الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فقه الحسنات

تم نشره في الجمعة 15 تموز / يوليو 2016. 08:00 صباحاً

 د. عصر محمد النصر

يقف المسلم على باب الغيب وجلا يرجو رحمة ويتطلب عملا يرتقي به مدارج الصالحين, فتتشوف النفس لحسنة تضعها قربانا على عتبة القرب من الله سبحانه, تثقل بها الموازين وتملأ الصحائف, يسعى ليوم يسعد فيه, وينادي بصوت عالٍ « هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ «(الحاقة, الآية 19), كتاب ملأه بالحسنات, يحكي قصة الإنسان في دار التكليف, تمثل الحسنة فيها كمثل السيئة طريقا سلكه وعملا قام به وصفة اتصف بها, ترسم ملامح حياته في هذه الدنيا.

يمثل فقه الحسنة أعظم فقه تسعى إليه النفس وتطلبه, والقصد إليه أعظم قصد لما له من عظيم الأثر على صاحبه في سيره إلى الله سبحانه, وهو من فقه الآخرة, وقد جاء الشرع الحكيم بأعدل الأحكام فهو الذي :» يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ «( النحل, الآية 90), وقد بَعثَ فينا رسولا :» يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ «( الأعراف, الآية 157), وقد تقرر أن هذه الأمة المرحومة جاءت بعد نزعتين عظيمتين قال فيهما ربُّ العزة سبحانه :» يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ «( النساء, الآية 171), جاءت مراعية لإنسانية الإنسان وحاجته, ومراعية لروحه ورغبته, فكانت هذه الأمة أقل الأمم عملا, وأعظمها أجرا, وفي الحديث :»  مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلاَةِ العَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ العَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ «، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ، وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا، وَأَقَلَّ عَطَاءً؟ قَالَ:  هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟  قَالُوا: لاَ، قَالَ:  فَذَلِكَ، فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ»( البخاري).

وقد تتنوع الطرق التي يسلكها العبد إلى ربه سبحانه بتنوع الأسباب والدوافع, حتى تذهب بصاحبها نحو الغلو وتورثه الخطأ, كما تعبد قوم بترك النوم وهجر الفراش وأكل اللحم, وتعبد غيرهم بالصمت وترك الكلام والوقوف في الشمس, كل ذلك ينهاهم عنه الشرع ويوجه طاقتهم, فليست المشقة مقصودة لذاتها, وليس لله حاجة في عذابنا, وفي الحديث :» لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»( البخاري), في ثنائية تحفظ للنفس حاجتها وتسير بها مسيرة يحبها الله سبحانه ويرضاها.

يبدأ فقه الحسنة من أمر الشرع بها, حيث جاءت نصوصه بالأمر بكل خير وبر والنهي عن كل شر وإثم, وهذا أصل عظيم يتعلق بصلاح الإسلام, ومن هنا كان تعظيم النص الشرعي باب من أبواب فقه الحسنات وعلى قدر هذا التعظيم تعظم الحسنة في الميزان, وهو باب تتفاوت فيه الناس, فمرد الأمر بعد تعظيم النص إلى فقهه وفهمه :» مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ «(البخاري )؛ ولذلك كان الفقه في الدين أعظم المنازل وأجل القربات, ففيه يعرف مراد الله سبحانه وحكمته, وقد جعل الله سبحانه على ذلك شاهدا ودليلا فمنَّ الله على المؤمنين ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم, فكان إتباعه وطاعته أحسن الطرق وأصحها ولا سبيل غيره, وعلى قدر تحقيق هذا الإتباع وتلمس مواطن قوله وفعله تعظم الحسنة ويعلو شأنها, ومما يتفاوت به الناس في باب فقه الحسنة, تفاوتهم في النية وهو باب خطير جليل الشأن وهو سر بين العبد وربه سبحانه, يرتفع به أقوام ويحط به آخرون :» إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، وَلَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، إِلَّا شَرَكُوكُمْ فِيهِ « قَالُوا: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: « حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ «(صحيح), وكم في سعة النية وصلاحها من جبر لنقص في العمل وسد للخل.

من أبواب فقه الحسنة مراعاة مراتب الحسنات في الشرع, وهذا يتطلب حسن توجيه الناس, والأخذ بأيديهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم, وهذا باب كبير الأجر شديد الخطر يحتاج من الموجه معرفة واسعة لمراتب الأعمال على وفق ما تقرر في الشرع بعيدا عن المصالح الخاصة في كل نطاقاتها, فإذا تقرر هذا فإن الحسنة تعظم كلما أقترب العمل من حقيقة الدين والرسالة, فأعظم الحسنات حسنة التوحيد وما يجب لله سبحانه على عباده, وهو أعظم ما يدعا إليه, وهو أعظم مقاصد بعثت الرسل وإنزال الكتب, وفي الحديث :» حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا «( البخاري) , ومن هذا الباب كل ما يعين على هذا المقصد؛ كالإخلاص لله وأداء الفرائض والواجبات, ونبذ كل ما ينقض التوحيد.

ومن أبواب فقه الحسنات ما يتعلق بحاجة الناس والقيام على شأنهم وتقديم المساعدة لهم, فكلما عظمت الحاجة عظم أمرها وعلت منزلتها, ومن هذا الباب وأجله حاجة المجتمع فهي أهم من حاجة الأفراد إذ تعظم فيها الرغبة.

يمثل فقه الحسنة أجل ثمرات العلم, وأشرفها بإطلاق, وهذا يتطلب حسن تفقه في الشرع, كما يتطلب تعظيم الحسنة في نفوس الناس وحسن توجيههم وملاحظة حاجاتهم, مع مراعاة تغير أحوالهم وما يرد عليهم من أخطاء.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش