الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لكي نفهم ما حدث في تركيا.

حسين الرواشدة

الاثنين 18 تموز / يوليو 2016.
عدد المقالات: 2559

الذين راهنوا على نهاية “اردوغان” ومعه التجربة الديمقراطية ، خسروا هذه الجولة لثلاثة اسباب ، اولها: ان ما حققته تركيا بقيادة (أردوغان) من تحولات في المجالات  السياسية و الاقتصادية ، ومن ترسيم جديد لعلاقة الشعب التركي مع هويته ومحيطه الإسلامي، كانت أعمق وأكبر من كل المحاولات التي جرت من قبل لتحريض الشعب التركي ضده، أو لإقناعهم بتمرير او مباركة (الانقلاب) عليه، فقد ارتبط أردوغان منذ عقود ( حين كان رئيسا لبلدية اسطنبول) في ذاكرة الاتراك بـ( الانجازات) التي حققها ،وقد جمع هنا شرعية الانجاز وشرعية الصناديق وهما أصدق بنظرهم من الاتهامات التي ألصقت به ، أما السبب الثاني فهو أن أغلبية الاتراك ادركوا أن(الهجمة) التي واجهها اردوغان ،لا تستهدفه فقط، بل تستهدفهم اولا ، فهو خيارهم ، كما انها تستهدف تركيا الجديدة التي ساهموا كلهم في بنائها ، صحيح أن الذين بدأوا الهجوم عليه منذ ان تولى الحكم كانوا من المحسوبين سابقا عليه (جماعة غولن) ناهيك عن خصومه التقليديين، لكن الصحيح ايضا أن اخرين ( منهم دول لا تضمر لتركيا خيرا) انضموا الى الهجمة حتى تحولت الى “انقلاب” اما  الهدف فهو اسقاط ( مشروع) نهضة تركيا وإعادتها الى الوراء ،يبقى السبب الثالث وهو اقتناع المتعاطفين - وحتى المتحفظين على اداء اردوغان وحكومته- من اوساط غالبية الاتراك أن البديل لو نجح الانقلاب سيكون حكم العسكر الذي جربوه وذاقوا مراراته لاكثر من ثلاث مرات _ منذ  1960 الى 1997).

لكي نفهم ما حدث في تركيا (15-7) نحتاج الى التذكير بما جرى على ضفاف العلاقة بين “الاسلاميين “ والعسكر،حيث انتهت التجارب التي وصل اليها المحسوبون على التيار الاسلامي هناك (مندريس مثلا الذي اعدم بعد الانقلاب عليه، واربكان الذي قدم استقالته بعد سنة من الحكم وانتهى الى المنع من ممارسة العمل السياسي) الى انقلابات غالبيتها عسكرية، اعادت العلمانيين الى السلطة، وتركت لمجلس الامن القومي الذي يسيطر عليه الكماليون حرية معاقبة او حذف كل من يتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها اتاتورك لتحويل تركيا والى غير رجعة، عن محيطها الاسلامي وهويتها الحضارية.

حين ترشح عبدالله غول -مثلا - لرئاسة الجمهورية في المرة الاولى وجّه العسكر  انذارا هددوه فيه بالانقلاب عليه اذا ما انتخب لهذا الموقع الامر الذي دفعه الى التنحي عنه،اردوغان آنذاك (2010) وفي خطابه بعد الفوز الذي حققه حزبه “التنمية والعدالة” في الاستفتاء على الاصلاحات الدستورية تذكر انذار العسكر الى “غول”   واختار ان يرد عليه بجملة واحدة :  “هذا انذار الشعب ايضا” بعد ان وعد الشعب التركي بأن “الرد سيكون في صناديق الاقتراع” وقد كان، لاحظ ان الرد على محاولة الانقلاب الاخيرة  جاء من خلال الشعب ايضا ،كما طلب اردوغان في رسالته عبر الهاتف .

المعنى -بالطبع - كان واضحا ، فقد أُسدل الاستفتاء الذي جرى الستار على حقبة طويلة من عمر الدولة التركية كان فيها الجيش “حارسا للقيم العلمانية” وفاعلا قويا في اللعبة السياسية وكان لموعد اجراء الاستفتاء ( صادف في الذكرى الثلاثين للانقلاب العسكري الذي وقع عام “1980 ) دلالة خاصة اختزلها العنوان الذي اختارته صحيفة صباح “تركيا تنظّف عار الانقلاب” مع ان التعديلات التي جرى الاستفتاء عليها و تشمل اكثر من عشرين مادة في الدستور لا تتعلق بسلطة العسكر فقط وانما بسلطة القضاء سواء فيما يتعلق بصلاحيات المحكمة الدستورية او بالطرق التي يتم فيها تعيين القضاه وبسلطة الحكومة ايضا ( لاحظ ايضا الاقالات التي شملت القضاة والعسكر بعد محاولة الانقلاب الفاشلة).

صحيح ،بوسع ( الفتى الشجاع) أردوغان أن يمدَّ لسانه لكل الذين راهنوا على ( سقوطه)، فقد خرج الرجل  منتصرا بعد “الانقلاب الفاشل”  الذي توقَّع خصومه ان يكون اخر طلقة للانقضاض عليه ، واستئصال تجربته من الجذور.

لكن لا بد من التذكير ان المقاصة بين “نظام الحكم المدني” في نسخته الاسلامية وبين العسكر لم تحسم على ما يبدو بالشكل المطلوب ، وهي مرشحة للظهور ، لكن ليس على شكل انقلاب سافر كالذي جرى مؤخرا وفشل ، وانما باشكال جديدة ربما ، وهذا ما دفع اردوغان الى الاسراع باتهام “غولن” وتسريح الاف الضباط والقضاة المحسوبين على جماعة “الخدمة” ، وما قد  يدفعه لاحقا الى ترتيب الداخل التركي من جديد ، ليس فقط من اجل ضمان عدم “تسييس” العسكر ، وانما ايضا من اجل رد التحية للاتراك من كافة التيارات السياسية والاجتماعية على وقفتهم معه لصد محاولة الانقلاب، لكن هل خرجت تركيا من ازماتها ، ام انها مرشحة للتصاعد..؟ هذا يحتاج الى كلام آخر.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش