الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

السواحري في ذكراه السابعة: الواقــع أولا.. الواقــع دائمــا

تم نشره في الجمعة 30 آب / أغسطس 2013. 03:00 مـساءً

* إعداد: نضال برقان

 

 

في الوقت الذي يتذكر فيه الكبار أجواء الطفولة مرتبطة بالأزهار والحساسين، وغيرها من تفاصيل جميلة، استنادا إلى حميميتها، فإن القاص خليل السواحري، الذي مرت الذكرى السابعة لرحيله، (كان رحل في الحادي عشر من آب عام 2006)، عندما أراد استعادة أجواء طفولته الأولى وجدها مرتبطة بأصوات الأعيرة النارية، التي انطلقت باتجاه القرى الفلسطينية، التي احتلها الصهاينة حينها، وهو الأمر الذي انعكس على مسيرته الاجتماعية والأدبية والسياسية والفكرية بطبيعة الحال، متمثلا بضرورة الفعل المقاوم والفكر الذي يعتمد على المواجهة لا الانسحاب والتقهقر على الصعيد الخارجي أو الداخلي للذات، من أجل الوصول إلى عالم أكثر سلاما وأكثر إنسانية، من أجل طفولة غير مستلبة بأزيز الطائرات ودوي المدافع وأصوات الأعيرة النارية.

 

 الريادة ومقوماتها
ولد خليل السواحري في قرية (السواحرة) القريبة من القدس عام 1940، وترعرع وسط أجواء من الفقر والمجاعة مثل الكثيرين من أبناء جيله في تلك الأيام ثمّ أنهى دراسته في كلية الرشيدية عام 1958 حيث تأثر بالأجواء السياسية التي عمّت البلاد حينها وفي تلك المرحلة بدأ يتلمس خطاه في مسالك الأدب الوعرة فيكتب الشعر المقفى تارة وتارة يكتب النثر و القصة وشيئا فشيئا بدأ دوره في مسرح الحياة الأدبية في الأردن وفلسطين ثمّ حصل على ليسانس الدراسات الفلسفية والاجتماعية من جامعة دمشق عام 1965.
عاش السواحري تحت نير الاحتلال (الإسرائيلي)، الذي استولى على باقي الأراضي الفلسطينية في حرب حزيران، وعلى إثر حراكه ونشاطه في مقاومة الاحتلال أبعد السواحري إلى الأردن في عام 1969، وحينها عاد للعمل في صحيفة “الدستور”، حيث أصبح مشرفا على الزاوية الأدبية حتى عام 1985، وفي أثناء عمله مد يد العون لمجموعة غير قليلة من الكتاب الذين تفتح عطاؤهم في السبعينيات والثمانينيات، وهو واحد من أهم الأعمدة التي قامت عليها رابطة الكتاب الأردنيين نظرا لدوره البارز قبل التأسيس وبعده في نشاطها وحراكها، وكان له عامود يومي تحت عنوان (أضواء) على الصفحة الأخيرة من “الدستور”، كما كتب في زاوية (7 أيام) في صحيفة الرأي منذ عام 1990ـ1993، ثم انقطع بسبب عودته إلى الضفة الغربية حيث عمل هناك مديرا عاما للمكتبة الوطنية الفلسطينية، وخلال السنوات 1996 ـ 1998 عمل محررا للشؤون الأدبية في جريدة الأيام الفلسطينية (رام الله) حيث عاد يكتب زاوية أسبوعية على الصفحة الأخيرة من الجريدة تحت عنوان (دفاتر الأيام).
في بداية عقد الستينيات كان ثمة ازدهار ثقافي في أجواء المد القومي العربي الوحدوي، وفي تلك المرحلة تأسست المدرسة الواقعية في القصة والنقد فالأفكار الماركسية وتطبيقاتها في مجال الأدب كان لها آثارها الواضحة على أدباء الستينيات، وفي تلك المرحلة رصد السواحري، الذي يعتبر أحد أبرز كتاب القصة القصيرة في الأردن وفلسطين، عن قرب، وبواقعية تسجيلية، كل مرحلة من مراحل النضال الفلسطيني بكافة مجموعاته التي أصدرها، والتي كانت أولها مشتركة (3 أصوات) مع فخري قعوار وبدر عبد الحق ـ 1972، و(مقهى الباشورة) ـ 1975، و(زائر المساء) ـ 1985، و(تحولات سلمان التايه ومكابداته) ـ 1996، ثم (مطر آخر الليل)2002، حيث تمحورت كل مجموعة حول حدث متعلق بالقضية الفلسطينية ومفاصلها، بدءا بالنكبة وانتهاء بمكابدات العودة إثر أوسلو وتشكل مجموعة الحكايات في أعماله القصصية وحدة الحالة الوجدانية لكاتبها بسبب وحدة الزمان والمكان والأحداث والشخصيات لتدور في فلك قريب من فلك الرواية وهو رأي ذهب إليه غير ناقد تناول أعمال السواحري.
 ثقافة موسوعية
يلاحظ التنوع في طبيعة اهتمامات السواحري في مجال النقد والدراسات، فهو يكتب عن الشعر والقصة والرواية والمسرح، كما يكتب أحيانا عن الفن التشكيلي ويعلق عليه، وهذا التنوع يشير إلى الطبيعة الموسوعية للثقافة النقدية حيث كان اهتمامه بارزا في مجال الشعر، في مرحلة (الأفق الجديد)، وفي عقدي السبعينيات والثمانينيات يبتعد السواحري عن نقد الشعر لصالح نقد السرد في مجالي القصة والرواية، فيكتب دراسات عامة كمدخل نقدي للقصة القصيرة في الأردن راصدا مراحل تطور القصة مبرزا اتجاهات الكتاب منذ البدايات وحتى قرابة السبعينيات، كما له كتب في مجال الدراسات (زمن الاحتلال ـ قراءات في أدب الأرض المحتلة)، حيث صدر ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب عام 1979، و(حرب الثمانين يوما في الشعر الإسرائيلي)، وقد صدر عن دار الكرمل عام 1985، واعتمادا على دراسة للدكتور محمد عبيد الله بعنوان (خليل السواحري: قراءة في الموقف الأدبي) يمكن الإشارة إلى دراسة أخرى مجهولة للسواحري تحمل عنوان (علوم الفلسفة بين الغزالي وابن خلدون) وهي دراسة قصيرة قدمت لنيل درجة الدبلوم العالي في الفلسفة من الجامعة اليسوعية في بيروت وله كتاب مشترك مع سمير سمعان بعنوان (التوجهات العنصرية في مناهج التعليم الإسرائيلية) وقد صدر عن اتحاد الكتاب العرب ـ 2004، وعن المؤسسة العربية للدراسات والنشر قدم د. ضياء خضير دراسة نقدية في الأعمال القصصية للسواحري بعنوان (قمر القدس الحزين) ـ 2003، وكان الناقد العراقي جاسم عاصي تناول أعماله في كتاب (جوّاب الآفاق ـ رحلة النص القصصي عند خليل السواحري) ـ 2005.
 الواقعية الاجتماعية والوطنية
عمد السواحري إلى سلوك طريق نحو الواقعية الاجتماعية والوطنية التي نذر لها معظم تجربته الإبداعية، خصوصا في مجموعاته الأولى، لكنه ينصرف مجددا في مجموعته الأخيرة (مطر آخر الليل) نحو واقعية أكثر رهافة وأشد إخلاصا للمقتضيات الفنية التي تتأبى على التأطير في رؤى مسبقة، وهو الذي كتب قصص المجموعة الأولى في أعقاب هزيمة حزيران وتحت وطأة الشعور المرير بالهزيمة، لكنه نشر تلك النصوص في عام 1975، وهو التأخير الذي أفقدها شيئا من رياديتها فيما اتفق على تسميته بأدب المقاومة، لكن المجموعة ذاتها (مقهى الباشورة) أثبتت أنها لم تكن بمأى عن تلك الريادة حيث تزخر قصص المجموعة بوقائع الاصطدام بالحواجز البشرية والحديدية (الإسرائيلية) حتى حين يسعى الرازحون تحت وطأة الاحتلال إلى تفادي الاصطدام وهم يدركون أن جيوشا قهرت وأنه ليس بوسعهم وهم ريفيون بسطاء مواجهة احتلال يزهو أصحابه بالنصر، أما السياسة ودهاليزها فما زالت تستعصي على مداركهم البسيطة، وواقع الأمر أن تميز هذه المجموعة يقع في المواجهة الحثيثة الحارة للتحولات المأساوية التي وقعت على القدس و محيطها وهي تتحدث عن ردود الفعل المباشرة تجاه الاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة الأولى المبكرة قبل أن يبدأ الكفاح المسلح في فلسطين في داخل المناطق المحتلة.
في مجموعة (زائر المساء) يتابع السواحري مشواره محتفيا بظاهرة العمل المقاوم من جهة، مع إطلالة على تحولات المجتمع تحت الاحتلال من جهة أخرى، مع التمسك بمنهج واقعي في التناول والتحليل ملامسا أبعادا إنسانية رحبة، من دون أن يفارق عامله الأثير في الانحياز إلى للشرائح الكادحة، أما المجموعة الثالثة (تحولات سلمان التايه ومكابداته) فإنها تواكب مرحلة جديدة من التفكير والحيرة التي تجعل سلمان تائها، فيما كان أبطال المجموعتين السابقتين على معرفة بما يريدونه وما ينكرونه تماما، حيث سلمان التايه يحمل ملامح سيكولوجية ثابتة، فهو يمثل النموذج الإنساني المقموع الخاضع للبؤس واليأس والإذلال. 
في مجموعته الأخيرة (مطر آخر الليل) انتقلت قصصه من أجواء القرية إلى عالم المدينة من دون أن يتخلى عن المضمون الاجتماعي في عالمه القصصي، وهو المضمون الذي بدأ يأخذ أبعادا جديدة بحيث يتسع للهواجس الفردية والوجودية، ومسلطا الضوء على الوضع المقلق عربيا انطلاقا من أرضية تموت عليها المدن العربية والقيادات في ظلّ لا مبالاة الشارع وعجز كل صاحب رأي ورؤية عن استيعاب المرحلة أو مواكبتها.    
 الموقف النقدي ومحاوره
وحول أبعاد الموقف النقدي لدى السواحري نقف عند مجموعة من المحاور، حيث  أنه يدخل إلى الأعمال التي درسها من مدخل المضمون أو القضايا التي عالجتها، وأكثر ما لفت انتباهه واهتمامه إلى أعمال بعينها طبيعة القضايا الملتزمة التي عالجتها، سواء أكان التزاما بقضية فلسطين أو بالواقع الاجتماعي أو السياسي أو الانحياز إلى قيم العادلة والحق، أما الأعمال التي تخرج عن الالتزام وفق معناه عنده فمصيرها إلى الإهمال أو النقد القاسي لخروجها عن منطق عصرها، ونقف أيضا عند التلازم بين الشكل والمضمون، فمع عنايته بالمضمون، كمنطلق للاهتمام والنقد، فإنه يتأمل الكيفية التي تعين بها ذلك المضمون من ناحية التشكيل الفني والصورة التعبيرية له، وهو الذي يرى أن (وضوح المضمون في ذهن الكاتب يؤدي بالضرورة إلى نضوج الشكل ووضوحه)، وحول واقعية السواحري نلحظ الاهتمام والحماس الذي لم يقتصر على الإنتاج القصصي للكاتب وإنما سانده وعي نقدي برز في قراءاته النقدية ومراجعته للنصوص الإبداعية شعرا وقصة، ويمكننا القول إن معيار الانتماء إلى الواقعية بمختلف صورها وخياراتها وربما بوجه خاص الواقعية الجديدة المتأثرة بالواقعية الاشتراكية هو معيار حاسم لدى السواحري في الجزء الأكبر من نقده، أما بالنسبة إلى موقفه من التجريب ففي دراسة له عن الإنتاج القصصي لفخري قعوار يقول السواحري (التجريب ليس عيبا ولا هو جريمة أدبية يعاقب عليها القانون، إنه دلالة حياة وبحث مستمر عن الشكل الجديد ومحاولة لإغناء الشكل القصصي بتنويعات لا يسبرها الشكل التقليدي)، لكن، عمليا، السواحري لم يكن متحمسا للتجريب، بل كان يحذر منه، خصوصا إذا وجد أن الواقع لم يتغير ولم يفتح سبيلا جديدا يسوّغ التحولات في الشكل الفني حيث، يقول (عرفت أخيرا أن ليس ثمة مجال للتجريب أو التغريب فالواقع أكثر غرابة من الخيال وفانتازيا ما يحدث الآن يفوق ما يمكن أن يحدث على صفحات الورق في أية قصة أو رواية). 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش