الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ثنائية »الأخلاق والمصالح« في صراعات مؤتمر كانكون: حقوق ملكية صناعة الدواء وتجارته نموذجا

تم نشره في الاثنين 1 أيلول / سبتمبر 2003. 03:00 مـساءً
ثنائية »الأخلاق والمصالح« في صراعات مؤتمر كانكون: حقوق ملكية صناعة الدواء وتجارته نموذجا

 

 
* د. عبدالناصر ناصر - أكاديمي وباحث اقتصادي
اعتبر الكثير من الخبراء اختيار مصر نائبا لرئيس منظمة التجارة العالمية في مؤتمرها الخامس المزمع انعقاده في كانكون المكسيكية للفترة بين 10 و14 أيلول ،2003 نافذة يمكن للدول العربية ان تلعب دورا ايجابيا، مشددين بشكل خاص على ضرورة مشاركة الدول النامية مطالبها بعدم ربط تطبيق حقوق الملكية الفكرية مع السماح للدول النامية بتصنيع الدواء واستيراده بسهولة مما يثير فضول البحث بشأن دواعي تمييز ملف تصنيع الدواء وتجارته دون غيره وأبرزها:
أولا: من بين الملفات الخلافية الأكثر تعقيدا على مائدة مفاوضات المؤتمر، يكاد ملف أوجه حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة، المعروف باتفاقية التريبس، ينفرد بمحافظته على طغيان الصراع بشأنه بين مابات يعرف بمعسكري الشمال والجنوب، بعدما اعترى ملفات أخرى، كالزراعات المعدلة وراثيا وتجارة الخدمات، على سبيل المثال، من تغلغل الانقسامات بشأنها الى داخل كلا المعسكرين على حد سواء.
ثانيا: ومن بين الأوجه العديدة لتلك الحقوق في اتفاقية التريبس، تبرز حقوق الملكية الفكرية والصحة العامة، بمحافظتها على قوة ثقل الاعتبارات الأخلاقية تحديدا والانسانية عموما في التأثير على مسار الصراع المعتمل على مائدة المفاوضات من وراء الكواليس، في خضم المعايير المصلحية المتناقضية والمتداخلة في آن معا، سيما في ظل عولمة ثورة المعلومات والتقانة الحديثة.
ثالثا: إن صيانة حقوق الملكية الفكرية أكثر من واجبة، فهي من حيث المبدأ، تطال أسمى ما يملكه الانسان، وهو العقل في ابداعاته وتجلياته الفكرية، وانعكاسا لهذه الأهمية، فقد صدر في العام 1710 أول تشريع يعترف بالحقوق الاستثنائية للمؤلف وذلك قبل ثمانية عقود على صدور أول قانون لتنظيم براءات الاختراع في الولايات المتحدة عام 1790. ومن أجل ضمانة أكبر لهذه الحقوق تم إبرام الاتفاقيات الدولية كاتفاقية باريس لحماية الملكية الفكرية الصناعية عام ،1883 واتفاقية بيرن لحماية حقوق المؤلف عام 1886.
رابعا: إن هذه الأهمية لحقوق الملكية الفكرية تكتسي أبعادا إنسانية مميزة، بشأن الابتكارات المندرجة في خانة المواد الطبية والدوائية، المفترض انها تستهدف تخفيف آلام الانسان ذاته، وتضعه في ذروة قدرته على العطاء سليما معافى، وهو ما يعتبر، ومن حيث المبدأ أيضا، في مقدمة حقوق الانسان، بل رديفا لحقه في الحياة، ويقينا فإن أي دستور في بلاد المعمورة، لا يخلو من التأكيد على حق المواطن في التأمين الصحي والتداوي، رغم تفاوت النظم الصحية الضامنة لهذا الحق من دولة الى أخرى.
خامسا: خلافا للابتكارات وحقوق ملكيتها في مختلف مناحي الحياة الانسانية، فإن سمات مميزة تكاد تنفرد بها صناعة المواد الطبية والدوائية، باعتبارها حديثة العهد نسبيا تعود رسميا للعام 1897 منذ تصنيع الأسبرين لأول مرة، حيث كان التطبب قبلها يعتمد على المستخلصات النباتية والتداوي بالأعشاب، وخلال القرن العشرين تطورت هذه الصناعة بقفزات متسارعة توجت في نهاية القرن باكتشاف خارطة الجينوم البشري التي دشنت عصرا جديدا تكمن أهميتها في انها تفتح على امكانية اكتشاف المرض قبل حدوثه واكتشاف العوامل المهيئة للمرض وبالتالي انتقال عملية التداوي من العلاج الى الوقاية، وعلى سبيل المثال فإن تطورات علم الأدوية طيلة النصف الثاني من القرن العشرين جعلت صناعة العقاقير تركز على 500 هدف جزئي، وبعد عام واحد على اكتشاف الخارطة الجينية تجاوزت 1500 هدفا، ومن المتوقع ان تعد الاهداف بعشرات الآلاف قبل نهاية العقد الجاري.
سادسا: بالتوازي مع التطورات الهائلة في مجالات الكيمياء الفارماكولوجية، تطورت حوافز الممولين لضخ الأموال في شركات تصنيع المواد الطبية والدوائية، مما استدعى التسريع في اقرار القوانين لحماية الملكية الفكرية كعامل مسرع لتعميم الأدوية، وتسريع الانتاج مستفيدة من الميزات النسبية للصناعات الدوائية التي جعلت منها صناعة مربحة، فهي تختص بمنتج ذي وضع خاص، لا يمكن الاستغناء عنه وليس له بديل، فضلا عن كونها صناعة تعتمد البحث العلمي الذي كان يستحوذ على 4 بالمئة من اجمالي مبيعات الدواء على المستوى العالمي عام ،1950 ارتفعت الى 9 بالمئة عام 1960 ثم الى 13 بالمئة عام 1985 ثم 20 بالمئة عام ،1998 وذلك وفق احصاءات منظمة الصحة العالمية التي قدرت الانفاق على التطوير والبحث بنحو 28 بالمئة من اجمالي 432 مليار دولار هي اجمالي مبيعات الدواء حول العالم عام 2002.
سابعا: هذه الأهمية للصناعات الدوائية كانت حاضرة لدى معظم حكومات البلدان النامية التي اعتبرت تحقيق الأمن الصحي جزءا من الأمن القومي، ورفعت شعار تحقيق الاكتفاء الذاتي من الدواء بأسعار معقولة، الا انه ومع منتصف السبعينات بدأت منتجات هذه الصناعة تفقد ريادتها في الأسواق المحلية لأسباب عديدة أبرزها عدم إيلاء الأهمية المطلوبة لزيادة الانفاق على البحث والتطوير في ظل سياسة التركيز على التوسع الأفقي وزيادة عدد المصانع وبالتالي الانتاج لسد الاحتياجات المحلية على حساب التوسع الرأسي، فضلا عن إنشاء تلك المصانع وفق أسلوب التسليم بالمفتاح، التي تعتمد في انتاجها على الترخيص من الشركات العالمية بما يعنيه ذلك من استيراد للمواد الخام الأساسية، زاد طينها بلة، استيراد المواد الفعالة من مصادر متواضعة في الامكانية والجودة لتقليل النفقات المالية، حيث ساهمت هذه العوامل مجتمعة في تحول غالبية مصانع البلدان النامية الى تعبئة الأدوية أكثر من تصنيعها، وبعدما كانت تغطي ثلثي حاجة أسواقها المحلية بالمتوسط العام أواسط السبعينات، لم تعد قادرة على تلبية ربع احتياجاتها من الأدوية غير الأساسية و5 بالمئة من الأدوية الأساسية.
ثامنا: لم يعد نتاج صناعة المواد الطبية والدوائية مجرد كونها سلعة استهلاكية بل باتت تعتبر سلعة استراتيجية خاصة، الابتكار في صناعتها، وحقوق ملكيته، لا يترك آثاره على الاحتياجات الدوائية في الحاضر والمستقبل فقط، بل تتسع لتشمل أيضا مواجهة الأنماط المرضية المزمنة والمتوطنة، والتحكم بالتالي بالبنية السكانية للمجتمعات، التي تعد أحد أهم ركائز التنمية البشرية، وبالتالي التنمية الاقتصادية المستدامة.
وفي ضوء هذه الاعتبارات وغيرها أصبح الاهتمام بملف صناعة الدواء وتجارته متعدد الجوانب والأطراف، بل كان ملف حقوق الملكية الفكرية والصحة العامة، الملف الخلافي الأكبر في مفاوضات جولة الأورغواي لأكثر من سبع سنوات، ولم يجد له حلا إلا في اطار ما يعرف بالصفقة المتكاملة التي مهدت لولادة منظمة التجارة العالمية في مؤتمر مراكش لعام 1994 لتكون اتفاقية التريبس (التي هي جزء من الصفقة المتكاملة وجاءت في الملحق الثاني لمنظمة التجارة) بمثابة أول اتفاقية دولية شاملة لكل فروع وصور الملكية الفكرية، وتهتم بموضوع تسوية المنازعات بين الدول الأعضاء وكيفية تطبيقها مع مطلع 2000 باستثناء المنتجات الطبية والدوائية حيث يبدأ تطبيقها مطلع 2005.
ولكن مجموعة البلدان النامية في المنظمة، استشعرت بعض ثغرات هذه الصفقة منذ المؤتمر الأول للمنظمة في سنغافورة ،1996 وشكلت على خلفية ذلك تكتلا فيما بينها تبنى الدعوة الى ضرورة اجراء مراجعة لملف أوجه حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة، وتحديدا بالصحة العامة، معللا دعوته بأنه مع سريان الاتفاقية فإن صناعة الدواء في بلدان المجموعة التي تغطي حوالي 75 بالمئة من احتياجات أسواقها المحلية بأسعار معقولة وطنيا، سوف تلتهمها الشركات العملاقة مما يؤدي الى زيادة رهيبة في أسعار الدواء، أكبر من طاقة مواطنيها وحكوماتها أيضا على الاستمرار بالنظم الصحية المعمول بها.
وبينما أصرت مجموعة البلدان النامية على دعوتها، رفضتها البلدان المتقدمة، الأمر الذي أعاد الجدل والنزاع بشأنها كصراع بين معسكري الشمال والجنوب، وبلغ ذروته في مؤتمر سياتل الثالث للمنظمة مشكلا أحد الأسباب التي ساهمت في فشله، بينما استطاعت البلدان النامية انتزاع مكتسبات مهمة لصالحها في مؤتمر الدوحة الرابع للمنظمة متمثلة بصدور بيان خاص الى جانب البيان الرسمي للمؤتمر الذي اعترف بالانعكاسات السلبية لتطبيق اتفاقية التريبس وتأثيرها على توفير الدواء لشعوب البلدان النامية جراء ما تقوم به من تقييد سيادة حكوماتها في الاستيراد والتصنيع وتسعير الدواء بما يتناسب مع امكانات ودخول شعوبها.
أما البيان الخاص بشأن حقوق الملكية الفكرية والصحة العامة، وهو أحد الوثائق الثلاثة الصادرة عن المؤتمر، فقد اعتبر الانجاز الأهم لمجموعة البلدان النامية، بعدما كان هذا الملف مدرجا في قائمة الموضوعات غير القابلة للتفاوض، ولا يقلل من أهمية هذا البيان اعتبار البلدان المتقدمة موافقتها عليه لأسباب انسانية رغم مخالفته لصلب برنامج عمل المنظمة ولا الطابع السياسي الغالب على صياغته، سيما وأن البيان اعترف بخطورة مشاكل الصحة العامة في البلدان النامية من جهة وحرصه على ان اعادة فتح المفاوضات مرهون بعدم فرض قواعد اتفاقية التريبس بشكل مطلق على الدول النامية، رابطا ذلك بما يتسق والأولويات المحلية الكفيلة بتحقيق مصالح شعوب هذه الدول وبما يكفل لها النمو والتقدم من جهة ثانية، ولكن الاهم في هذا السياق ان البيان اعاد طرح التوازن الذي طالما كان محل جدل على اساس معادلة تعترف من ناحية بأهمية حماية الملكية الفكرية لأغراض الابتكار وتطوير الصناعة الدوائية، ولكن من ناحية أخرى وفي نفس الوقت لم يغفل ما قد يؤديه ذلك من ارتفاع كبير في الاسعار.
بهذا المعنى، جاء البيان ليعيد بعض التوازن الى معادلة المصالح التجارية والاعتبارات الاخلاقية والانسانية، سيما في تأكيده على أن الاتفاقية لا تحول دون اتخاذ الدول الاعضاء للاجراءات الكفيلة بحماية الصحة العامة لمواطنيها على حساب مبدأ حرية التجارة، وكذا احترام حق الشعوب في الحصول على الأدوية والعقاقير الطبية اللازمة للجميع بالأسعار الموازية والملائمة، بما يعنيه ذلك من مرونة كبيرة للدول في فرض التراخيص الاجبارية والحرية في تحديد أسس منح هذه التراخيص الى جانب المرونة في تفسير حالات الطوارىء والضرورة بالنسبة للصحة العامة والأزمات والأوبئة، وفقا للأوضاع السائدة في كل من هذه البلدان النامية.
وبعد نحو عامين على مؤتمر الدوحة، فإن مجموعة البلدان النامية لا تزال مصرة على تأجيل موعد نفاذ الاتفاقية الى ما بعد 2005 مستخلصة أهمية المكتسبات التي انتزعتها، وتدلل على ان تكتلها قوة لا يستهان بقدرتها على حماية مصالح شعوبها في وجه الضغوط التي تمارسها الدول الكبرى والشركات العملاقة من ورائها، بما يعنيه ذلك من ضرورة التنبه الى ان جولة المفاوضات القادمة سوف تلقي بأعباء كثيرة على عاتق حكوماتها، وعدم تأجيل موعد نفاذ اتفاقية التريبس سيجعل من المعركة أكثر شراسة، يجب ان تبدأ الدول النامية من الآن التحضير لها بالتوصل الى توافق تصر عليه في مؤتمر كانكون نابع من عدالة موقفها إنسانيا وأخلاقيا، فضلا عن واقع مصالح شعوبها، ما يتوجب الدفاع عنه بكل قوة، وبما لا يضير مصالح الشركات، بمعنى إمكانية التوصل الى حل وسط بالسماح بالتصنيع لبعض الأدوية الضرورية، خاصة للدول النامية الفقيرة التي تنتشر فيها الأوبئة.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش