الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حالة بوح

تم نشره في الجمعة 22 تموز / يوليو 2016. 08:00 صباحاً

 



د. صفاء الشريدة *



للمرة الأولى تريد أن تكتب... وللمرة الأولى تريد أن تبوح... ما زال البوح الشفوي صعبا للغاية لعل الكلمة المكتوبة تستطيع أن تعين، فخوالج النفس مجموعة من الأحجيات والشيفرات تحتاج إلى محاولات كثيرة لتخرج كنزها المكنون. عكف المؤلفون مرارا على عجن الأوراق وتمزيقها ورميها، وعليها خلف جهاز الحاسوب أن تعجن خلجاتها، وتمزق مشاعرها، وترمي آهاتها دفقات دفقات؛ لعل المدفون ينبعث فيهدأ الألم.

احتاجت أربعين عاما من البكاء الصامت، والابتسامات المرسومة، والآمال المعقودة، والطموحات المبثوثة والأوهام المصدقة؛ احتاجت أربعين عاما لتكتشف أن الزيف داخلها وحولها أكبر من كل محاولات النجاة والعوم مع التيار. فتجربة خاطئة واحدة في عالمها المتقوقع على عقده محفوفة بالكثير من التبعات التي لا يمكن تجاوزها بسهولة.

مازالت عباراتها رمزية ودواخلها مطوية لا بد من سحب رداء النفس وكيّه لفرد جنباته، وتلمس المشكلات على حقيقتها.

في عالمنا العربي هذا العالم الذي تعوّد المفكرون والكتاب والناس البسطاء على ذمه مازال ذمه سطحيا وغير كامل، فعناصر نقصه كثيرة، صنعها الإنسان الذي يتحدث عنها، ولأنه يراها منفكة عن ذاته لا يستطيع تشخيصها وعلاجها.

في هذا العالم المكفهر ولدت فتاةً قوية، طفلة شقية ذكية، مليئة بالحيوية، تنظر إلى الحياة بكل حب وطموح، تخطو بقدم العلم وقدم العمل متواكبتين، ترى العالم جميلا لأنها جزء منه، وقد غمرتها أفكار مفادها أنها قادرة على صنع ما تريد إذا قررت أن تصنعه. وهنا كانت اللعنة التي ستلاحقها طويلا.

ولدت فتاةً تؤمن بالجمال، العقل والروح والنفس، وكثير في عالمنا العربي أن تحلم بالجمال، علامات القبح تعلو الوجه الكئيب وبعينيه يرى ما حوله. تبادر إلى ذهنها مرة أنها ستسيطر على عالمها فقط وهذا أهم شيء، وفاتها أن اللوحة متكاملة، وأن الألوان مهما كان نوعها حسنا واستخدامها ماهرا؛ فإن يد الرسام وقاعدة الرسم تخرج عن إرادتها... فهي إرادة الجميع.

التفوق في المدرسة، التفوق في الجامعة، البروز في العمل، كلها عناصر تزيد تيار الريح قوة؛ فهي قوة عكسية تزيد بزيادة المقاومة، آذاها كثيرا أنها تفهم نفسها، وتستمع إلى آهاتها، آذاها كثيرا أنها لا تريد أن تكذب، ولا تريد لأحد أن يكذب عليها، آذاها كثيرا أنها تقول ما تريد دون مواربة، الكل يريدك منافقا حتى الأقرباء، وحتى الأبناء أحيانا، آذاها كثيرا وكثيرا وكثيرا...... أنها لم تكن رجلا. في العالم العربي لا يتمكن من الخروج عن التيار إلا الرجل، أحلامه مشروعة، طموحاته مدعومة، أفكاره مرحب بها، وأخطاؤه مغفورة، لأول مرة في حياتها تريد أن تقول، في عالمي العربي الحبيب ليتني كنت رجلا.

ليت في العربية حرف يفيد معنى التمني، وليت في العربية لا تخلو من التجني، فأن تقول شيئا وأنت تعرف أنه غير ممكن كِذبة على النفس تُدخلنا في عالم من انفصام الشخصية؛ هو مما يميز الإنسان في العالم العربي.

كلنا نحب الصدق ولكننا كاذبون، كلنا نريد العمل ولكننا كسالى، كلنا متدينون ولكننا مشركون، مشركون... مشركون، نؤمن ونحن نغضب من أقدارنا، ندعو إلى الفضيلة ونحن نحلم بالخروج على القاعدة والتقليد، ننشر الحق ونحن نشدّ على يد الظالم... نحن مشركون نشرك مع الحق شرا آخر، نشرك مع العلن سرا آخر، نشرك مع الإنسان حيوانا آخر.

(هههه) هذه الضحكة مجلجلة أكثر مما تبدو؛ فالحقيقة أكثر إضحاكا من المهزلة التي ندعيها.... في الفيس بوك الحِكم تغزو الطرقات، والجاهل عالم ذرة، والكاذب إمام قانت، في الفيس بوك الكل يحب الحكمة والعلم والخير والكل يمارس الجنون والجهل والشر، ندافع عن الأولى بأفواهنا وندافع عن الثانية بأفعالنا. اسمحوا لي (ههههههه) هذه المرة الضحكة مجلجلة أكثر.

فنحن نعلم أننا جميعا نفعل هذا ونحن لا نحب أن نفعله، نحن أقرب إلى الحمل الوديع عندما يستذئب. فالأسد الذي حكم الغاب بالقوة والقهر لن يستطيع أن يقاتل بالحب في المرات القادمة؛ فما اكتسبه ران على عقله، وهم لا يرجعون.

في هذا العالم القبيح الذي نحبه لم يعد لتلك الفتاة سالفة الذكر مكان للجري والحركة، فعوامل الشد العكسي فرضت هيبتها وهيمنتها، وصار الوقوف أمام التيار هو الوقوف تماما مع التيار.

نعم إن إلزامها لنفسها بأن تقف مع هذا العالم، جعلها قاب قوسين أو أدنى من الوقوف للقتال؛ أمام نفسها وشخصيتها. الأنا عالية.. الأنا محقة.. والأنا مصممة صاحبة إرادة، المحيط قوي ومتماسك ومتشعب وطاغ ومتفلت، القتال سيبدأ، وهو القتال منذ الوعي الأول، وصار موعد الجولة الأخيرة.

إن الحديث عن جولة أخيرة أقرب ما يكون للحديث عن حصان طروادة، وعن واترلو، وعن بلاط الشهداء، وعن وعد بلفور، إما النصر أو الغوص بعيدا في الهزيمة.

ولا شك أن الأمثلة المبهرة التي سقتها، أجابت عن مضمون السؤال: لمن الغلبة اليوم؟ الغلبة اليوم لصاحب الحيلة، والغلبة اليوم لجامع الجمع الذي يقتل الطموح الفردي، والغلبة اليوم لرافض الحق والعدل، والغلبة اليوم في هذا العالم لمن لا يملك الحق، على التوالي... هل أجبت عن السؤال إجابة تشبه إجابتك... إذن فقد اتفقنا، لم تكن نهايات ألف ليلة وليلة بممكنة ولا محتملة، ولكن العالم الوردي الأحمر كان يلهث وراء الدماء، فقتل الطموح والإرادة والخير والعزيمة والكبرياء؛ فهنيئا للأقوياء الذين انتصروا بأيدي الموتى.



* أديبة من الأردن



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش