الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حالة «الاستثناء».. كيف نحافظ عليها؟

حسين الرواشدة

السبت 31 آب / أغسطس 2013.
عدد المقالات: 2432

  ما تزال الخارطة “السياسية” للمنطقة العربية غامضة، فحالة الانقسام في مصر - مثلا - لم تحسم بعد لمصلحة أي طرف، وقد شهدنا أمس عودة المظاهرات الحاشدة في معظم المحافظات المصرية رغم اعلان “الطوارىء” واستمرار الاعتقالات الأمنية، ومحاولات اقصاء “الاخوان” وحلفائهم من المشهد السياسي، مما يعني أننا أمام مرحلة طويلة من “الصراع” السياسي والاجتماعي، وان أبواب مصر مفتوحة على المجهول، ما لم تحدث “معجزة” تدفع “الحكماء” الى التوافق على مخرج من الازمة.
  في سوريا أيضا، ما تزال “الحرب” بين النظام والمعارضة تتصاعد، ومع اقتراب موعد “انذار” النظام بضربات عسكرية محددة من قبل امريكا (وربما فرنسا) لا يبدو ان “ميزان” القوة سيتغير كثيراً، فمسألة الاطاحة “بالاسد” ونظامه لم تدرج - بعد - على “اجندة” الخارج، ومهمة التدخل العسكري - بكافة انواعه - لا تتجاوز محاولة “اضعاف” النظام وخلق حالة “توازن” بينه وبين المعارضة، مما يعني ان ملف “الصراع” في سوريا سيبقى معلقا حتى الوصول الى “استنزاف” كامل للدولة السورية، وإذعان كافة الاطراف لحلول جاهزة تتناسب مع مصالح القوى الغربية وحلفائها في المنطقة.
  إذا دققنا أكثر في “الخارطة” العربية سنكتشف - ايضا - بأن الاوضاع في العراق مرشحة للتصاعد وربما الانفجار، وبأن حدة “الصراعات” الطائفية والمذهبية تنذر بمزيد من الانفجارات والضحايا، كما سنكتشف بأن “تونس” الذي نجح بعد ثورته في ابرام “توافقات” سياسية معتبرة يتعرض الآن لعدوى “الانقسام” ويبدو مرشحاً لتكرار ما حدث في مصر، سواء على صعيد “الصراع” بين المعارضة اليسارية والقومية وبين الاسلاميين، أو على صعيد مواجهة خطر التطرف والارهاب، واذا أضفنا للمشهد “الغامض” ما يحدث في ليبيا والبحرين وغزة بموازاة ما يحدث في لبنان وما تشهده تركيا وايران.. فاننا أمام “صورة” جديدة تعكس ما حدث من تحولات في عالمنا العربي ومحيطه، وما يكتنفها من تدخلات في “الادوار” ومحاولات للاستقواء وبسط النفوذ، ومن حالة سيولة سياسية تشبه “الفوضى”، تجعلنا غير قادرين على “فهم” ما يجري، أو التعامل مع تناقضاته وتحولاته، الا “بالقطعة”، وذلك ما لم يسمح لأحد أن يحدد “تحالفاته” أو أن يحسم اتجاهات قراراته ومواقفه السياسية بشكل دقيق، وهذا يبدو واضحا - مثلا - في الموقف تجاه تركيا، فالبعض يلتقي مع انقرة حول الملف السوري، لكن يعارضها تجاه الملف المصري، وهكذا بالنسبة لايران، بل ان الشارع العربي يبدو منقسماً في داخله حيال المشهد السياسي العربي العام، سواء في الدائرة “الداخلية” الوطنية أو خارجها.
في سياق ذلك، يمكن الاشارة الى مسألتين: احداهما ان عصر التحولات السياسية والاجتماعية في بلداننا العربية لم ينته بعد، وان ما نتابعه ليس اكثر من “مخاضات” قد تسفر عن ولادات غير متوقعة، لكنها تحتاج الى وقت ربما يطول وربما يترافق مع المزيد من الصراعات والدماء والمعاناة، والمسألة الاخرى ان التدخل الاجنبي في هذا الصراع الطويل سيكون محدوداً، فقد قرر “الغرب” والقوى الاخرى الدولية التي تتصارع معه سياسياً، أن يتركوا “لانسان” هذا العالم العربي والاسلامي ان يخوض حروبه بنفسه، وان يدفع ضريبة عقود من الاستبداد والصمت والاكراهات السياسية، وهم يعتقدون ان هذه المرحلة هي مرحلة “تصفية حسابات” بين الشعوب العربية، وان عليهم ان يساهموا في “ادارتها” لا أن يكونوا طرفاً مباشراً فيها الا وفق اعتبارات محدودة، وتبعاً لحسابات مصالحهم، وهذا ما فعلته امريكا مثلا في مصر، وما فعلته روسيا في سوريا، وحتى مسألة “توجيه الضربات العسكرية” لنظام الاسد، فهو مجرد “انذار”، وبالتالي فان احداً في العالم لن يتدخل لمصلحة الشعوب العربية التي تواجه أنظمتها، ولن يدفع “قطرة دم” واحدة لحسم الصراعات بينهما الا اذا شكلت هذه الصراعات تهديداً مباشراً للمصالح الغربية.. وهذا مستبعد حتى الآن.
اذا اتفقنا على ذلك، فان الرهان الذي يعتمده البعض في بلادنا لفض “مولد” الاصلاح، والاطمئنان لنهاية عصر “التحولات” العربية، واشهار الانتصار على المعارضة، يبدو رهاناً خاطئاً، كما ان الانشغال بادامة الصراع واستخدام أدوات التحشيد واشاعة الكراهية ومحاولة “ترويض” الخصوم السياسيين استناداً الى “بشاعة” ما يحدث حولنا، او الى “تفهم”  الآخر ودعمه، لا يبدو ايضا صحيحا ولا مجدياً.
وعليه، فان ما نحتاجه اليوم هو التفكير مجدداً “بخارطتنا” السياسية والاجتماعية، ومحاولة تحديد ما يلزم من علامات عليها، واستباق كل ما حدث في الاقليم بحلول ومعالجات تحصننا من امكانية انتقال أي عدوى الينا.. وقد تبدو المسألة هذه بحاجة لمزيد من التفاصيل، لكن العنوان الاساسي الذي يجب ان نذهب اليه هو: التوافق على مشروع سياسي جامع، يجعلنا أكثر قدرة على مواجهة “تقلبات” الداخل، وضبط مزاجه العام.
وعلى مواجهة استحقاقات الخارج والتحوط من امتداد حرائقه الينا.. هذا بالطبع اذا أردنا أن نحافظ على حالة “الاستثناء” التي اختارها الناس والتزم بها الجميع في بلدنا.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش