الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

البكاء والدعاء فقط..!

حسين الرواشدة

الجمعة 16 كانون الأول / ديسمبر 2016.
عدد المقالات: 2546
اسوأ ما يمكن ان يصاب به الناس في بلداننا المنكوبة هو الشعور بفقدان الامل والاحساس بالعجز. ولو سألتني ماذا يملك نحو مليارين من العرب والمسلمين اليوم امام مشاهد القتل والدم التي تصدمنا في حلب وغيرها من مدننا التي تذبح ، حيث الاخ يقتل اخاه ثم يستأجر الاخرين للاجهاز عليه ، لاجبتك دون تردد : لا يملكون مع هذا العجز والحسرة سوى امرين هما : البكاء والدعاء فقط.
في خطبة الجمعة، وكذلك في الخطب و”البوستات” التي نقرؤها على وسائل التواصل الاجتماعي ، نجد صوتا واحدا يدعونا الى استخدام “السلاح” الوحيد الذي نملكه، فنردد ما قاله مولانا الشيخ : اللهم انا لا نملك غير “الدعاء” فانزل علينا نصرك الذي وعدت!
صحيح أن الدعاء مطلوب في كل وقت، لكن شتان بين دعاء استوفى شروطه وأتم مقرراته وأحكم استحقاقات الاستجابة، ودعاء آخر يهرب أصحابه الى السماء دون ان يفعلوا على الارض شيئا، ودون ان يقدموا ما باستطاعتهم لاصلاح حالهم وأحوال الآخرين، فالله تعالى أمرنا بالدعاء ووعدنا بالنصر، ليس باعتبارنا مسلمين فقط، ولا مظلومين أيضاً، وانما قرن الأمر والوعظ بشروط “العمل” والحركة وبذل الجهد والقيام بالواجب، فالوعد “بالنصر” مثلاً ليس شيكاً على بياض يعبئه المسلمون متى شاءوا ومتى أرادوا، وانما هو “شيك” يحتاج الى رصيد يملؤونه هم بالعمل والتعب والاخلاص، وعندئذ يمكن ان يسحبوا منه، وقديماً قال علي بن أبي طالب للرجل الذي اشتكى اليه مرض ناقته بالجرب، وأخبره بأنه لم يمل من الدعاء لها بالشفاء: “هلا جعلت مع دعائك شيئاً من القطران”.
اما سلاحنا الاخر للاسف فهو “البكاء” : في ادبياتنا الدينية “ فقه” خاص بالبكاء، له أحواله وشروطه وفضائله، وفي عالمنا العربي والاسلامي اشتهر إخواننا الشيعة باقامة احتفالات موسمية في مناسبات متعددة لممارسة مثل هذه البكائيات كتعبير عن الندم لتخليهم عن نصرة الحسين رضي الله عنه كما ان اخواننا الصوفيين يمارسون بعض هذه الطقوس في حلقات اذكارهم التي غالبا ما تتسم بالصراخ والبكاء للوصول الى العالم الاعلى حيث الانسجام مع الذات والاقتراب من الحق، الان تحولنا جميعا الى شعوب لا تجيد الا اللطم والبكاء ، واخشى ما اخشاه ان تؤسس هذه المآسي التي نمر بها ذكريات لاجيالنا لكي يحييوها بالبكاء ويستذكروا من خلالها المظلومية ، كما يفعل الشيعةالان.
صحيح ، يمكن ان نفهم هذا البكاء في اطار التعبير عن مشاعر الحزن أو الضيق أو في مواجهة المآسي التي يزدحم بها واقعنا وهو (البكاء) هنا منسجم مع الفطرة الانسانية التي تنتابها لحظات من الفرح والحزن تحرك داخلها غرائز مثل الابتسامة او الدمعة الباكية، لكن ما لا يمكن فهمه هو ان يتحول البكاء الى “روح” عامة تسري في المجتمع والناس والامة، بحيث تتعامل مع مختلف التحديات التي تواجهها بمنطق الدموع تماما كما فعل شعراؤنا حين وقفوا للبكاء على الاطلال، وهكذا يمكن ان نتحول الى بكائيين عاجزين عن فعل اي شيء، لدرجة قد نتصور فيها احيانا ان بمقدور الدموع المسكوبة ان تحجب عنا رؤية الواقع و مواجهته ، او انها السلاح الوحيد الذي نملكه لتغيير احوالنا وحل مشاكلنا.
فرق كبير بين اولئك الذين الذين دفعهم انجازاتهم وانتصاراتهم الى البكاء فرحا او الابتهال والدعاء شكرا ، وبين شعوبنا التي دفعها الشعور بالعجز وقلة الحيلة والظلم والاستعباد، او اضطرتها مآسي الحروب والصراعات الى الدعاء والتوسل او البكاء والندب وشق الجيوب، اولئك قاموا بواجبهم على الارض في بناء الحياة ونهضوا بمسؤوليتهم ثم جلسوا للدعاء او البكاء لاستئناف هذا الواجب واتمامه، اما نحن فقد خنقنا العجز والقتل والخوف والتخلف، واستفزعتنا دعوات “النعي” التي انتشرت حولنا، ولم يسعفنا تفكيرنا في الخروج من المقبرة التي اقمنا بين كوابيسها ودفنّا فيها عقولنا، فاستسلمنا لموجات طويلة من البكاء ، حتى أعمت الدموع عيوننا عن رؤية حاضرنا ومستقبلنا ، ثم لم نجد غير الدعاء للهروب الى الغيب، أو “ابراء” الذمة بعد الاحساس بالعجز وقلة الحيلة.. وانسداد ابواب “الامل”!
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش