الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عبد العظيم فنجان، وفراعنة الأدب الهزيل <br /> لؤ ي طه

تم نشره في الأحد 31 تموز / يوليو 2016. 08:00 صباحاً

كثيراً من الأحيان تُصاب الحياة كما يُصاب البشر بداء الرياء والانحياز إلى القبيح وعدم إنصاف الجميل. هي تكافؤ من لا يستحق المكافأة، وتعطي ظهرها لمن يستحق أن تنتحني له. الشاعر «عبد العظيم فنجان» عراقي النشأة، دمه مخضّب بكل الدماء التي سالت على رافديه. بسيط الطلة لكنه عميق الاحساس. ليس لديه ما يخسره، بعد أن خسر الكثير من الأحبة والأصدقاء في الحروب المتوالية على أرض العراق؛ فتجده يقول كل ما يعتريه دون خوف لأنه لا يجبد أبجدية التنميق والمسح  على معاطف الجوخ لمن صعدوا على سلم الموت وتسلقوا على أكتاف الآخرين. مؤخراً العزف النشاز من فراخ الشعر الذين لم ينبت لهم ريش ولم تقوى أجنحتهم على الطيران.صار يستفزه كثيراً وتجده كواحد من الغيورين على هيبة الأدب بشكل عام والشعر بشكل خاص يخرج من صمته ورزانته ليقول لهؤلاء الفراخ بحروف أشبه بالصفعة لعل الصحو يعود إليهم. في رسالة إلى شاعر يقول فيها عبد العظيم فنجان» لم أعد مدعوّا إلى أي مهرجان شعري ، في السنوات الأخيرة ، ولعل السبب الأساس هو عدم تلبية دعوات المشاركة التي كانت تنهال عليّ سابقا، وهي قليلة، إذا قورنت بعدد الدعوات التي يتلقاها شاعر لا يعرف ماذا يكتب، ولا نفهم ـ نحن الفقراء ـ الكنوز المخفية في شعره، فالقصة تتعلق بالعلاقات: كلما كان حضورك المادي متفوقا على حضوري الشعري ، نلتَ نصيبا أكثر من كعكة المجد : المجد  الذي لن يزيد الفارغ إلافراغاً. أكتب هذا إليكَ ، وأنتَ لا تعرف أنني ممن يهتمون بشعرك ، لأنه حقيقي وجوهري وقيامي ، يعكس مخاض اللحظة العراقية بخيال يفوق الوصف ، لكنكَ متألم من الإهمال ، فلست مدعوا إلى الحفلة. هل تعرف ؟ أعرف شعراء ( كبار ) وقّعوا بيانات ضد مبادئهم ، من أجل الظهور في مهرجان أوربي أو استرالي ، أو عربي ، ناهيك عن أولئك الذين تطوعوا للرقص تحت معزوفة الحرب، من أجل أن يظهروا على شاشة التلفاز. أعرفُ شعراء ماتوا من الجوع أو تحت التعذيب ، أوعلى الأرصفة ، من أجل أن لا يقولوا : نعم ، للجلاد، وأعرف أيضا أن شعراء الفريق الثاني ذهبوا إلى الله بقلب أبيض، فيما شعراء الفريق الأول ينثرون السخام على حياتهم، يوما بعد آخر لا مجد يضاهي قوة الشعر، فراهن عليها.   

ما دفعني أن أكتب عن الشاعر العراقي، عبد العظيم فنجان هو أنه ليس من الأصدقاء على صفحتي وهو لا يعرف عني أيّ شيء، لكني من متابعي كتاباته وتجلياته الصادقة، فهو على استعداد على أن يتعرى من كل زيف في سبيل أن يقول الحقيقة كما هي بلا زخرفة وبدون صقل ولا تلميع. يكتب عن الحب إلى حد الهذيان ولديه القدرة في أن يروض جماح المفردات، وكأي عراقي عاش تفاصيل كل شيء عراقي يسحبك من يديك ليأخذك إلى جلجامش وأساطير الأولين ومع كل هذا الجمال هو لم يأخذ نصيبه من الحياة كما يأخذها فراخ الشعر الجدد وفراعنة الأدب الهزيل. ثلة من المتذوقين وأصحاب الاحساس المهذّب على صفحته والحشود كلها تذهب إلى المتطفلين على لقب شاعر، يخبو التصفيق على صفحة عبد العظيم فنجان ويعلو الهتاف على فرعون صغير هامان الرياء والنفاق يبني له صرحاً من المجد الكاذب ويترك الزاهد والناسك في محراب الشعر يعيش في الظل والعتمة.

ينخدعون بالصورة، وتخدعهم الألوان الفاتحة؛ لا لجهلهم بالخداع البصري، ولا لعدم معرفتهم بالتقنيات الحديثة وبرامج تنقية الصورة من الشوائب وتشوهات الحقيقة؛ بل لأنهم يحاولون الهرب من الواقع وملاحقة الوهم والسراب. فلو تجولت في أحياء مواقع التواصل وتأملت نسبة الرياء، حتماً سوف تصاب بالذهول من نسبة المصابين بمرض النفاق المزمن. هذه الحالات الوبائية هي التي خلقت « فرعنة السطحية» وتدني مستوى الذوق، وتشويه شكل الأدب. هذا الرياء والنفاق في التعليقات على من يتاجر بالحروف، والكلام سطحي إلى درجة السخافة، ومن المؤسف حين تجد هذا الحشد الكبير أغلبهم من المثقفين وأصحاب الأقلام المعروفة، يلتفون حولهم ويتملقون لهم بما يطرحونه. إذن يجب علينا أن لا نلوم الجاهل بأبجدية الكلام، حين ترى آهاته والتنهيدة التي يرسمها على شكل رموز صارخة مثل wowo وما شابه من رموز الدهشة الغرائزية لا الفكرية. كاتبات رائعات وعميقات في طرحهن لكنهن حقيقيات يحترمن أنفسهن ولا يفعتلن الإثارة بصورهن لا تجد على صفحاتهن تعليقات كثيرة ولا اعجابات مثل زخ المطر. نساء شديدات الأدب يملكن مفاتيح الأخلاق والوعي الشديد لا يتفاعل أصحاب المراهقة المتأخرة مع ما يطرحن من أفكار عظيمة؛ بينما نجدهم مثل النمل يتجمعون حول قطعة السكر المبتذلة والتي هي في متناول كل العيون الشبقة. لكن السؤال المحرج: هل يقدر من فرض نفسه على أنه كاتب أو شاعر في أن يقف على منصة يتابعه ثلة من الأدباء والشعراء وأهل الخبرة أن يلقي قصيدته الهزيلة أمامهم دون أن ترتجف قدماه ويتصبب عرقه؟ وهل  سيصمد لأكثر من دقيقتين أمام أهل الاختصاص؟

ما يحدث الآن كله من مخلفات الحروب، وما خلقته من فوضى في شتى المجالات، حتى طالت الفوضى الأدب. بعض الرجال يهربون من الأخبار الحزينة إلى تلك السخافات ليرتاحوا قليلاً من ثقل الأحداث، وبعض النساء الجريئات استغلوا هذه الفوضى ليخلقوا لأنفسهن مكانة مبنية على إشعال فتيل الرغبات، إما بالصور الشخصية المحسنة والمفبركة، أو بالصورة الكلامية؛ فكلاهما يثير غرائز الذكور. الحرب خلقت عاهات اجتماعية كبيرة كلها ظهرت على مواقع التواصل؛ لأن مواقع التواصل أصبحت هي الواقع المعاش والواقع صار هو الوهم. في الحرب تكثر الرذيلة، ويظهر فيها أصحاب النفوس الضعيفة، من سماسرة الدماء، وسماسرة الأدب الرخيص. وطالما أن الحرب لم تنته، حتماً لن تنتهي حالات الفوضى سواء في الأدب أو السلوك، أو تجارة الموت واستغلال الوضع من قبل الانتهازيين والوصولين. إن محاربة هؤلاء الفراعنة الذين وجدوا شريحة كبيرة هي من «فرعنتهم» يقع على عاتق المثقف الصادق والناقد صاحب القلم اللاذع ليردع هؤلاء الفراعنة ويعيد للأدب شكله الحقيقي ومعناه وهيبته التي فقدها مؤخراً، وأن تكون هناك قيود صارمة لمنع نشر ما هو مبتذل وسطحي وترك الساحة لأصحاب العزف الأنيق والكلمة الهادفة وإجلال الأدب والأديب وأن لا يتساوى الأديب الحقيقي مع أشباح الأدب وعديمي الحس الفني. حين ترفع الأمة من شأن الأديب المجتهد سوف يرتفع شأنها وحين تجعل الأمة الراقصة الشعبية أعلى شأنا من الأديب سوف ترقص من جهلها الأمم وتدوس فوقها بالأحذية تعفر وجهها بتراب السخرية والازدراء.

عبد العظيم فنجان، ومن هم على نفس انتمائه، هم الأحق بالدعوة وأمسيات الشعر الكبيرة، وهم الأجدر بالتقدير والتكريم، لأنهم مازالوا يكتبون عمّا يعجز اليتامي على قوله، ويقولون مالا يقدرنّ النساء الثكالى على البوح به، لأنهم هم الشعب وهم الأهل وهم الأصدقاء والأحبّة، لم يتاجروا بحروفهم للطغاة ولا لزنادقة السياسة، ولم يمشوا على جثث القتلى، ليصلوا إلى العرش والشهرة. ظلوا كما كانوا، يدخنون السجائر المحلية، ويشربون القهوة بكأس الشاي، ويجلسون على المقاهي الشعبية يضحكون بصخب وعفوية، وتراهم عند بسطات الكتب القديمة يبحثون في أوراقها الصفراء عن أي سطر يستمدون منه نور المعرفة.



[email protected]



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش