه الآن اكتسبته عبر سنوات من العيش وهذا ما يسمى بالخبرة، ولا أحد يتعلم إلا من تجربته الخاصة، والمهم أن لا تهمل أية تجربة دون التعلم منها.

في الخمسين من عمري لم أصبح أكثر حكمة ولا أملك تجربة عميقة لأحدثك عنها، واعتذر لك عن تقديم أية نصائح لتغيير أو إثراء حياتك، فلن تتعلم إلا من تجربتك فأنا مثلك ما زلت أفشل مع فرق بسيط أنني كما يقول صموئيل بكيت أصبحت أفشل الآن بشكل أفضل!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش