الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

العرب وضرورة التحرر من الشعور بالتبعية

د. رحيل محمد غرايبة

الاثنين 25 تموز / يوليو 2016.
عدد المقالات: 524



ظاهرة نفسية مرعبة تتجلى بوضوح لدى المجتمعات العربية، أنظمةً وشعوباً وأحزاباً وأفراد، تتمثل بالشعور العميق بالتبعيّة، ذلك الشعور الذي يكاد متأصلاً في النفسية العربية، الذي يتمحور حول الحاجة إلى جدار يستند إليه العربي، ويقاتل دونه وربما يفتدي نفسه من أجله، ويتدرج هذا الشعور من جدار العائلة والعشيرة إلى جدار الدولة، ومن ثم البحث عن جدار القوة الخارجية على المستوى الإقليمي أو العالمي، ولو على سبيل الوهم العميق، وتفعل هذه الظاهرة النفسية فعلها في تقسيم الشعوب إلى فريقين كبيرين متصارعين، ويخلع كل فريق ما شاء من الأوصاف والألقاب على خصمه وعلى نفسه أيضاً، ويتعمق الصراع ويحتد بينهما إلى درجة ظهور المدارس الفكرية التي تنظر لكل فريق وتخلق التبريرات المعنوية والنفسية التي تعمل على إدامة هذه التبعيّة وتعميقها وتجذيرها وتوريثها عبر الأجيال، والوصول بها إلى حالة صلبة يصعب مواجهتها أو إزالتها.

منذ سنوات طويلة والأمة تنقسم بين التبعية للغرب أو الشرق، ففريق التبعية للغرب يتمثل بأنظمة ودول وأقطار وشعوب ومنظمات لها ثقافتها وقيمها وأفكارها ورجالها وشعراؤها وفريق التبعية للشرق كذلك، وبينهما تباين عميق في طريقة التشكل النفسي والوجداني ومنهجية التفكير العقلي وصناعة الهوى والمزاج واكتساب المعايير وطريقة الحكم على الأشياء والأفكار والأحداث، ويزداد الشعور بالتبعية كلما زاد الشعور بالضعف، ويتم التاثر بقوة الجهة والجدار الذي يتم الاستناد إليه على الأغلب قوة وضعفاً.

تتعمق التبعية في نفوس الأغلبية إلى تلك الدرجة التي تحدد الاتجاهات وبناء العلاقات بين الشعوب والأنظمة، بل تكاد تحدد العلاقات بين مكونات الشعب الواحد على الصعيد السياسي والاجتماعي، وتتضح هذه الحالة لدينا في الأردن، وأصبحت تمثل أنموذجاً للحالة العربية، فنجد أن درجة الانقسام السياسي بين القوى والأحزاب السياسية لم تكن إزاء القضايا الوطنية الكبرى المتعلقة بالدخل والانتاج والمديونية والفقر والبطالة، ولا حتى حول قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل كان الاختلاف عميقاً إزاء القضايا الخارجية على المستوى العربي والإقليمي، فربما يكون الاختلاف المجتمعي إزاء الانقلاب التركي والأحداث الداخلية التركية، يعد نموذجاً لدراسة حالة المجتمع الأردني والمجتمعات العربية بإجمال.

الشعور بالتبعية والاستغراق بها يكون نتيجة طبيعية لغياب المشروع السياسي العربي، وضعف الانتماء الوطني، فعندما يكون هناك فشل ذريع على صعيد الأمة العربية وعدم قدرتها على إنجاز منظومة اقتصادية عربية وعاجزة عن انجاز منظومة سياسية، وعاجزة عن تشكيل قوة عربية قادرة على لملمة جهود العرب في محصلة مشتركة تدافع عن المصالح العربية العليا، وقادرة على الدفاع عن الشأن السياسي العربي، ووقف حالة التدخل الخارجي في الشأن الداخلي العربي، وهناك فشل على صعيد مشروع الدولة القطرية أيضاً، حيث لم يتم إنجاز المشروع الوطني على صعيد كل قطر، بحيث بقي المواطن العربي يشعر بالضياع والتيه والخيبة على صعيد الأمة وعلى صعيد الدولة القطرية.

ليس هناك طريق للنهوض إلّا بإعادة بناء الإنسان العربي وتحريره من الشعور بالضعف والاحباط واليأس، وإعادة بناء ثقته بنفسه وأمته ودولته، ولا أمل ببناء الثقة إلّا عبر بناء المشروع الوطني أولاً القادر على إلهاب مشاعر المجتمع الموّحد على أهدافه وقيمه العليا، وإنجاز مشروع تطوير دولته الحديثة تعليمياً وتربوياً، واقتصاديا وسياسياً ضمن رؤية التكامل العربي والإسلامي وإنضاج المشروع السياسي العربي الكبير، بعيداً عن الشعور بالتبعية للشرق أو للغرب أو نحو أي قوة إقليمية أو عالمية تسعى لاستلاب حضارتنا وثقافتنا وتجريدنا من استقلاليتنا.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش