الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التجديد وانحصار دور المفكرين في العالم الاسلامي

تم نشره في الجمعة 16 آب / أغسطس 2013. 03:00 مـساءً

* صلاح الدين الجورشي

هناك ظاهرة عالمية، لكنها أكثر بروزا وحدة في العالم العربي والإسلامي. وتتمثل هذه الظاهرة في تراجع دور المفكرين الكبار، وانحسار حركة الإبداع داخل مساحات وجداول صغيرة جدا، إلى درجة تأذن بالتوقف والاندثار. وفي المقابل، يشهد الفكر المحافظ ونزعات التقليد والتقوقع داخل متاريس دفاعية انتشارا متسارع الوتيرة، ومخترقا الحدود والمجتمعات والفئات بشكل ينبئ بدخول دورة ثقافية تعيد إقامة التعارض بين النقل والعقل، وبين الماضي والمستقبل، وبين المتن والمعنى، وبين الجزئي والكلي، وبين المرحلي والتاريخي أو الوسائل والمقاصد. كما أخذت تتعمق غربة المثقف المغامر داخل مجتمعه، ليحتل صدارة التوجيه الواعظ الفقير في ثقافته والمقطوع عن عصره، أو السياسي الفاقد لمشروع كبير والحامل للعصا والجزرة. إنها بعدٌ آخر من أبعاد أزمة الوجود العربي الإسلامي، وهو بعد يستوجب التوقف عند البحث عن تلازم الإبداع مع الحرية.
التجديد حركة مفتوحة، أطلقها النص القرآني لمواجهة سلطة التقليد، ومارسها الصحابة بتفاوت فيما بينهم، واختلف العلماء والفقهاء فيما بعد حول الآليات والضوابط التي اقترحوها لممارسة عملية الاجتهاد واستنباط الأحكام والأصول، سواء بخلفية توسيع دائرة النظر في النص والواقع، أو بهدف مصادرة الإسلام واحتكاره. لكن التجربة التاريخية أثبتت أنه كلما تراجعت نزعات التجديد والاجتهاد، وسيطر التقليد على الفكر والممارسة، أدى ذلك إلى حالة من التوقف الحضاري، أو تفاقمت الأزمات الداخلية الخانقة التي تفتح المجال أمام التهديدات الخارجية. 
يوجد جدل لا يزال مفتوحا حول أي المصطحات أقرب إلى الإحاطة بالمعنى المطلوب. هناك عديد المصطلحات التي وضعت واستعملت ولا تزال للتعبير ضمنيا عن نفس الغرض، مثل  التجديد  و  التحديث  و  الاجتهاد ، و  الإصلاح الديني . ولا شك في أن لكل كلمة أو مصطلح ظلاله المعرفية وظروفه التاريخية. ولهذا، سيستمر النقاش بين الفرقاء حول مسألة المصطلح، وهو نقاش مشروع وهام، لكنه يعكس إيمانا لدى أصحابه بأن الفكر الإسلامي أو الثقافة الإسلامية في حاجة أكيدة إلى تحيين للمضامين والمناهج. وأن هذا التحيين شرط لكي يتمكن المؤمن من التصالح مع اللحظة التاريخية التي يحياها ويواجهها. لكن في المقابل هناك، من ينطلق من مناقشة مجمل هذه المصطلحات، ليس من باب نقد دلالاتها وإيحاءاتها، ولكن لإفراغ عملية التجديد من أبعادها العميقة، وخلق حالة من الخوف والحذر الشديد والمبالغ فيه من مسألة إعادة التأسيس المعرفي أو التشريعي.
لكن لماذا هذا الخوف من التجديد؟ كلما نزع التجديد نحو الشمول والتجذر، تنامت المخاوف والشكوك، وتعددت المحاذير والاتهامات. ولا يعود ذلك فقط إلى سلطة الماضي وقوة التراث الذي يسكن الأفراد والمجتمعات، وإنما أيضا لحساسية المجال ودقته. إذ كيف نعيد بناء المقدس دون أن نلغي قداسته، أو نفرغه من دلالاته الرمزية التي يتشابك فيها الدنيوي بالمفارق. فكما أن جراحة القلب تعتبر من أخطر العمليات الجراحية وأدقها، فإن تحرك المجدد داخل فضاء النص الديني يكون أحيانا بمثابة المشي فوق منطقة ألغام.
مبررات الخوف عديدة، ويمكن إيجاز أهمها في ما يلي: 
- يعتقد المحذرون من التجديد أن الإسلام كدين ونظام للحياة منظومة قائمة وشاملة ليست في حاجة لجهد بشري يرمي إلى مراجعتها أو تطويرها. ويرفض هؤلاء مقولة  القراءات المتعددة للإسلام ، مؤكدين على أن الإسلام واحد وليس متعددا، وأن فهمه واحد أيضا، وأن الإشكال الذي يمكن أن يحدث في هذا السياق هو البحث عن الفهم الصحيح للدين وتمييزه عن الفهوم الخاطئة والمنحرفة له. والفهم الصحيح تملكه الفرقة الناجية، أما ما عداه فمنشأه الهوى والجهل والانتساب إلى بقية الفرق الضالة. فالاختلاف المركزي مع أصحاب هذا الطرح هو في منهج فهم الدين ومشروعية تعددية أنماط التدين. أي التمييز بين الرؤية المثالية والرؤية التاريخية، وما يعنيه ذلك من تداخل حتمي بين النص والممارسة بمختلف أبعادها.
- الخوف من المساس بالثوابت العقائدية والتشريعية. وهو خوف مشروع، تفصح عنه بعض المحاولات أو الدعوات التي ترتفع من حين لآخر. لكن النقاش الأساسي الذي يفضي إليه هذا التخوف يتعلق بتحديد هذه  الثوابت  وكيفية التعامل معها عند السعي لتجديد الفكر الإسلامي وتغيير الواقع المتردي للمسلمين. فكلمة الثوابت قابلة للحصر عند البعض أو التمدد لدى البعض الآخر. كما أن هناك من يتخذ منها درعا لمحاصرة الإبداع والمبدعين، وسحب الشرعية الدينية منهم ومن أفكارهم. أي تحويل الدفاع عن الثوابت إلى حرب نفسية وعقائدية وسياسية ضد الخصوم.
- رفض معلن أو مبطن لإخضاع النصوص المرجعية الإسلامية إلى مناهج البحث الحديثة. وهو موضوع شائك لا يزال مصدر اختلاف والتباس. فهناك خوف شديد من أن يتعرض القرآن بالخصوص إلى ما تعرضت له بقية النصوص الدينية للمسيحية واليهودية وغيرها من الأديان من نقد تاريخي وتفكيك وفق آليات مناهج البحث الحديثة. أي أنسنة القرآن وتحويله إلى نص لغوي وتاريخي فاقد لأبعاده القدسية. ورغم أن أن القيام بذلك يشكل مغامرة معرفية محفوفة بكثير من المخاطر، إلا أن هناك مبالغة شديدة في الخوف على القرآن من مثل هذه المحاولات. ففي الماضي حدثت تجارب شبيهة عندما فسر القرآن بأدوات لغوية، وفقهية، وفلسفية، وصوفية. ولم يهدد ذلك الإسلام أو القرآن، وإنما أغنى محاولات الفهم، وخلق حيوية فكرية ثرية أخرجت القرآن من الأطر الضيقة التي حاول البعض أن يحصره داخلها. هذه المحاولات عملية مشروعة من زاوية حرة البحث العلمي، وهي تجري منذ عقود حتى لو تمت إدانتها من قبل هذه الجهة أو تلك. ومثل هذه المحاولات لا تخرج عن مألين: فهي إما أن تكشف عن حقائق يجب أخذها بعين الاعتبار في إعادة بناء فكرنا الديني، أو أنها تبي مجرد فرضيات يفترض الرد عليها بعلمية وموضوعية. وفي كلا الحالتين تكون الثقافة الإسلامية هي المستفيدة من الجدل الذي تفرزه مثل هذه المقاربات. وأخيرا، على المؤمن أن يميز بين مستويين حيويين في هذا السياق: المستوى الأول هو مجال الإيمان الذي يبقى محدودا بالذين آمنوا بالله وسلموا بنوة رسوله محمد. أما المستوى الثاني فيخص غير المؤمنين بالإسلام، والذين يحق لهم أن يناقشوا ويفهموا ما ورد في القرآن والسنة من نصوص ومفاهيم، مستندين في ذلك على أدوات البحث التي يتقنونها. بمعنى آخر، لابد من فتح المجال لبناء خطاب يؤكد على أن الإسلام رسالة موجهة للعالمين. ولا يتحقق ذلك إلا إذا صمدت النصوص الإسلامية أمام مختلف مناهج النقد الحديثة. 
وبقطع النظر عن هذا الجدل الذي لا يزال مستمرا، إلا أن المؤكد أن الإسلام ما لم يتجاوز أصحابه الخوف عليه مما هم يخافون منه، فإنهم سيبقون في حالة شلل، أما هو فسيتجاوزهم، ولكن على أيدي غيرهم. صحيح هي مفارقة عجيبة، لكنها في الآن نفسه هي إحدى خصائص قوته.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش