الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

البكاء على ديمقراطية تركيا

حلمي الأسمر

الاثنين 18 تموز / يوليو 2016.
عدد المقالات: 2514



في الموروثات الشعبية يقولون: عدو جدك ما بودك! ومن باب التجوز، نستذكر هنا الأب الروحي للصهيونية، مع أبينا الرمزي في زمن هذا الأب: السلطان عبد الحميد الثاني، هذا الأب الذي ارتبط اسمه في المخيال الشعبي والنخبوي بالتخلف، فكان من يُراد أن يوصف عقله بالتحجر، يقال له «حميدي» هذا «الجد» رحمه الله، كما أصبح معروفا للجميع، مما لم نتعلمه في المدارس، هو من أخر قيام المشروع الصهيوني الاستعماري في فلسطين، ومنع بيع أرض فلسطين لليهود بمراسيم سلطانية صارمة، رغم سخاء العرض الذي قدمه أبو الصهيونية هيرتزل، الذي قضى شهرا في «الآستانة» يتحايل للقاء السلطان، وقد حاول إقناع صديقه نيوزلينسكي ذي العلاقة الحسنة والطيبة مع السلطان، بالتوسط له لدى السلطان للقائه، قبل عبد الحميد الثاني وساطة نيوزلينسكي، وقدم وصديقه هرتزل في حزيران/ يونيو 1896 والتقوا بالسلطان عبد الحميد الثاني، وكان السلطان يحرص على توثيق جميع اجتماعاته ولقاءاته، وحسب الوثيقة التي وثقت هذا الاجتماع؛ بدأ هرتزل قوله بتعبيره عن خالص احترامه وتقديره للسلطان الكبير عبد الحميد الثاني ومن ثم تطرق إلى موضوع فلسطين قائلًا: «إن الأمة اليهودية ومنذ زمن طويل تتعرض لأقوى وأبشع أنواع الذل والاستحقار والإقصاء، ومن أجل تخليصها من أنواع العذاب الشرسة هذه، فإن كل ما نريده هو قبولكم لهجرتهم لفلسطين لا لشيء سوى إنقاذهم من التمييز البشع الذي يتعرضون له في أوروبا والقيصرية الروسية وأتعهد لكم في مقابل قبولكم هذا بسداد جميع ديون الدولة العثمانية وحتى تزويد الميزانية والخزينة العثمانية بفائض عن حاجتها». فرد عليه السلطان العثماني بالقول «لا أستطيع بيع حتى ولو شبر واحد من هذه الأرض، لأن هذه الأرض ليست ملكا لشخصي بل هي ملكٌ للدولة العثمانية، نحن ما أخذنا هذه الأراضي إلا بسكب الدماء والقوة ولن نسلمها لأحد إلا بسكب الدماء والقوة والله لو قطعتم جسدي قطعة قطعة لن أتخلى عن شبرٍ واحد من فلسطين».

استدعيت هذه الواقعة التاريخية المضيئة في تاريخ «العثمانيين» الذين تعلمنا في المدارس، أنهم كانوا «يستعمروننا!» وأنا أقرأ عددا من مقالات الكتاب العبريين، المنشورة في صحفهم أمس، وجلها تتباكى على الديمقراطية التركية، بعد فشل الانقلاب العسكري في تركيا، على اعتبار أن هذا الفشل توج أردوغان سلطانا أوحد على تركيا لعشرين سنة قادمة، ولا يخفي هؤلاء الكتبة دموع التماسيح، التي يذرفونها على مستقبل «الديمقراطية العلميانية» حيث صوروا الانقلاب وكأنه محاولة للدفاع عن إرث أتاتورك، في وجه «الفاشية الإسلامية» لأردوغان، والغريب هنا، أن من ذرف الدموع أيضا، مع اليهود، عرب فصيحو اللسان، يسمون أنفسهم تنويريين، يرون في أردوغان دكتاتورا، وتمنوا من أعماقهم لو نجح الانقلاب والتف حبل المشنقة حول رقبة الرجل، كما حصل مع سلفه ابن حزب الشعب، حزب أتاتورك العلماني، عدنان مندريس الذي أعدمه الجيش لأنه أعاد الأذان باللغة العربية، وسمح بقراءة القرآن الكريم!

أردوغان، هو حفيد عبد الحميد، والفاتح، والقانوني، وغيرهم من سلاطين الدولة العثمانية، ولكن الزمن هو غير الزمن، والأدوات تتغير، بتغير الأزمان والأحوال، ولكنه كما قال يوما، لن يسمح لهم بأن يفعلوا معه، كما فعلوا مع علي عدنان ارتكين مندريس، رحمه الله!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش